مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 133 شتاء 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حسرة كيت تشوبين ـــ ت.د.يوسف حطيني

امتازت الآنسة أورلي بشخصية قوية وخدين متوردين، وشعر كان يتدرج من البني إلى الرمادي، وعينين فيهما تصميم كبير ، كانت تعتمر قبعة عادة ما يعتمرها المزارعون، ومعطفاً قديماً أزرق عسكرياً، عندما يبرد الجو، وتنتعل حذاء ذا ساق طويلة في بعض الأحيان.‏

الآنسة أورلي لم تفكّر بالزواج أبداً، ولم تعرف الحبّ مطلقاً. طُلبت يدها للزواج في العشرين من عمرها، وهو طلب سرعان ما رفضته؛ وفي عمر الخامسة والعشرين لم تكن قد عاشت الحسرة بعد. وهكذا، فقد كانت وحيدة تماماً في العالم، باستثناء كلبها «بونتو» والزنوج الذين يعيشون في مزرعتها، ويجنون محاصيلها من الأرز والبرسيم، وطيورها، وقليل من الأبقار، وزوج من البغال، وبندقية (كانت قد أطلقت منها النار على صقور الدجاج)، بالإضافة إلى تديّنها.‏

في صباح أحد الأيام، وقفت الآنسة أورلي تتأمّل، وهي تضع ذراعها على خاصرتها، مجموعة صغيرة من الأطفال الذين، بغضّ النظر عن النوايا والمقاصد، ربما سقطوا عليها من السماء، لذا كان حضورهم على هذا النحو غيرَ متوقعٍ ومذهلاً، وغير مرحّب به، كانوا أطفال جارتها الأقرب، أوديل، التي لم تكن جارة قريبة على أية حال.‏

ثمة امرأةٌ شابةٌ ظهرت قبل خمس دقائق، ترافق هؤلاء الأطفال الأربعة، كانت تحمل (أوديل) الصغيرة، وتجرّ (تاي نوم) بيدها التي لا تطيعها، بينما مارسيلين ومارسيليت تتبعانها بخطا متعثرة. وجهها كان محمرّاً وكالحاً بسبب الدموع والاهتياج، لقد تم استدعاؤها إلى الأبرشية المجاورة بداعي مرض خطير أصاب أمها، كان زوجها بعيداً في تكساس، التي بدت لها أنها على بعد ملايين الأميال، بينما كان فالسين ينتظر بعربة الكارو ليقودها إلى المحطة.‏

«إنه ليس وقت الأسئلة، آنسة أورلي، سترعين هؤلاء الأطفال لأجلي ريثما أعود. يشهد الله أنني لم أرد إزعاجك معي لو كنت أستطيع فعل شيء آخر.. دعيهم يحبوك، ولا تبخلي عليهم، آنسة أورلي، كوني أمّاً لهم، أنا هنا... أنا نصف مجنونة بسبب هؤلاء الأطفال، وليون ليس في البيت، ومن المحتمل ألا أجد أمي على قيد الحياة أيضاً». العذاب هو الذي، ربما، قاد أوديل لكي تحسم ترددها وتشنجها وتغادر عائلتها التعسة.‏

لقد تركتهم متجمعين في الطريق الخالي من الظل في رواق البيت الطويل الخفيض.. كانت أشعة الشمس البيضاء تضرب الألواح الخشبية القديمة، وبعض الدجاجات تنبش في العشب، بينما راحت إحداها تتسلق بجرأة؛ كانت تخطو بتثاقل وكآبة، وبلا هدف. وكانت هناك رائحة لطيفة تنبعث من القرنفل في الهواء، وأصوات ضحكات الزنوج تأتي عبر حقول القطن المزهرة.‏

وقفت الآنسة أورلي تتأمل الأطفال. ونظرت نظرة متفحصة نحو مارسيلين التي كانت قد تُركت تترنح تحت وطأة ثقل أوديل، لقد لاحظت ارتباكاً مشابهاً عند مارسيليت، التي مزجت دموعها الصامتة بحزن «تاي نوم» الصاخب وتمرده.‏

في هذه اللحظات القليلة المفعمة بالتأمل، عزمَت على تحديد طريقة التعامل التي يمليها عليها الواجب، وقد بدأت بإطعامهم. لو كانت مسؤوليات الآنسة أورلي تبدأ وتنتهي عند هذا الحد... لكان من الممكن أن يُرفضوا بسهولة، على الرغم من أن بيتها كان معدّاً تماماً لاستيعاب حالة طارئة من هذا النوع.‏

ولكن الأطفال الصغار ليسوا خنازير صغيرة، إن لهم متطلبات، وهم يحتاجون للرعاية، على نحو قد لا يكون متوقعاً من قبل الآنسة أورلي، التي كانت مؤهلة لإسعاف المرضى.‏

لم تكن في الحقيقة بارعة في تدبير شؤون أطفال أوديل في الأيام القليلة الأولى، كيف تستطيع أن تعرف سبب بكاء مارسيل الدائم، عندما تتكلم بصوت مرتفع، مسيطرة على نغمة صوتها.. كانت هذه ميزة مارسيليت.‏

لقد أدركت ولع تاي نوم للأزهار بعد أن قطف كل أزهار الغاردينيا والقرنفل التي اختارها بعناية، لغرض واضح هو دراسته حول العقار النباتي.‏

ذلك ليس كافياً لإخبار الآنسة... نبّهتها مارسيلين: عليك أن تربطيه على الكرسي، هذا ما كانت أمي تفعله طوال الوقت، عندما لا يكون مطيعاً، كانت تثبته بالكرسي، الكرسي الذي ثبتت فيه الآنسة أورلي «تاي نوم» كان رحباً ومريحاً، وقد انتهز الفرصة ليأخذ سنة من النوم فيه حين أصبحت فترة ما بعد الظهيرة أكثر دفئاً.‏

وفي الليل، عندما أمَرَتهم بالذهاب إلى أسرّتهم، وكانت قد هشت الدجاجات إلى خمها، وقفوا أمامها مندهشين.. ماذا عن المنامة البيضاء الصغيرة التي أخذت من بقجة الملابس التي تم جلبها، بينما راحت تهزّ يدها بعنف، بصوت يشبه خوار ثور؟ ماذا عن حوض الاستحمام الذي أحضر ووُضع في وسط الأرضية، حيث أقدامهم المتعبة المغبرّة المسمرة بسبب الشمس ستُغسل لتغدو حلوة ونظيفة.‏

لقد جعلت مارسيلين ومارسيليت تضحكان بمرح، فكرة الآنسة أورلي التي اعتقدت لدقائق أن «تاي نوم» يمكن أن يستغرق في النوم دون إخباره بقصة «كروك ـ ميتاين» أو «لوب جرو» أو كليهما، وأن «أوديل» يمكن أن تستغرق في النوم أيضاً، دون أن تُهزَّ وأن يغنّى لها. «أقول لك، أيها العمّ روبي». الآنسة أورلي بلّغت طبّاخها بثقة. «أنا أفضل أن أدير اثنتي عشرة مزرعة من المزارع على أن أهتمّ بهؤلاء الأطفال... إن ذلك يشبه حفر الأرض.. لطفاً!! لا تحدثني عن الأطفال». أليس التصدي لمثل هذا الأمر يتطلب أن تعرفي كل شيء حولهم، آنسة أرولي؛ بصراحة لقد أدركتُ ذلك بوضوح أمس، عندما رأيت الطفل الصغير يلعب بسلسلة مفاتيحك، أنت لا تعرفين أنّ ذلك سيجعل الأطفال يصرّون بعناد أن يلعبوا بالمفاتيح دائماً، ويفتح شهيتهم ليلعبوا بالنظارة، هناك أشياء يجب أن تعرفيها حول نمو الأطفال وتدبير شؤونهم.‏

لم تكن الآنسة أرولي بالتأكيد تدعي أو تطمح إلى مثل هذه المعرفة الدقيقة، والبعيدة المدى، التي يمتلكها العم روبي الذي أخفى أكثر مما أعلن في يومها هذا.. كانت مبتهجة بما يكفي لتتعلم النزر من خدع الأمهات لتسعفها وقت الحاجة.‏

