جريدة الاسبوع الادبي العدد 1106 تاريخ 7/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

دودة القزّ وشرنقة الحرير حول مجموعة وليد معماري القصصية «أختي فوق الشجرة» ـــ د. عبده عبّود

أعرف، مثلما يعرف كثيرون، أن وليد معماري كاتب قصة قصيرة، فاز بصفته هذه بجائزة مجلة (العربي) الكويتية، وقد ورد في (تراجم أعضاء اتحاد الكتّاب العرب) سبعة عشر مؤلَّفاً أدبياً لهذا الكاتب، معظمها مجموعات قصص قصيرة وقصص للأطفال. وأعرف أيضاً أن شهرة وليد معماري قد تخطّت الإطار المحلّي إلى الإطارين العربي والعالميّ، فقد تُرجمت بعض قصصه إلى اللغات الأجنبية، وكتب المستشرق الألماني (غونتر أورت) رسالة ماجستير حول أدبه القصصي. إلا أن ما كان يفاجئني باستمرار هو أنه كلما سألت عن كتبه في المكتبات، كان الباعة يعبّرون عن أسفهم لعدم توفر أيٍّ منها.‏

إنها لإحدى المفارقات في حياتنا الأدبية أن «يحرس» بعض الكتب المحل لعشرات السنين دون أن يباع منه سوى عدد قليل من النسخ، وهذا كاتب يسأل القرّاء عن مؤلفاته ولكنهم لا يجدونها في المكتبات.‏

إلا أن القاص وليد معماري قرر أخيراً أن ينشر مجموعة قصصية جديدة ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب، وقد صدرت هذه المجموعة حديثاً بعنوان لافت للانتباه هو: «أختي فوق الشجرة»، وبغلاف أنيق صمّمه الفنان يوسف اسمندر. و«أختي فوق الشجرة» هو أيضاً عنوان إحدى قصص المجموعة، وهو يتضمّن إشارة إلى فيلم مصري قديم عنوانه «أبي فوق الشجرة» بطله «العندليب الأسمر» المطرب الراحل عبد الحليم حافظ، وكان هذا الفيلم الاستعراضي قد حظي بشعبية كبيرة في ستينيات القرن العشرين، ونرجح أن القاصّ وليد معماري قد تعمّد الإحالة إليه عندما اختار لقصّته ومجموعته عنوان (أختي فوق الشجرة).‏

شيء من السيرة الذاتية:‏

إلا أن المجموعة لا تبدأ بهذه القصة بل بما سمّاه وليد معماري «ما يشبه سيرة ذاتية»، وبالفعل فإن هذا الفصل الذي يبلغ عدد صفحاته زهاء خمس وعشرين صفحة، يحوي معلومات سيرية وفيرة حول مختلف مراحل حياة الكاتب، وهي معلومات بعضها جديد لم يُنشر من قبل، كمعلومة أنّ وليداً الطفل كان مع أبيه في الأردن أيام الملك (عبد الله) الأوّل. أما المعلومات الأخرى، كإقامة الكاتب في دير الزور «مدّة تقرب ربع قرن» (ص 24)، فهي معلومات نعرفها من مقالات وليد معماري وزواياه التي تنشرها جريدة (تشرين). ومن الأمور المهمّة التي وردت في هذا الفصل ما قاله الكاتب عن فنّه القصصي: «إن كتابة قصّة تشبه صنع دودة قزّ لشرنقة من حرير حولها... القصة ليست ابتكاراً من خيال، بل هي إعادة الشغل على الواقع... أي خلق واقع مركّب من واقع كائن.. من دون تضحية بالتخييل، ولكن دون اقتباس من الخيال البحت» (ص 32)، وهذا تعريف مبسّط وجامع للأسلوب الواقعي في الكتابة الأدبية.‏

صبغة محلية:‏

وليد معماري كاتب من بلدة (دير عطية) القلمونية، التي تقع في منتصف الطريق بين دمشق وحمص، من الطبيعي أن تتجلى السمات الاجتماعية والبيئية لهذه البلدة في كثير من قصصه. وعلى الرغم من أن الكاتب قضى سنوات كثيرة في دير الزور ودمشق، فإن الصبغة الديرعطانية غالبة على معظم قصص مجموعته (أختي فوق الشجرة)، وهذا أمر غير مفاجئ في حالة كاتب واقعي كوليد معماري. ترى ألا تجعل تلك الصبغة المحلية هذه القصص غير مفهومة أو غير مستساغة لقرّاء لا يعرفون تلك البيئة؟ أرى شخصياً أنّ عكس ذلك صحيح. فالصبغة المحلية في أدب القصة والرواية يمكن أن تطلع القارئ على بيئة لا يعرفها، وأن يكون ذلك مصدراً إضافياً للمتعة الجماليّة.‏

زمن عكروت:‏

تبدأ القصص بقصة عنوانها (رجل العليّة)، وهي قصة طويلة نسبياً، تعددت فيها الشخصيات والأزمنة والأمكنة وزوايا السرد، مما جعلها نواة مصغّرة لرواية. إنها قصة «زمن عكروت» تمكّنت فيه الأخت (منيرة) من أن تحمل أخاها (عبد الهادي) على أن يسجّل البيت باسمها في السجل العقاري الذي يعمل فيه، ثم واصلت الضغط عليه إلى أن غادر البيت ولجأ إلى «علية» جدّه في الضيعة. إنها قصة المثقف الزاهد في الجوانب المادية للحياة إلى درجة تشبه التصوّف، مما سهل على أخته أن تطرده من البيت وتعيش فيه مع زوجها التاجر الجشع. في «زمن عكروت» كهذا لا يتمكن المثقف النظيف النقي من أن يصمد أمام جشع التاجر وغيره من حيتان المجتمع. أهي دعوةٌ إلى عدم التماهي مع هذا النوع الزاهد البريء من المثقف، أم هي دعوة لإدانة ذلك النمط الجشع من الناس الذي تمثّله الأخت وزوجها التاجر، ذلك النوع الذي يتنكّر للأخوة وغير ذلك من القيم النبيلة؟‏

البدوي وابنته:‏

«أغلفة مجلات ملونة» هي قصة البدوي (زحيمان) وابنته (شيحه) التي مرضت ولكن أباها الفقير عجز عن أن يؤمن لها العلاج، فاستعان بالأولياء بدلاً من الأطباء. اختفت (شيحه) واعتقد أبوها أن الملائكة قد أخذتها، ليتبيّن فيما بعد أنها فرّت إلى لبنان، حيث أصبحت راقصة معروفة تنشر المجلات صورها الملوّنة على أغلفتها. في هذه القصة صاغ وليد معماري شخصية البدويّ ذي العقلية السحرية صياغة شديدة الواقعية، مستخدماً بصورة ذكية تفصيلات من الحياة اليومية. إنها قصة اتخذت من السحري موضوعاً لها، ولكن الواقعي انتصر في آخر الأمر على السحريّ.‏

الفونوغراف:‏

الدراسة الجامعية وعلاقة التخلّف بالتقنية والهجرة هي موضوع قصة (الفونوغراف) التي تنطوي على عناصر سيرية لا تخفى على كل من يعرف سيرة وليد معماري. ومرّة أخرى يهرب الحفيد من المدينة ويلجأ إلى جدّه في القرية. ومع أن الجدّ شبه أمّي فإنه رجل مستنير، نجا بنفسه من التجنيد العثماني وعاد من (العريش) ومعه جهاز (فونوغراف) وبعض (الكوانات). لقد كان من المتوقّع أن يتمكن الحفيد من إصلاح هذا الجهاز المعطوب. كيف لا وهو يدرس هندسة الميكانيك، ولكنه لم يفلح في ذلك، لأنه يدرس الهندسة بصورة نظرية لا علاقة لها بالممارسة التطبيقية النافعة. إنها حالة نموذجية لمجتمع كثر فيه المهندسون ولكنّ علاقته بالتقنية ظلّت على حالها.‏

أخت المحتضرين‏

والهجرة هي أيضاً موضوع قصة «أخت المحتضرين»، التي تدور حول رجل هاجر إلى إفريقيا وأمريكا الجنوبيّة، ثُمّ عاد إلى الوطن ومعه علب كرتونية تحتوي على ورق ملأه بكتاباته. وبعد أن مات هذا الرجل في بلدته بيعت أوراقه في «سوق الحراميّة». في هذه القصة استخدم الكاتب تقنية سردية جديدة هي المذكرات أو اليوميات. وككثير من قصص مجموعة «أختي فوق الشجرة» فإن موضوع هذه القصة يصلح لأن يُتخذ موضوعاً لرواية.‏

دجاجات عمتي‏

تعيدنا قصة «دجاجات وديك» إلى أجواء القرية في خمسينيات القرن العشرين، حيث كان تاجر الدجاج والبيض يتجول في الأزقة وينادي: «مين عنده جاجات، مين عنده بيضات»، ولكن العمة بسيمة رفضت بعناد شديد أن تبيع دجاجاتها وديكها. إنها قصة حقق فيها القاص درجة عالية من التكامل الفني. أما قصة «صاحب سوابق» فهي تنقلنا إلى المركز التجاري لمدينة دمشق، حيث تجري عمليات نصب واحتيال، لا يفلح رجال الأمن في القبض على فاعليها الحقيقيين، فيقبضون على مدرّس اللغة العربية (نايف جهجهان) الذي كان في الطريق إلى منزل طالبته (سوسو) ليعطيها درساً خصوصيّاً، ولكنه وقع في كمين نصبه رجال الأمن للنشالين، وتحوّل بذلك إلى «صاحب سوابق».‏

أمّنا الأرض‏

الأراضي الزراعية في منطقة الفرات وما يتعرّض له تأجيرها للفلاحين من بيروقراطية وتعسّف هي موضوع قصة «الهبوط نحو أمّنا الأرض». في هذه القصة تخوض فلاحة توفي زوجها نضالاً عنيداً من أجل أن نستأجر قطعة أرض زراعية من الدولة، ولكن الموظف (الأستاذ مؤنس)، يحرمها من تلك الفرصة متذرّعاً بأعذار واهية، كعدم إبراز الهوية الانتخابية!! إنها قصة جمعت موضوع المرأة إلى موضوع الأرض، وقد كُتبت بقلم قاص يعرف موضوعه جيداً، ويعرف كيف يصوغه أدبياً بأسلوب مؤثّر.‏

الفتاة والقطّ‏

في قصة «أختي فوق الشجرة»، التي جعل القاصّ منها عنواناً للمجموعة بأكملها، يعيد الكاتب قارئه من منطقة دير الزور إلى بلده دير عطية، حيث تدور قصة حبّ بريء بين (هدلا) و(فادي)، إلا أن هذه القصة لا تكلل بنهاية سعيدة، فقد سافر فادي، الذي حصل على الشهادة الثانوية بتفوّق، على بلاد بعيدة للدراسة، ثم عاد إلى الوطن ومعه زوجة أجنبية، بينما حافظت هدلا على حبها ووفائها له وسمّت قطتها باسمه. إنها قصة حب حزينة استخدم فيها الكاتب تعدد زوايا القصّ بمهارة.‏

المهندسة الأبيّة‏

في قصّة «معطف أول الليل» تبحث المهندسة المثقفة (زينب) عن عمل يتلاءم مع مؤهلها الجامعي، وعندما تذهب ليلاً لمقابلة مدير شركة لهذا الغرض، يقدّم لها المدير الدونجوان عرضاً يسيئ إلى شرفها وكرامتها، فترفضه بكل كبرياء. تبين ما تتعرّض له المرأة المثقفة المؤهلة علمياً من معاملة مذلة غير لائقة عندما تبحث عن عمل شريف.‏

تنتهي مجموعة «أختي في الشجرة» بخمسة نصوص قصيرة لا يسمّيها الكاتب قصصاً بل «ما يشبه القصص»، إنها نصوص يغلب عليها الطابع الذاتي الوجداني، وهي تشبه ما يكتبه وليد معماري ضمن زاوية (آفاق) بجريدة (تشرين) من نصوص.‏

وبعد:‏

فإن قصص مجموعة «أختي فوق الشجرة» قصص واقعية مأخوذة من حياة الناس في دمشق ودير عطية ودير الزور، صيغت بأسلوب جميل، أبرز سماته تلك السخرية اللطيفة واللقطات التفصيلية البارعة، وهذا المزج الجميل بين الواقعي والخيالي. وفي واقعيّتها الصادقة فإن هذه القصص انتقادية، لا تجمّل الواقع القبيح ولا تتصالح معه. فالواقعية الساخرة أو السخرية الواقعية شكل من أشكال النقد الاجتماعي. ومن حيث الشخصيات والحدث والفضاء الزماني والمكاني يصلح بعض هذه القصص لأن يكون روايات، ولكن وليد معماري اختار القصة القصيرة شكلاً فنياً «لإعادة الشغل على الواقع». إنه خيار فني على الناقد أن يحترمه مع الاحتفاظ بحقه في أن يشير إلى خيارات فنية أخرى. وعلى أية حال فإن «أختي فوق الشجرة» مجموعة قصصية جميلة نأمل أن يستمتع بقراءتها عدد كبير من القراء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244