مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 133 شتاء 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تلك الفجوة !! ـــ رئيس التحرير

في الحديث المباشر بين أي شخصين مختلفين لغةً فجوةٌ زمنية حتمية للترجمة، يتأخر الحوار بسببها، وتتأخر ردود الأفعال أيضاً. ويبدو الأمر مثيراً حين يكون في القول طرفة؛ إذ يبدو الضحك بعد فوات الأوان!‏

يختلف الأمر أهمية وإثارة حين تكون المسألة المتداولة جدّية، وتتضاعف المسؤولية حين يكون المتحاوران من ثقافتين مختلفتين، وهي الحال الأكثر فعالية؛ حيث الفائدة المرجوة أكبر.‏

إذا كان هذا ما يحدث في الحوار المباشر، فكيف هي الحال حين يكون الحوار غير مباشر؟! وكم ستطول فترة انتظار الفعل؛ ناهيك عن وصول رد الفعل المناسب!‏

وما نتناوله هنا يتعلق بالقضايا الأدبية والثقافية؛ إذ يدور كلام كثير حول علاقتنا بما ينتجه الآخرون في شتى بقاع الأرض من ثقافات، ومدى تعرّفه وتفهّمه واستيعابه والحديث فيه والتأثّر به، واستطراداً: تطبيق بعض مفاهيمه أو مناهجه أو جميعها، إذا ما كان الأمر ظاهرة أدبية أو نظرية نقدية مثلاً. ويقال الكثير في وصول النظرية بمختلف عناصرها وتجلياتها، وأخذنا بها وتمثلنا إياها، بعد أن تكون قد أصبحت من الماضي في الوسط الذي أنتجها أو سادت فيه؛ بصرف النظر عن الحوار أو الجدل حول مدى صلاحيتها للتطبيق في أدبنا العربي قديمه وحدثه.‏

إن بقاء الموضوع في ساح الاحتمالات يمكن أن يجعل الزمن الفاصل بين حصول مهتمٍّ على المادة واقتناعه بجدواها وترجمتها ونشرها، ووصولها إلى متلقٍّ مهتمٍّ أيضاً يمتد عقوداً..!‏

في الوقت الذي قد لا تستمر في منبتها المدة هذه. وإذا أضفنا إلى ذلك التساؤل حول جودة الترجمة، ومدى فهم المترجم للنظرية، وقدرته على تقديمها صالحة باللغة العربية، وتعذّر التحقّق من ذلك لندرة الاحتمالات الأخرى، تصبح الحال أكثر متاهة وضياعاً.‏

ولا يتوقف الأمر على ذلك؛ بل يتناول القضايا التي لم تصل إلينا، والأسماء التي لم نتعرف إلى أصحابها، في الوقت الذي تتكرر فيه أسماء وأفكار ونظريات وموضوعات..‏

صحيح أن الأمر تغيّر في الوقت الحاضر، بعد تزايد وسائل الاتصال وتنوّعها، وتسارع التواصل؛ لكن القلق يظل قائماً، وربما يأخذ اتجاهات جديدة تتعلق بالجدّية والموضوعية والمتابعة من قبل المهتمين أو المتخصصين.‏

ومن المفترض أن تجعل الظروف الجديدة الفجوة بين حصول الظاهرة ووصولها إلى المتلقي العربي تضيق أكثر فأكثر؛ فهل الأمر يبدو كذلك؟!‏

الكلام يطول ويتكرر حول الترجمة وعشوائيتها، وعدم وجود مؤسسات متخصصة وبرامج عمل متكاملة، والجهود الفردية والاهتمامات الشخصية والمناسبات التي تكاد تلخص أحوال الترجمة إلى العربية على حد اطلاعنا. إضافة إلى أن هواية الاهتمام بالأعلام، وبما هو مشهور أو معروف، أو ثبتت أهميته، ما تزال مغرية وسائدة ومرغوبة، حتى في أدبنا العربي؛ حيث يُتغافَلُ عن أسماء وأعمال وإمكانيات حقيقية، ويُتجه إلى ما بات كثير التداول ومألوفاً. وليت الملتفت إلى ذلك يقدم جديداً أو مفيداً، بعيداً عن النقل والتكرار!‏

إن أهمية الدوريات المختلفة، ولاسيما الثقافية منها، والتي تعنى بالآداب العالمية، كبيرة، وهي أسرع الطرق للتواصل في هذا المجال.‏

من هنا كان إلحاحنا وما يزال على تزويد هذه المجلة بما هو جديد أكثر.‏

ولا شك في أن الحاجة إلى الثقافة المعاصرة لا تكفيها دورية أو دوريات، لكنها تقدم ثراء لمتابع، وفائدة لمهتم، ومادة لدارس أو باحث...‏

وإن دور مثل هذه الدوريات لا يغني عن المهمة التي ينبغي أن تقوم بها مؤسسات متخصصة، ووسائل نشر وإعلام أكثر قرباً وتواصلاً وقدرة مادية وثقافية.. وهذا يخفف الفجوة الزمنية، وبالتالي المعرفية بين المنتج الأجنبي والمتلقي العربي؛ فمن الواضح أن هذه الفجوة ليست مقتصرة على الزمن فحسب، مع أهمية الزمن وقيمته؛ بل تتعداه لتأخذ أبعاداً ثقافية متنوعة، تغدو آثارها ـ في حال اتساع الفجوة وامتدادها مع قصور المشاركة الفاعلة ـ مدعاة للقلق والاكتئاب..!!‏

العالم واسع، ومستجداته وفيرة ومثيرة، ومن الضروري أن لا تأخذنا حوادثه الآنية المشتعلة، وقضاياه الملحة، بعيداً عن الاهتمام بالجوانب الثقافية التي تنمو ببطء، وتتراكم بطريقة مغايرة، وضرورة متابعتها ورصدها والحديث فيها ومناقشتها، وعدم انتظار مناسبة خاصة: جائزة ما، مشكلة أو فضيحة أو موت...، حتى يهتم بهذا الأديب أو ذاك، ويكتب عن الظاهرة هذه أو تلك، ويتحدث عن كتاب أو سواه؛ من دون الحاجة إلى تأكيد أهمية الثقافة والترجمة التي تشغل ركناً أساسياً فيها، لفهم العالم وقضاياه والمساهمة الإيجابية فيها، وبالتالي خدمة قضايانا والسعي لإنجازها اقتناعاً وإقناعاً.‏

مع التأكيد أن إلحاحنا على عناصر الثقافة المعاصرة لا يعني انبتاتاً عن الثقافة المزمنة ومبدعيها ونظرياتها ومظاهرها وإنجازاتها؛ بل يعني عدم الوقوف عندها فحسب، وعدم اقتصار المواد التي نترجمها وننشرها على ذلك فقط، مع ضرورة متابعة ترجمات وأبحاث تتضمن رؤى جديدة حيالها.‏

إنها دعوة مستمرة للاهتمام بهذا الجانب، ورفد «الآداب العالمية» بالمواد الجادة الحديثة، والمجلة مفتوحة الآفاق والأبواب والصفحات البحثية والإبداعية والراصدة لكل ما هو هام ومفيد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244