جريدة الاسبوع الادبي العدد 1106 تاريخ 7/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أوربـّة العالم ...نرجسية باهظة الثمن؟! ـــ د.جاسم محمد زكريـا

إن أوربـّة العالم Europeanisation حلم أوربـا الأزلي في سيادة الجنس الأبيض على العالم، هو الذي قادها إلى اكتشافاتها صدفة، ليبدأ عصر الاستعمار الاستيطاني النهائي، عبر أضخم وأطول قافلة بشرية مهاجرة، امتدت طوال القرن التاسع عشر. لقطت أوربا خلالها نحو (60) مليون نسمة إلى العالم الجديد، لتغرس "أوربات صغيرة" تدين بالولاء والتبعية "لأوربـــا الأم"(1). غير أن الخروج الأبيض كلف العالم ثمناً عظيم السداد؛ إذ لم يبقَ من السكان الأصليين للعالم الجديد (( ما سمي لاحقاً أمريكا وأستراليا)) ، والبالغ تعدادهم نحو (60) مليون قبل ظهور "الرجل الأبيض"؛ إلا ثلاثة ملايين ونصف، خضعوا للأعمال الشاقة، في مناجم الذهب والفضة. وقد تمت الإبادة الجماعية عبر المذابح والفيروسات وغيرهما من وسائل الإفناء الشامل، التي نقلها "الجنس الأبيض" من ثمار حضارته إلى "الشعوب البربرية"....‏

وساد الشعار الأمريكي الشهير "الهندي الطيب هو فقط الهندي الميت"، ووصلت عمليات إبادة الجنس إلى حد صيد رؤوس head-hunting” “منظم وعلني أحياناً، كنوعٍ من الرياضة، حتى انقرض من عالم الوجود العرق "التزماني" انقراضاً تاماً(2).‏

** أما العرق الأسود: فقد تعرض لأسوأ عملية قرصنة واقتلاع عرفها التاريخ البشري على مدار التاريخ؛ خضبتها دماء ملايين الزنوج، الذين اقتلعوا من مواطنهم في أفريقيا، ليعملوا في بناء حضارة "الرجل الأبيض"، وليكونوا سقط متاع له، تتداوله يديه بأبخس الأثمان، فولد ذاك الذل الغابر، كراهية لا تفتر لكل ما جاءت به حضارة "الرجل الأبيض".‏

في الواقع، لهذه المشكلة جذور دامية، لأن تلك الحضارة " البيضاء"؛ طمست دين أجدادهم، "وكانت نسبة غير قليلة من أولئك الأفارقة تدين بالإسلام"، لذلك فمن غير المستغرب أن تنهض بين أحفادهم؛ الحركات التي تنادي بأسلمة الزنوج وعودتهم إلى الإسلام دين أجدادهم، ومنها الحركة المسماة باسم قائدها "إليجا محمد".‏

وفي السياق ذاته؛ عمد أحفاد أولئك الزنوج ـ في أحيانٍ أخر ـ إلى تطوير "مسيحية سوداء" تخدم مصالح السود، بل تصوروا "يسوع.."بأنه أسود، أي أن ردة الفعل على تاريخ الإرهاب الأبيض اتجاه أجدادهم؛ مازالت تضطرب بين اليأس والنقمة، ولعل من أصدق صورها؛ ما ورد في قول قس أفريقي من السنغال، جاء فيه: "لا بد أن يكون الله أبيض، لأنه لم يخلق اللون الأسود فيما خلق، من ألوان في النبات والأشجار والثمار، هل رأيت مطراً أسود أو بحراً من الحبر؟ هل رأيت ملاكاً في صورة سوداء؟ هل رأيت نبياً جاء من الجنس الأسود؟.إن كل هذا دليل على أن الله أبيض، وأنه اختار الشعوب البيضاء لتقود الحضارة والإنسانية"(3).‏

ونحن بالطبع لا نقر بهذا القول، فالله سبحانه ليس كمثله شيء، وديننا الإسلامي الحنيف يقر بالمساواة بين البشر لوحدة الأصل والغاية.‏

** أما العرق الأصفر، فقد ناله هو الآخر نصيباً معلوماً من الثمن الباهظ الذي دفعه العالم لإرساء دعائم حضارة "الرجل الأبيض". فقد اقتضت متابعة التوغل الاستعماري في قارة آسيا –لا سيما الهند والصين- أن توسل الغزاة الغربيون "بالأفيون" حتى بات المصدر الأول للقطع الأجنبي في الهند، إبان القرن التاسع عشر. وفي الصين، توسل التجار "الإنجليز" بكل ما استطاعوا لنشر "الأفيون"، حتى إذا ما أعيتهم السبل، تدخلت "بلادهم" لإرغام الصين على قبول التجارة الإنجليزية تلك، في واحدةٍ من أحط الحروب في التاريخ؛ وهي حرب الأفيون الأولى 1839-1842 التي انتهت بهزيمة الجيش الصيني، واستيلاء بريطانيا على "هونغ كونغ"، وإرغامها للصين على دفع غرامات كبيرة لتجار المخدرات الذين أضيروا في الحرب!!. وقد حاولت بريطانيا الضغط على حكومة الصين للموافقة على أن يكون استيراد الأفيون عملاً تجارياً مشروعاً. وعندما رفض إمبراطور الصين "قرار التمدين الغربي" هاجمت القوات البريطانية بلاد الصين وقتلت الآلاف في مذبحة مروعة لن ينسى التاريخ آثارها(4).‏