أصابع تاي نوم الدبقة أجبرنها على أن تُخرج مئزرها الأبيض الذي لم ترتدهِ لسنوات خلت، وقد وطّنت نفسها لقُبله اللزجة.. التي هي أسلوب التعبير عن المشاعر الرقيقة، والسجية الفياضة. لقد أنزلت سلة الخياطة التي نادراً ما تُستخدم، من أعلى الرف في الخزانة، ووضعتها في متناول اليد، في صدرة في مكان حريز لا يوصل إليه، لحين الحاجة.‏

أخذ منها الأمر بعض الأيام لتعتاد على الضحك والبكاء، والمشادات التي تردد صداها في أرجاء المنزل وحوله طوال يوم طويل. ولم تكن هذه الليلة الأولى أو الثانية التي تستطيع فيها أن تنام بارتياح مع حرارة أوديل القليلة، وجسده الممتلئ الذي يضغط عليه، وبعض أنفاسه الحارة التي تلذع خدها بهواء يشبه تهوية جناح الطائر.‏

ولكن بعد انتهاء أسبوعين كانت الآنسة أورلي قد تأهلت تماماً للتعامل مع الوضع الجديد، ولم تعد تشكو.‏

وعند انتهاء أسبوعين أيضاً، إذ كانت الآنسة أورلي في إحدى الأمسيات تتقدم نحو المعلف حيث تأكل الماشية، رأت عربة فالزين الكارو الزرقاء تلفّ عند منعطف الطريق. جلست أوديل بجانب السائق الهجين متيقظة متأهبة. وعندما صارت العربة أقرب ظهر وجه المرأة الشابة الباسم، وهي تشير، سعيدة، نحو بيتها.‏

ولكن هذا المجيء غير المعلن عنه وغير المتوقع، جعل الآنسة أورلي مرتعدة، وهذا ما جعلها مهتاجة تقريباً، لقد تجمّع الأطفال. أين تاي نوم؟ هو منعزل هنالك يضع حافة السكين على المجلخة. وأين مارسيلين، ومارسيليت؟ إنهما تقطعان وتكيّفان أسمال اللعبة في زاوية الرواق. أما بالنسبة لأوديل، فهي آمنة بما فيه الكفاية على ذراعي الآنسة أورلي، وقد صاحت مسرورة للمشهد المألوف للعربة الزرقاء التي أحضرت أمها إليها. لقد كانت الإثارة مسيطرة. وقد ذهبوا. أي هدوء سيحلّ بعد أن ذهبوا؟ الآنسة أورلي وقفت على الشرفة، تنظر وتستمع، لم تكن تستطيع أن ترى العربة لمسافة أطول، إن الغروب الأحمر، والشفق الرمادي المزرقّ، تجمعا، ونثرا الأرجوان الضبابي عبر الحقول والطريق التي اختفت عن مدى رؤيتها. لم تعد تستطيع سماع صفير العجلات وصريرها، إلا أنها ما تزال تسمع بضعف شديد، أصوات الأطفال الصاخبة السعيدة. ها قد عادت إلى المنزل، فثمة كثير من العمل ينتظرها، إذ ترك الأطفال وراءهم فوضى حزينة، ولكنها لم تجلس على الفور لإنجاز مهمة إعادة ترتيبه.‏

الآنسة أورلي جلست بنفسها بجانب الطاولة، وألقت نظرة عبر الغرفة، حيث كانت ظلال المساء تزحف وتدلهمّ حول شخصيتها المنعزلة. لقد تركت رأسها يسقط على ذراعها المحنية، وبدأت بالبكاء، أوه، ولكنها لم تبك بهدوء، كما تفعل النساء عادة، بل راحت تنشج كرجل، حيث بدت وكأنها تذرف دموع روحها، حتى إنها لم تلاحظ كلبها (بونتو) الذي راح يلعق يدها.‏

كيت تشوبين (1850 ـ 1904)‏

كاتبة أمريكية، كتبت القصص القصيرة والروايات، وتعدّ رائدة الكتابة النسائية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في أمريكا. نشرت مجموعتين قصصيتين هما «شعب البايو» Bayoufolk عام 1884 و«ليلة في أكادي» Night in Acadie عام 1897، كما نشرت روايتين هما «المذْنب» At fault عام 1890 و«اليقظة The Awakening» عام 1899، ويتفق النقاد المعاصرون على أن تشوبين برعت في تصوير أدقّ المشاعر الإنسانية في جميع الموضوعات التي تناولتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244