|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
هل تسقط أمريكا كما سقطت روما ؟ للكاتب الأميركي : كالن ميـرفي ـــ ترجمة واعداد: نزيـــه الشوفي مايجمع بين الإمبراطورية الأمريكية وبين الإمبراطورية الرومانية القديمة (التي هيمنت علي العالم لما يقرب من ستة قرون ) هو التحلل الاجتماعي والفساد وتعدد الثقافات، وبناء قواعد عسكرية على أراضي دول أخرى ، والاعتقاد بأن هناك مهمة ورسالة يجب على الإمبراطورية أن تبشر بها وتنشرها في العالم.. هذه كلها مظاهر الانهيار الذي آلت إليه الإمبراطورية الرومانية .. في هذا السياق صدر كتاب "هل نحن روما؟ : قصة سقوط إمبراطورية ومصير أمريكا" ( 2007 - 272 صفحة)، للكاتب الصحفي الأمريكي كالن ميرفي .. يوضح ميرفي في مقدمة كتابه بأن هناك قاسمين مشتركين أو متشابهين بين الإمبراطوريتين ، مؤكداً أن النقاش والمقارنة مع الإمبراطورية الرومانية كان موجوداً في المجتمع الأمريكي منذ وقت طويل. الأول هو تاريخي ، فالإمبراطورية الرومانية كانت ملكية في البداية، ثم تطورت عبر الزمن إلي جمهورية، أما أمريكا فهي جمهورية انبثقت عن الملكية البريطانية، وبقيت تحمل في أحشائها قسمات الإمبراطورية . ويشير المؤلف إلى الطراز المعماري للعاصمة الأمريكية واشنطن إذ إنه يمثل طرازاً معمارياً رومانياً خالصاً، أما القاسم الثاني فهو حديث يدور حول نشر جيش كلتا الإمبراطوريتين في أنحاء مختلفة من العالم . وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الولايات المتحدة في العالم باعتبارها القوى العظمى الوحيدة المهيمنة ، ظهر النقاش والجدال حول تشابه روما وأمريكا من جديد .. ويطرح المؤلف هنا تساؤلاً هاماً هو: هل تسقط أمريكا مثلما سقطت روما؟ ويجيب المؤلف على ذلك بالقول : إن هناك انطباعاً عالمياً بأن أمريكا أصبحت إمبراطورية تشترك في كثير من الخصائص مع الإمبراطورية الرومانية ، لكن لا يوجد إجماع أمريكي في الموقف العام من ذلك . فهناك فريق وفي مقدمته الرئيس الأمريكي جورج بوش والمحافظون الجدد يرى أن الوقت قد حان لكي يكون العالم كله أمريكياً علي طريقة Pax America - - هذا الفريق الذي تنضوي تحته الإدارة الأمريكية الحالية يرغب في فرض املاءاته على العالم بالطرق التي يريدها. فيما يدعم الفريق الآخر سياسة خارجية متواضعة .. وفي مجال التشابه بين روما وأمريكا يعدد المؤلف هذا التشابه في عديد من الأوجه ويقول: إنهما بكلتيهما تعاني مما وصفه بـ"التعفن الاجتماعي" وغياب الفضائل والأخلاق العامة في المجتمع (الذي يعاني بدوره من التفرقة وعدم المساواة بين مواطنيه واتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية فتجد الطبقة المتخمة وطبقة تعاني الفاقة الشديدة والعوز) .. وفي روما كانت نسبة طبقة الصفوة للطبقة العادية 5000 إلى واحد ، بينما في أمريكا فإن الدخل المتوسط لأي مدير تنفيذي هو أربعمائة ضعف دخل العامل العادي!. فالفساد استشرى في مؤسسات كلتا الإمبراطوريتين بعد أن تم إضعافها بأشكال الخصخصة