جريدة الاسبوع الادبي العدد 1106 تاريخ 7/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

العنونة المعاناة في عنونة النتاج الأدبي ـــ محمد السعيد محمد

يعاني بعض الأدباء ـ إن لم نقل معظمهم ـ سواءً أكانوا شعراء أم قاصين من العنونة لنتاجاتهم الإبداعية، بحيث يعكس العنوان مضمون النص الأدبي وبما يتواءم وروح المتن مئة بالمئة، فقد يلجؤون إلى الاعتباطية في تحديد عناوينهم، وهنا تجد المفارقة في إيرادها وبأنها بعيدة عن محتوى النصوص، والسؤال: أتأتي صعوبة إيجاد عنوان موفق إلى احتواء المتن لعدة حالات شعورية ودلالية... أم إلى ماذا؟..‏

وفي عملية نقدية ومراجعة لبعض الكتب الشعرية والمجموعات القصصية يُرى بأن الكاتب يعمد إلى التناص والتماهي بعد كتابة نصه وعنونة محتواه، وعادة يحتوي أي نص على محاور عدة قد تتقاطع أو تتباعد، فمن هنا تأتي الحيرة ويظهر التشتت أحياناً، وهذا القول: يشمل العنوان الرئيسي أو العناوين الفرعية داخل المتن أيضاً، وبعد أن يعيا بإيجاد عنوان مطابق، يلجأ إلى الإيحاء أو الرمز والمواربة خلف إحداثيات وأثيمات عدة تتوافق أو لا تتوافق بالضرورة، إنما هي تكملة لابد منها، أو يلجأ إلى عنوان نافر ومضيء للتمويه، أو مفرقع لمزيد من لفت الانتباه... والأمر يختلف من حالة إلى أخرى ومدى حرفنة الكاتب في ذلك..‏

فإلى أي مدى يتطابق العنوان مع متنه أو يختلف عنه، ولماذا لا يكون المكتوب معروفاً من عنوانه، إلا إذا فتحته وقرأت ما دوّن فيه، فهل النص لا يخون نفسه ولا يشي منبأ بما فيه تكبراً وتيهاً في العنوان الصريح أو مبيناً عن محتواه أم أنه يختبأ خلف التباس لذيذ...؟‏

لذا نجد في بعض النصوص الكثير من العناوين المتشابهة، ولكنها ليست بالضرورة متشابهة في المضمون بل إنها مغايرة للنص، أو العكس، أي أننا نجد في النصوص الكثير من المضامين المتشابهة ولكنها ليست بالضرورة متشابهة العناوين، فتحس بالمفارقة جلية في بنيتها، انزياحاً أفقياً وتأويلاً شاقولياً.‏

عادة تستجد حالة الكتابة لدن كاتب الشعر وكاتب القصة من فكرة أو حدث أو خبر تناصي، فيترافق ذلك أحياناً باختيار عنوان محدد يتم تحت ظله أن يُكتب الموضوع، وفي هذه الحالة تتم الكتابة إلى آخرها وإلى نهاية محددة بسلاسة وسلام فلا إشكال ولا تشتت ولا من يحزنون، كما في كتابة المقالات المحددة بإطار ومضمون معروف سلفاً التي تفترض وجود فكر منسجم متماسك بمعلومات مدغمة بالحقائق والبديهيات، ويكون المكتوب مبين من عنوانه.‏

لكن النص الإبداعي مراوغ مترجرج في أكثر الأحيان، يكتب نفسه ثم في الاستطراد يغير وجهته وينحو إلى مرتع آخر، وليس على الكاتب في هذه الحالة إلا أن يسير خلفه لاهثاً منقاداً محموماً وإلا سيفقد أثره، أو أن يركب النص أثناء الكتابة في اتجاهات عدة كنقطة زئبق يأخذ عدة مجاري في سيلانه على سطحه الأملس، وبعد الانتهاء يرى الكاتب عمله على شكل آخر مغاير من بذرته المولودة، فيحتار لوهلة ماذا سيسمي هذا المولود الجديد ـ الذي لابد وأن يسمى ـ وإلا تاه في الفراغ... وهكذا، فغالباً ما يخضع تسمية المولود الجديد للتأويل للإيحاء به، ولكنها تسمية ضبابية لا ترصد الحالة ولا تحيط بأثيماتها.‏

أو أن النص الإبداعي يحتوي على محاور عدة كما أسلفنا أعلاه، فمثلاً في قصة ما مقسمة أو مرقمة إلى ثلاثة أرقام (1 ـ 2 ـ 3)، ففي المقطع الأول نجد حالة حب وعشق أو في البداية «العرض»، وفي المقطع الثاني نجد عملية صد وممانعة ومعوقات لذلك الحب أو في الوسط «العقدة»، وفي المقطع الثالث نجد حالة اليأس تسفر عن التحضير للثأر والتهيئة لجريمة لتنفض الغبار عن القلب المجروح أو في النهاية «الخاتمة»، (كما هو المأمول من أصول ومقومات العمل الإبداعي في القصة).‏

وهنا يطرح السؤال نفسه: بماذا يُسمى هذا النص؟.. لأنه ليست هناك كلمة جامعة عن للمعاني الثلاثة أعلاه في كلمة دلالية واحدة.. والخيارات عديدة وكثيرة ومتنوعة.. وهنا تظهر إشكالية أو لنقل حيرة باختيار المضمون الذي يضم المحتوى على شكل أسلم وأقرب للمعنى، فهل يا ترى نقول لإيجاد مبرر مستجد: حب وصد وثأر.. أم نختار كلمتين في ذلك التوالف ونعنون بها النص، حب وصد، أو حب وثأر، أو صد وثأر، أم ماذا؟..‏

هذا بالنسبة إلى الحالات المعنوية إن لم نلجأ إلى الشخصية (أي ذكر اسمها) «أو البيئة التي تتواجد فيها، أو القفلة المدهشة والصدمة المفاجأة.. ونستعيرها لتفي بما يلزم، أو أن نلجأ إلى اجترار عنوان ليس في النص منه شيء، وهذا ما أقول عنه «المعاناة في عنونة النتاج الإبداعي» وكانت بها هذه المقالة.‏

هنا لا أنكر قد يتوافق العنوان مع المتن، ويؤول إلى بعد أشمل، ولكن أقول عنها: رمية من غير رام، موفقة كانت أم لا.. وقد ترى نصوصاً متباينة أو عناوين متباينة، وأعتقد أن هذا مربك قليلاً... فالعناوين المختصرة التي تتألف من كلمة واحدة، هي كلمة دلالية إشكالية في الوقت ذاته لأنها تحمل معان عدة، لا يعرف لها براً.‏

لذا أعتقد من تجربة ذاتية حين أتناول نصاً قصصياً بالقراءة، ابتعد أولاً عن العنوان، وأبدأ بالمتن والنص السردي قبلاً، لحدسي بأن ذلك لن يفيد، أو لن يزيد ويؤخر في شيء، لأن المتناول السردي سيفصح عن نفسه أولاً وأخيراً دون إيحاء وإعلان مراوغ، وبعد الانتهاء ألجأ إلى العنوان ومدى ارتباطه وتوافقه مع نصه، أو مدى إرباكه واعتباطه لتجانس الداخل مع الخارج..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244