وبلغ الأمر أن تداعت دول غربية عدة لتقوم بحملةٍ عسكريةٍ مشتركة للقضاء على ثورة "البوكسير"(5) الصينية الوطنية، دعماً وتعضيداً لاستمرار الامتيازات الاقتصادية والسياسية في الصين. إضافة إلى ذلك، تحالفت دول غربية عدة لتضرب حصاراً بحريا على فنزويلا عام 1902، لإرغام حكومتها على تحصيل ديون لرعايا تلك الدول(6).‏

وينهض دليلنا الآخر هذه المرة من رماد "هيروشيما" و"ناغازاكي"(7). بالسؤال لماذا ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنابلها النووية عليهما، وليس على "برلين" و"ميونيخ"؟! ولا نجد رداً شافياً سوى التمييز العنصري للأبيض، وإن كان في أشد حالات العداء. ورأينا هذا لا يعدم النصير حتى في الفقه الغربي. وهكذا نجد "كينيث بولدينج" Kenneth Boulding” يقول:‏

"إن الشخص الذي لا أستطيع أن أخرجه من عقلي هذه الأيام، هو الشاب الذي قذف أول قنبلة ذرية … فلو أن هذا الرجل أمر بإلقائها على "ميلووكي" Milwaukee ـ مدينة أمريكية ـ لكان قد رفض أن ينفذ هذا الأمر بالتأكيد… ولكن لكونه قد طلب منه إلقائها على "هيروشيما" فإنه لم يوافق على ذلك فقط، وإنما أصبح في عداد الأبطال بسبب ذلك… وطبعاً لست أرى فارقاً يذكر بين إلقائها على "ميلووكي" وإلقائها على "هيروشيما". إن الفرق هو فرق في الشعور بالجماعة… في الإحساس بـ "نحن"، ذلك أن القوم في "ميلووكي مدينة أمريكية" على الرغم من أننا لا نعرفهم، فهم قوم "منا" وينتمون "إلينا"، إنهم جزء من "نحن". في حين أن القوم في هيروشيما قوم "منهم" وينتمون "إليهم"(8).‏

ومما لاشك فيه؛ أن تلك النظرة المهينة لمعتقدات شعوب شرق آسيا، كانت ذريعة الغرب لاحتلاله، بحجة حماية المبشرين الفرنسيين ضد تنكيل الأهالي، ولتغدو بعد حين مناصرة نظام "دييم" الكاثوليكي سبباً في حرب فيتنام(9).‏

الهوامش:‏

هوامش الدراسة:‏

(1) انظر: أ. د. جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1999، ص135.‏

(2) انظر: أ. د. جمال حمدان، المرجع السابق. ص138.‏

(3) لمزيدٍ من التفصيل؛ انظر: د.محمود دياب، الإسلام في أفريقيا اليوم، في محاضرات ومناقشات الملتقى (11) للفكر الإسلامي، منشورات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1984، ص9 وما بعدها. وأنظر في المرجع نفسه: د. دونيس ووكر، علاقة الأفارقة الأمريكان بالإسلام، المرجع السابق، ص31 وما بعدها، وأنظر أيضاً: د. حسان حتحوت، المسلمون في أمريكا، مجلة الهلال، القاهرة، عدد كانون الثاني/يناير، 1999، ص90.‏

(4) انظر: د. رشاد السيد، المخدرات واجهة الحضارة الملوثة، مجلة منار الإسلام- الإمارات العربية المتحدة، العدد 11، لعام 1997، ص 118-119.‏

(5) ثورة البوكسير “The Boxer rebellion” التي شكلت مقدمة الثورات الوطنية الصينية في مطلع القرن العشرين. انظر:‏

- FRIEDMANN( W. G), The changing structure of international law, stevens & sons, London, 1964, , p22.‏

(6) Ibid., p22.‏

(7) كان ذلك في 6 آب "أغسطس" سنة 1945، على "هيروشيما" و"ناغازاكي" على التوالي، وبعد أن تجاهل قادة اليابان إنذار الحلفاء باستسلام الحلفاء دون قيد أو شرط “unconditional surrender”، وقد تزامن ذلك بإعلان "الاتحاد السوفيتي السابق" الحرب على اليابان، وغزوه "مانشكو" Manchukuo، وكوريا. لمزيدٍ من التفصيل انظر:‏

- MATTHEW. (G. H), Asia in the modern World, New American Library, 6th edition, 1963, p 137.‏

(8) لمزيدٍ من التفصيل في التعليق على هذا الرأي انظر: إنييس ل. كلود (( الإبن))، النظام الدولي والسلام العالمي، ترجمة: د. عبدالله العريان، دار النهضة العربية، 1964، ص 554.‏

(9) لمزيدٍ من التفصيل انظر: برتراند رسل، جرائم الحرب في فيتنام، ترجمة: يحيى عويس، المتحدة للنشر- القاهرة 1970، ص 56.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244