|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ولادة القصيدة في الشّعر العربي الحديث ـــ محمد الغزّي استخدم الشّعراء في وصف «ولادة القصيدة» صوراً عديدة، يشير أقلّها إلى الولادة الطّارئة حيث «تضرب القصيدة كالبرق»(1)، على حدّ عبارة نزار قبّاني، فيستجيب لها الشّاعر صاغراً، ويشير أكثرها إلى الولادة المتعسّرة حيث تأتي القصيدة أمشاجاً متلاحقة فيقبل عليها الشّاعر ليلتمس ما أخطأ من نفسه و ما أصاب فيثبت و يمحو، و يقدّم و يؤخّر، على حدّ عبارة صلاح عبد الصّبور. لكن في الحالتين كلتيهما يحيط الشّاعر هذه الولادة بهالة من الغموض... وربّما تأوّلها تأويلات عرفانيّة شتّى. فجمرة الشعر لا تندلع بين أصابع السيّاب إلاّ متى أشرقت الرّؤيا فجأة: حَطَّت الرُّؤْيَا عَلَى عيْنَيَّ صقْرًا من لَهِيبْ: إنَّهَا تَنْقَضُّ، تَجْتَثُّ السَّوَادْ تَقْطَعُ الأعْصَابَ تَمْتَصُّ القَذَى مِنْ كُلِّ جَفْنٍ، فالمَغِيبْ عَادَ مِنْهَا تَوْأمًا للصُّبْحِ... (2) عندئذ يصبح الشّاعر، مثل كلّ الأنبياء، يصيخ إلى نداء السّماء ويتلقّف رموز الغيب: دَلَّنِي شُعَاعٌ و نَادَانِي صَوْتٌ مِنْ آخِرِ الأسْوَار(3) هذا الصّوت يأمر الشّاعر قائلاً: اكْتُبْ(4) فيجيب الشّاعر ملوّحاً للحوار الذي كان قد انعقد بين الرّسول وجبريل: فقُلْتُ لَمْ أتَعَلَّم الكَلِمَات بَعْد، فَقَالَ لِي اكْتُبْ لِتَعْرِفَهَا و تَعْرِفَ أيْنَ كُنْت و أين أنت و كَيْفَ جِئْتَ، و من تَكُونُ غَدًا(5) فيستجيب الشّاعر، حينئذ، لهذا الصّوت صاغراً: فَكَتَبْتُ، من يَكْتُبْ حِكَايَةً يَرِثْ أرْض الكَلاَمِ و يَمْلِك المَعْنَى تماماً(6) ومثل الأنبياء يصرخ الشّاعر وقد تملّكته الرّؤيا وحُمّى الوحي: دَثِّرِينِي... دَثِّرِينِي زَمِّلِينِي... زَمِّلِينِي(7) مستعيداً بذلك قصّة الرّسول فاجأه الوحي فعاد بالآيات ترجف بوادره وهو يقول لخديجة: «دثّريني... دثّريني» فدثّرته حتّى ذهب عنه الرّوع. لقد ظلّت صورة الشّاعر النبيّ من أكثر الصور تردّداً في القصيدة الحديثة. والنّبوءة، في هذا السياق، لا تنطوي على أيّة دلالة دينيّة ، لأنّ الشّاعر الحديث يحمل ثقافة علمانيّة(8) ما فتئ يدافع عنها، وإنّما هي قناع يفزع إليه هذا الشاعر ليقرّب إلى الأذهان حقيقة التجربة التي يكابدها كلّما همّ بكتابة القصيدة. هذه التجربة التي ظلّت، باعتراف الشعراء أنفسهم، غامضة ملتبسة عصيّة على الاحتواء(9). وربّما بدت صورة النبيّ وسيلة إدراك ما لا يستطاع التّعبير عنه بغيرها. فكأنّ هذه الصّورة أفضل طريقة ممكنة للتّعبير عن تجربة لا يوجد لها أيّ معادل لفظيّ. والذي يمكن أن نستخلصه من هذا الباب أنّ الكتابة ارتبطت، في النّصوص الحديثة، بمشاعر متناقضة متداخلة فهي محنة ومنحة في آن. وابتغاء تقريب صورتها من الأذهان أقام جبرا ابراهيم جبرا بينها وبين أساطير الهبوط اليونانيّة معاقد مناسبة ومقاربة فقال«ليس غريباً أن يتحدّث شعراء العرب، في العصور السّالفة، عن الشّيطان يركبهم ويحثّهم على القول. ثمّة شعور بالنّزول إلى الطّرق الوعرة، والأعماق المظلمة التي تهدّد بالسّقوط (...) ثمّة شعور بالنّزول إلى هذا الوادي الرّهيب يحتّم على النّازل إليه، أو يحتّم عليه شيطانه المتشبّث بظهره، أن يلجأ إلى الكلمة التي بسحرها ستنقذه، ولو مؤقّتاً، من هذه الفجاج المظلمة الرّهيبة»(10) فالكتابة لها، في نظر جبرا ابراهيم