المتعددة ، فمثلا تجد أن المهام الحكومية قد أوكلت لشركات خاصة ، وتشترك الإمبراطوريتان في القدرة العسكرية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية الكبيرة التي خلقت نظاماً يجبر العالم على السير في ركبه، وكذلك فإن كلتا الإمبراطوريتين تستقدمان المهاجرين من العالم وترحبان بالمواطنين الجدد ، وتبدي استعداداً لتقبل الآخر المختلف وحتى الدين المختلف . وفي كلتا الإمبراطوريتين هناك قائد آمن بوجود رسالة معينة على بلاده أن تبشر بها وتوصلها للعالم .. وفي هذا السياق فإن قيصر روما وجورج بوش الابن نزل عليهما الوحي وراحا يعملا ن على نشر قواتهما العسكرية في دول مختلفة لإكمال هذه "الرسالة" ، وكأن بوش والقيصر رسولان لا يكتفيان بالبلاغ وإنما يجبرون الناس على الطاعة والامتثال لما يريانه صائباً.. وبالطبع فإنهما أثناء ممارسة هذا الدور "الملائكي" او الوحي ، لا يحملان للمجتمعات المستهدفة سوى نظرات الدونية التي تحط من شأنها وتقلل من قيمة ثقافاتهم وعقائدهم .. فالعالم بالنسبة لهما لم يضم سواهما ولا يهمهما أي رأي آخر. *- الخصخصة والفساد: و تنبأ المؤلف ، في هذا الفصل بسقوط الإمبراطورية الأمريكية ، حيث أشار إلى خصخصة المؤسسات الحكومية عن طريق تكليف أفراد وشركات تجارية بتنفيذ المهام الحكومية باعتبارها مؤشراً مشتركاً يعيد إلى الأذهان التجربة الرومانية وينبئ بسقوط أمريكا ، حيث أظهرت دراسة أجريت بأواخر التسعينات إلى ازدياد تحول الوظائف الحكومية إلى وظائف خاصة ، حيث يقدر عدد الأفراد العاملين في القطاع الخاص مع أدائهم مهام حكومية فيدرالية بنحو 8,5 مليون شخص.. ولم تكن الخصخصة شيئا جديداً يطرأ على المجتمع الأمريكي ، بل كان نية مبيتة له ؛ ففي الثمانينيات، شكل الرئيس رونالد ريغان لجنة رئاسية مهمتها إلغاء الحدود بين الوظائف العامة والوظائف الخاصة ومنح القطاع الخاص كافة أشكال الدعم ، وهي نفس الرؤية التي حملتها إدارة بيل كلينتون في التسعينيات . وهكذا أصبح المواطن الأمريكي مضطراً لدفع ثمن باهظ لخدمات كثيرة كان في الماضي يحصل عليها بالمجان، مثل إحصائيات مكتب الإحصاء الأمريكي الذي كان يقدم خدماته للجميع مجاناً لكن معلوماته الآن أصبحت مرتفعة الأسعار بحيث لا تستطيع سوى الشركات الكبيرة دفعها. ومن الوظائف الحكومية التي تمت خصخصتها: الإشراف على بنية الطرق السريعة ، والتفتيش الغذائي ، ومراقبة وتأمين الحدود وحتى حماية النفايات النووية كلها أصبحت مأجورة.. ويقول المؤلف: إن هؤلاء الموظفين الذين يؤدون هذه الأعمال تنقصهم الخبرة كما أنهم غير أكفياء ، فلا يوجد ما يشغل بالهم سوى كيفية زيادة أجورهم دون أي اعتبار للمصلحة العامة ، ويضرب مثالاً على ذلك بفشل الهيئة الفيدرالية لإدارة الطوارئ التي يعمل فيها أشخاص تم تعيينهم وفقاً للانتماءات السياسية أو بالرشى على الرغم من عدم خبرتهم ، فأثناء وقوع إعصار كاترينا كانت الاستجابة غير سريعة فكانت النتيجة كارثية.. وأشار الكاتب لكتاب آخر نشر عام 1976 بعنوان "حكومة الظل" حذر فيه المؤلفان دانييل جاتمان وباري ويلنر من انتقال الوظائف الحكومية للمستشارين التجاريين ومراكز الأبحاث السرية التي لا يحاسبها أحد لتتحول بذلك إلى قطاعات حكومية كاملة إلى تجارة المرتزقة .. * - جيش مأجور خدم أمريكا وروما! المحور الآخر الذي يتضمنه هذا الكتاب هو ما تحدث عنه الإعلام بإسهاب ، وهو جيش المرتزقة الذي جمعته الولايات المتحدة من شركات عسكرية خاصة ليحارب معها في العراق. ونظرا للرؤية المختلفة لقيادة الإمبراطوريتين للجيش باعتباره أداتها لإكمال نشر أفكارهما في العالم، فإنهما كانتا في حاجة إلى جنود مأجورين يقاتلون جنباً إلي جنب مع الجيش الأصلي الذي لا يتناسب حجمه مع المهام المطلوبة منه. ويشبه المؤلف هذا الدور بالدور الذي لعبه المقاولون والتجار في عهد قيصر روما حيث دأبوا على مرافقة القادة العسكريين في الحروب وإمداد الجيش بما يحتاجه والقيام بأي خدمات أخرى مقابل أجر كبير يتناسب مع قدر المخاطرة التي يتحملونها. ويقول المؤلف : "في عام 1960 كان عدد ضباط الشرطة يزيد بكثير عن حراس الأمن المأجورين أما الآن فقد أصبح عدد الحراس المأجورين ضعف عدد ضباط الشرطة بعدما أصبح قطاع الأمن الخاص قطاعاً رائجاً ينمو بسرعة كبيرة في المجتمع الأمريكي. حتى أن أكثر وأخطر المهام السرية المرتبطة بالمخابرات الأمريكية من أعمال ترجمة ومراقبة اليكترونية وتحقيقات وتحليلات وتقارير وملخصات توكل إلي شركات خاصة هادفة للربح .. ويذكر المؤلف أن هناك ما لا يقل عن 90 مسؤولاً سابقاً في وزارة الأمن الداخلي وفي مكتب الأمن الخاص في البيت الأبيض يعملون حاليا في شركات خاصة. وينقل المؤلف عن أحد المحللين بجامعة جونز هوبكنز قوله: إن حجم المقاولين زاد بشكل يصعب معه الادعاء بأن للحكومة سيطرة ما عليهم. ويدلل على هذا التحليل بقوله : إنه لو كانت الإدارة الأمريكية لها أي سيطرة على هذه الشركات الخاصة - التي توكل إليها أعمال كبيرة وهامة ليس على الأراضي الأمريكية فحسب بل في العالم كله- لما كان الفساد ليستشري بهذه الصورة في عمليات إعادة اعمار العراق التي شاركت فيها شركتا بيكتل و هاليبرتون ؛ فالشركات الخاصة معفاة من القوانين التي تلزم الشركات الحكومية وعلى هذا الأساس لم تمنع العقوبات الأمريكية الرسمية على إيران وليبيا والعراق ( قبل الحرب) شركة هاليبرتون من القيام بعمليات تجارية عبر شركات تابعة لها مع هذه الدول الثلاث المغضوب عليها. وينتقد ميرفي تفكير الإدارة الأمريكية في إعفاء شرطة حرس الحدود من مهمتها واستبدالها بمقاولين متعددي الجنسيات. فقد ظل الأمريكيون منشغلين وغافلين عن خصخصة الوظائف الحكومية إلا أنهم سرعان ما هبوا لوقف صفقة كانت ستتولى بموجبها شركة "دبي " العالمية الإماراتية إدارة نصف كبرى الموانئ الأمريكية. هذه الهبة كشفت لهم أنهم كانوا غافلين عن خصخصة عمليات الإشراف ومراقبة الموانئ التي بدأت منذ ثلاثة عقود حتى بات الآن حوالي 80% من الموانئ الأمريكية تحت إدارة شركات أجنبية وعلى رأسها الشركات الصينية. ولم يسلم أي من أنظمة المياه والمجاري ولا المطارات أو المستشفيات العامة من جائحة خصخصة الوظائف الحكومية. حتى الجامعات الحكومية التي يفترض أن تدعمها الحكومة تدهورت حالها وسحبت الجامعات الخاصة البساط من تحتها لتتاجر في العملية التعليمية . والطريف في الأمر أن وزارة الداخلية الأمريكية اقترحت فتح الباب أمام بيع أسماء المتنزهات العامة الأمريكية لمن يريد أن يستفيد من شهرتها ولمن يدفع أكثر وكأنها بلد يعرض كل ممتلكاته في مزاد علني أو بلد يبيع نفسه... * فضائح ديمقراطية روما: هناك بعض الاختلافات بين الإمبراطوريتين وهي الأمل الذي يعيش عليه بعض الأمريكيين ليدفعوا ببطلان النهاية الأليمة المتوقعة لإمبراطوريتهم بناء على أوجه التشابه الكثيرة، والتي تفوق الاختلافات بينها وبين نظيرتها الرومانية. من هذه الاختلافات نذكر أن الإمبراطورية الرومانية لم تكن لديها طبقة وسطى في المجتمع التي تعتبر أساس المجتمع الأمريكي ، كما لم تنتج روما أفكاراً وعلوماً للعالم بالقدر الذي أنتجته أمريكا وأصبحت بناء عليه قبلة للعلوم والتكنولوجيا والإبداع، ومن ضمن الاختلافات من الناحية الاقتصادية فقد كان اقتصاد روما ثابتا ومستقراً بينما الاقتصاد الأمريكي يتمتع بالحيوية والديناميكية. وقبل أن تصبح روما إمبراطورية كانت دولة لآلاف السنين ، بينما قضت أمريكا مائتي عام فقط قبل أن تتحول إلى إمبراطورية عظمى .. فعلى مستوى الإدارة والحكم، لم تكن الإمبراطورية الرومانية إمبراطورية ديمقراطية مثل أمريكا ، وان كانت قد اتبعت أمثلة متواضعة للديمقراطية، وكانت عاصمة الإمبراطورية مكمن السلطة والنفوذ واعتمدت جميع المدن والأحياء على سلطة ومواهب الطبقة العليا. ومنذ حوالي 50 عاماً، أجرى المؤرخ البريطاني جيفري كروا من جامعة أكسفورد بحثاً متعمقاً في كلمة "سفراجيام" اللاتينية - و تعني صندوق التصويت- ليؤرخ للحياة السياسية والنظام السياسي في إمبراطورية الرومان ، ووفق هذا المعنى فان المواطنين في البداية كان لديهم الحق في ممارسة نفوذهم وتأثيرهم للتحكم في اختيار المرشحين لبعض السلطات ، وبالطبع كان لكبار رجال روما شبكات نفوذ واسعة مكنتهم من تحقيق إراداتهم ، لكن "سفراجيام" لم تكن تطبق على نطاق التصويت فقط بل و للحصول على وظيفة أو للتأثير على حكم قضائي، وكان يعد من قبيل التفاعل الاجتماعي الروتيني، ثم تطور الأمر ودخلت الرشاوى والعمولات في اللعبة حتى إنه مع انهيار الإمبراطورية الرومانية لم يكن هناك أي عمل يتم بدون دفع رشاوى مالية، وكان كل هدف الرومان العاملين في الوظائف الحكومية هو تحقيق أكبر مكاسب ممكنة .. وعرفت "سفراجيام" صراحة بعد ذلك بأنها رشوة. ويقول المؤلف ساخراً : إن حجم التصفيق الحاد الذي يلقاه الرئيس بوش في خطاباته عن حالة الاتحاد يذكر بالناس كثيري الهتافات الذين كانت تستأجرهم القيادات الرومانية للتصفيق لهم . لكن السؤال الأخير للمواطن الأمريكي هو : كم سيدوم هذا التصفيق؟؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |