جريدة الاسبوع الادبي العدد 1106 تاريخ 7/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الياطر ـــ محمد مخلص حمشو

أطلقت الباخرة العملاقة صفارتها تعلن مغادرة رصيف الميناء، بعد أن رفع البحارة الياطر، هبت نسمات لطيفة، وبدأت الباخرة تشق الأمواج، وتمخر في عباب البحر، ترافقها أسراب من طيور النورس، وهي تصفق بأجنحتها كأنها أيد تلوح بالوداع، وتصدر أصواتها كأنها تشكر البحارة على مارموه لها من فضلات طعام، وبدأت أنوار المدينة تختفي رويداً كلما أوغلت الباخرة الولوج في أعماق البحر، حتى اختفت تماماً، مثل عيون داعبها النعاس، وبدأ قبس النور يصغر في أحداقها حتى غلبها النوم، وأطبقت الأجفان، وغطّت في سبات عميق. وغابت أسراب النورس.‏

ليل وموج وصمت رهيب، وبحارة تعمل كالمعتاد، وأحياناً بعمل إضافي من أمر تتلقاه من قبطان الباخرة، وبما توحيه عليه ظروف الطقس الطارئة، فالقبطان هنا مثل لاعب أمام رقعة شطرنج يستبدل خططه أمام لعب خصمه، وخصمه هنا هو البحر، لأن البحر إذا غضب زمجر. ورفع موجه كالخيال، أو شقه فصار كوديان ما لها من قرار، وإذا حنا أطعم من سمكه، وإذا غضب جذب إلى قعره، وجعل ما على سطحه طعاماً لحيتانه، وصاروا في سجله ذكرى، وصاروا حكاية من بعض حكاياه. والبحر يحب التحدي، ويقبل الرهان، حتى إذا انتصر عليه متحدوه، سوى لهم ظهره وارتضى أن يركبوه عن طيب خاطر، وانقلب من أسد إلى حمل وديع.‏

كان مثل أي بحار فالسفر مهنته، والباخرة بيته، والغربة وطنه. فهو بعد موت أمه وأبيه، وشقاوة الأيام، وبكاء الليالي، ولوعة الفؤاد، وتجهّم الوجوه ويبسها عند لقياه كتلك الصخور التي تصادف الباخرة أحياناً في أماكن متفرقة من سطح البحر وتبدو مثل وجه تعلوه بضع ثآليل.‏

متاعه كان حقيبة سفر، وعالمه كله بضع صور يحتفظ بها لمن أحبهم. هو غريب حتى بين بقية أهله. فإذا ما هاج به الشوق مرة، والتقاهم، كان يشمّ فيهم رائحة أمه وأبيه، كانت الوجوه تلقاه يابسة كجلمود صخر، وشعلة الشوق إليهم في قلبه، لا تلبث أن تنطفئ، وحقيبة سفره التي فتحها يرجع ويغلقها ثانية، ويعود أدراجه إلى البحر، تتقاذفه المرافئ، وتلّفه أكفان الغربة، فلا صديق غير طائر النورس، ولا أهل له بعد موت الغوالي، يبكيهم كيف ماتوا وتركوه صغيراً؟‏

وتخلّى عنه الجميع. وكان قدره البحر. بل وغدا صديقه وعالمه كله من بعدهم، وأما أخوته فبعد توزيع الإرث انقلبوا عليه كحيتان البحر، إنه يائس ولا فرق عنده إذا البحر جفاه أو خاصمه أو حتى ابتلعه، وكتب اسمه مع الغرقى والمفقودين، فهو قانع تماماً أن لا أحد يسأل عنه أو يستفسر عن غيابه، بل ومتأكد أنه لن يتذكّره أحد، أو أن يخطر على بال. وستطويه صفحات النسيان في كتاب الزمان. ويصير مثل ذلك الجندي المجهول، ولكن من دون نصب تذكاري فذلك الجندي ناضل في سبيل وطنه، ونضاله هو في سبيل البقاء والحياة، وضد الجوع والبرد والحرمان والخوف والوحدة، وقسوة الأيام، وجور الزمان.‏

كان هذا حاله في كل سفر، في كل يوم، فالأمل يتراءى أمامه مثل تلك الغيوم البعيدة المسافرة في سموات الله، مثل تلك الأمواج، مثل البحر. الذي يتبدل كل يوم من حال إلى حال.‏

ليس له من سامع إذا اشتكى، أو يكفكف دمعه إذا سال، الوجوه حوله يابسة كلها، ولأجل هذا أحب البحر وكره اليابسة، فهو غريب في بلاد الغربة، غريب حتى في وطنه ووسط بقية أهله.‏

فالأصعب من الموت ما يتمنى له الموت. وأطلقت الباخرة صفارة الإنذار فجأة كعواء ذئب يتضور جوعاً. وقد صفرت هذه المرة لتعلن وصول عاصفة هوجاء، وهذا ما اشتهر به المحيط الهادئ، عندها احتاط الجميع ودعا الله بالنجاة منها، فعاصفة المحيط إما غرق وموت، أو نجاة وحياة، والبحر من طبعه الغدر، فكيف إذا كان محيط تصب فيه بحار؟‏

تلقت الباخرة على جنبها لطمة من موجة عاتية كانت كوقع مطرقة حداد على سندان، أو مثل وقع صفعة لئيم غادر على خد طفل بريء وديع يشع من عينيه بريق الفرح والسعادة، ويبتسم لمن يلاعبه وما ظنه أن يتلقى منه غير قبلة ففوجئ بلطمه.‏

وتتوالى اللطمات ويعلو صوت وقعها كقرع طبول، والكل يتساءل من أين تصدر هذه الأصوات؟‏

ويأتي الجواب، يالله إنها قادمة من مقدمة الباخرة، حتى لكأنها ترتطم بصخور؟ ولكن لا صخور تبدو هنا، وتتكرر الأصوات وتترنح الباخرة يمنة ويسرة، كسكير غبّ أنهاراً من خمر عتيق، وتتواصل الأصوات شديدة كأنها قرع طبول تدعو لحرب، أو تنذر بغارة عدو مداهم. وعندها ارتعش قلبه كجناحي عصفور سقط من غصن شجرة وهو حديث التعلّم بالطيران، يفتش عن أمه لأنها أمانه لتنقذه، وهنا في هذه العاصفة تمنى لو أنه يبحر، وأن يكون على اليابسة التي كرهها، لأنها أيضاً أمانه وستجنبه الغرق.‏

عرف القبطان أن الياطر قد فلّت وتحرر من مكان استقراره، وهو معلق بجنزير غليظ يتناسب مع حجم ووزن الياطر. وقد غدا الجنزير والياطر في هذا الوضع الجديد كسوط في يد الموج العاتي القوي يجلد به مقدمة السفينة، وربما ستحصل كارثة، إذا استمرت اللطمات وستفتح ثغرة في مقدمة الباخرة، وعندها يتدفق الماء إلى داخلها، وتصعب النجاة وتغرق الباخرة، إنه الموت.. خاف وامتنع البحارة من الصعود إلى سطح الباخرة وسط هذه العاصفة الهوجاء، حتى يتأكد من عدم تفلت الجنزير وخروجه عن مسنناته في البكرة. وكان هذا بعد أن تأكد القبطان من سلامة البكرة في جوف الباخرة للياطر الثاني. وتكرر طلب القبطان، وتكرر جواب الرفض.‏

والتقت العيون كلها تنظر إليه متوسلة لكأنها ترجوه وتدعوه لإنقاذهم. فالحياة غالية ونحبها أكثر لأجل من نحبهم وينتظروننا. وحيث أنه وحيد لا أحبة ينتظرونه، فلأجل زوجاتهم وأطفالهم سيغامر.‏

ربط خصره بحبل غليظ، وصعد سطح الباخرة، وفاجأه الموج العاتي، كمارد خرج من قمقم لكنه هنا، متمرد لا يقدم لسيده طاعة ويقول «شبيك، لبيك» بل هو حانق وغاضب إذ كيف يتحداه فتى غرير.‏

كان كلما خطا خطوة، شعر بقوة الموج تحاول اقتلاعه، لقد كانت مثل قوة جذب مغناطيس هائلة لبرادة حديد تافهة. وكان كلما قطع شوطاً، ثبّت نفسه بخطاف يضربه في مشابك حافة الباخرة أماناً له من أن يبتلعه الموج، وعندها يصير ذكرى مع ذكريات من حملهم على ظهره وابتلعهم في جوفه في سالف العصر والزمان. وما أن قطع بضع خطوات واقترب من المكان المطلوب، حتى اقتلعه الموج، وصار كريشة في مهب ريح هوجاء. يعلو ويهبط كراكب أرجوحة. ولولا الخطاف الماسك لكان من سكان قعر المحيط. أو لقمة سائغة في بطن حوت.‏

تنبه القبطان لغيابه الطويل، ولولا موجة أخرى قذفته قريباً من بحار كان قد تطوع أخيراً لإنقاذه وأمسك به على الفور. لكانت ذكراه لا تكلف أكثر من أكليل ورد يرمونه على سطح البحر، كما تقضي مراسم المفقودين وغرقى البحر، وطبعاً لن يفعلوا هذا إلا بعد أن تكتب لهم النجاة.‏

عاد بإصرار وللمرة ثانية بعد أن استرد أنفاسه، وبتصميم وعزيمة، وتحد وعناد وحذر وصل مكان البكرة الرئيسة. وعرف العطل، في دارة زيت «الهيدروليك» واكتشف بفضل نور المصباح الخافت أن سلك الدارة مقطوعٌ فقام بوصله. ويا للبشرى قد أقلعت الدارة، وأصبحت البكرة تلف وتدور، وتلف معها جنزير الياطر فيرتفع، ويخفت الصوت رويداً رويداً، لكنه ظل مستمراً. وفوجئ بتوقف البكرة عن الدوران، واستحالة حركتها ثانية، فلقد ثبتت نهائياً. لكن الصوت خّف، إلا من بعض ضربات، لكنها ليست من القوة التي تشكل تهديداً، وعاد بحارنا الشهم وسط تصفيق البحارة وثناء القبطان، ووعده بجزيل المكافأة. لأنه قام فعلاً بعمل بطولي، وعرض حياته لموت أكيد.‏

هدأت العاصفة، ووصلت الباخرة، وقبل دخولها الميناء للترصيف، غطس بحارنا الشهم ثانية، ورأى أن جنزير الياطر قد تشابكت بعض أجزائه، وبمساعده من زملاءه الفنيين تمّ فكه، ودخلت الباخرة رصيف الميناء تتهادى وتطلق صفارتها واستقرت واقفة عليه، كمثل عروس وصلت بيت عريسها في موكب الفرح المهيب. ووسط البواخر الواقفة على المرفأ تطلق صفاراتها تهنئ بسلامة الوصول، للباخرة التي نجت من العاصفة.‏

بعد هذه الرحلة والعاصفة الهوجاء وموسيقى الرعد وأضواء البرق والحفلة التي رقص فيها شبح الموت يلّوح بمنجله، وسط عاصفة كتبت لهم النجاة منها. هاج به الشوق ليرى أخوته، وصمّم أن يلقاهم عند عودته، ويتساءل هل سيلقى وجوهاً طرية؟ ولا يحتاج بعدها لأن يغلق حقيبة سفره ويحملها ليعود للبحر؟ قال في نفسه: حتى ولو كانت الوجوه يابسة، فيكفيه أن يلمس حجارة بيت أهله، ويشّم هواء بلده فقد حمل من عطر أنفاس أمه وأبيه في سالف الأيام. وعندها لن تكون زيارته سدى، وسيعود راضياً بعدها لغربته، والباخرة، والبحر وأمواجه، وأصدقائه طيور النورس.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244