جبرا، وجهان اثنان فهي هبوط إلى الجحيم، ونزول إلى الأعماق المظلمة، ولكنّها في الوقت ذاته سلّم إنقاذ ووسيلة خلاص. بناء على كلّ ما سبق نقول: إنّ كتابة التجربة باتت من أخصّ خصائص تجربة الكتابة، عليها دوران الكثير من القصائد. فالشّعر الحديث قد أصبح، في الكثير من نماذجه، «شعر الشّعر لا ينفكّ يتخفّف من مضامينه ليكون مضمون نصوصه، ومحور صوره. وقد كان من نتائج ذلك أن تحوّلت القصيدة إلى موضوع، ورؤية لهذا الموضوع، إلى خطاب وخطاب على هذا الخطاب، مستبدلة، تبعاً لذلك، الحوار بالمناجاة، ومخاطبة العالم بمخاطبة الذات، فإذا بالمتقبّل أمام كتابة تجمع بين الإبداع والتأمّل في ذلك الإبداع». هذه القصيدة لا تنطوي على نظريّة «نقديّة» لها صفة الإطلاق والعموم، وإنّما تنطوي على جملة من «المواقف» استلهمها الشعراء من تجاربهم المخصوصة والتي حاولنا أن ننسّقها لغرض الفهم والإدراك. وينبغي الإشارة إلى أنّ هذا الضّرب من القصائد تشكّل ضمن أفق جماليّ جديد، من خصائصه توظيف اللّغة الواصفة من ناحية، وإلغاء الحدود الفاصلة بين الشعر ومختلف تجلّيات النثر من ناحية أخرى، ممّا دفع الناقد رشيد يحياوي إلى التّساؤل «أيّة شاعريّة هذه التي تولد من كلمات لم نتعوّد استعمالها في الشعر وليست لها تراكمات في ما توحي به وفي انفتاحها على تعدّد التأويل، وكيف يصبح الخطاب الميتالغوي خطاباً للشّعر؟»(11) لكن هذا الناقد سرعان ما استدرك ليؤكّد أنّ «للميتالغة شعريّتها المخصوصة»(12) وهي شعريّة غير تقليديّة تستدعي بالضّرورة قراءة للقصيدة الواصفة غير تقليديّة. الهوامش: 1ـ تواترت صورة البرق كلّما أشار الشّعراء إلى ولادة القصيدة، يقول نزار قبّاني: "تأتيني القصيدة، أوّل ما تأتي، بشكل جملة غير مكتملة و غير مفسّرة، تضرب كالبرق وتختفي كالبرق. لا أحاول إمساك البرق بل أتركه يذهب، مكتفيا بالإضاءة الأولى التي يحدثها. أرجع للظّلام و أنتظر التماع البرق من جديد... ومن تجمّع البروق و تلاحقها تحدث الإنارة النفسيّة الشّاملة و أبدأ العمل على أرض واضحة." أنظر: نزار قبّاني: قصّتي مع الشعر. بيروت 1973 ص186. 2ـ بدر شاكر السيّاب: الديوان ص129. 3ـ أدونيس: كتاب التحوّلات و الهجرة في أقاليم النهار و اللّيل. دار الآداب بيروت 1988 ص 19. 4ـ محمود درويش: لماذا تركت الحصان وحيداً ص112 5ـ المرجع السّابق ص 112 6ـ المرجع السّابق ص 112 7ـ صلاح عبد الصّبور: الإبحار في الذّاكرة ص 47 8ـ يعرّف محمود درويش الإلهام قائلاً: إنّه عثور اللاّوعي على كلامه... إنّه توافق عناصر خارجيّة مع عناصر داخليّة، انفتاح الذّهن على الصّفاء، و على طريقة يحوّل بها المرئي إلى لامرئي، واللاّمرئي إلى مرئي من خلال عمليّة كيميائيّة لا يمكن تحديد عناصرها. انظر محمود درويش: حوار مع عبده وازن الكرمل عدد 86 شتاء 2006 9ـ يتساءل محمود درويش: كيف يولد الشعر؟ و ما هو الشّعر؟ مثل هذه الأسئلة أشبه بالأسرار فالشّعر سرّ و السرّ هو ما يجعل الشّاعر مستمرّا. انظر الحوار السّابق ص 14. انظر كذلك: نزار قبّاني: قصّتي مع الشّعر ص 19 و ما يليها. 10ـ جبرا إبراهيم جبرا: العقل و الحلم و الفعل. المؤسّسة العربيّة للدّراسات و النّشر بيروت 1988. ص121 11ـ رشيد يحياوي. الشعر العربي الحديث. افريقيا للنشر الدار البيضاء 1998 ص78. 12ـ المرجع السّابق ص80. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |