|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ذكريات.. قطرة لبن ـــ حسان سراي الدين انطلقت وحدات الطوارئ مدوية بأصوات صفاراتها، تعاين حالة الطرق والمعابر إثر الهزة المفاجئة التي تعرضت لها المنطقة هذا الصباح! الطريق أمامي كان مغلقاً، انعطفت متقيداً باتجاه السهم المنصوب حديثاً فوق الحاجز الذي شَخُص يسد الطريق أمامي، لم تكن من أعرافي مخالفة الأوامر والإرشادات.. فأنا ومذ شببت على هذه الحياة، ارتأيت ألا أصدع رأسي بالشذوذ عن نظم المجتمع وقوانينه. لذا تراني أتقيد بالوصفات كلها، أتلون مع التغيرات كلها، أتكيف مع المعطيات جميعها.. كل يوم أستيقظ باكراً، أقوم بوظائفي الصباحية المعتادة دون أدنى خلل، أنظف أسناني، أحلق ذقني، أشرب قهوتي وأنا أتصفح الجريدة اليومية ـ لأطمئن على العناوين الرئيسة فيها ـ أغير ملابسي، ثم أنطلق إلى عملي.. لم أتأخر عن موعد وصولي يوماً، لم أتسبب أبداً بأيما خلل في مجتمعي وبيئتي.. كنت أحفظ الطريق غيباً، وأستطيع أن أجزم بأنني أتمكن من الوصول، والقيام بكل واجباتي وأنا مغمض العينين، ولكثرة انضباطي أصبحت جزءاً مهماً من الروتين اليومي لكل من حولي، بل أصبح الروتين يضبط نفسه بي.. كان لا بد من الوصول إلى عملي، وهكذا لم أتردد في المضي قدماً في المسار الجديد، على الرغم من تلك الارتعادة التي أخذت تتفجر براكين هلع في شراييني، إثر التعامل البكر مع كل جديد.. الطريق كان جميلاً ومنحدراً، ونسمة عليلة بدأت تداعب ذؤابات زغبية في شعري، أنستني ارتباكي وخوفي، الغيوم الفاتنة بألوانها الوردية، توازعت أرجاء الفضاء كله، بنسيجها القطني الرهيف، راسمة لوحات إلهية هائلة لأشباح اتخذوا أشكال أشجار وأشرعة ومردة.. بين أنا هكذا تنبهت إلى الاختلاف الواضح في الطريق الذي أسير فيه، فهي ليست كتلك التي عرفتها قبلاً.. بيدين ذهبيتين مشرقتين أزاحت الشمس كتلاً من الغيوم، وابتسمت بوجهها الدافئ لتغدق المكان ومن كان فيه بغلالات حميمة من أطياف لونية بيضاء ساطعة، بينما أخذ الأفق يتورد بألوان الطيوف.. المنظر بدا عجائبياً، ما هذا النهار! كلّ ما فيه ذو طابع سحري غير اعتيادي، يشي بشيء قادم! تحسست نفسي! هل أنا أحلم؟ تأكدت أنني بكامل وعيي! ولست أحلم، أرهبني الشيء غير المعروف القادم! قررت العودة إلى البيت ولتنهدم الدنيا، ولينكسر الروتين يوماً، فليس من طبعي ارتكاب المغامرة، بحثت عن مخرج في الطريق الجديد، فلم أجد، حاولت التمهل فصدمني ضجيج العربات المنحدرة خلفي، التي أربكها تمهلي في هذا المجرى الضيق. نظرت خلفي، لأجد سيلاً من العربات يجرفني فلا أستطيع التوقف ولا التمهل ولا الالتفاف.. ضاعت ملكية القرار في هذا الطريق، دهمتني قناعة بأنني أنطلق في دوامة قدرية، ولست في طريق نحو عملي.. النور في السماء أخذ يشتدّ، ويضفي علينا لوناً أبيض ناصعاً كالثلج، ما هذا اليوم! هل يوجد على الأرض هكذا أماكن ولم أعرفها إلا اليوم؟! أشعر وكأنني انتقلت من كوكب لكوكب، هل أنا في مسرحية من أعمال الخيال العلمي؟! أخيراً انتهت الطريق بنا إلى ساحةٍ عظيمةٍ، ممتدة الأبعاد كالبحر، تتكور محدبةً منجذبة ـ بلونها البني المخضب بالحمرة ـ صوب جرمٍ هائلٍ يسطع عليها بهالته الضخمة الرائعة، سحرني المنظر البهي، أخرج كل النظم والقوانين من عقلي، ورماني بدائياً دون قيود أو أفكار في تلك المساحة الفاتنة اللامتناهية من الحرية، كتلة من الذهول، لزجة بلونها الأبيض، تكورت حول ذاتي، عندما أخذت قوة عجيبة تشدني بجاذبية هائلة نحو ذلك الجرم الهائل فوقنا، انخلعت جذوري وانسحبت مندفعاً بقوة صاروخية نحو مداره، تجمد الفزع على وجهي، وأيقنت بأنني لا محالة سأنسحق مرتطماً بصخوره القاسية، أو أحترق شهاباً في سمائه. صحوت على صوت ارتطامي والتصاق جسدي بشيءٍ إسفنجي رهيف! ما هذا الجرم المخملي الدافئ! تمددت عليه متمطياً، أتلذذ متكاسلاً بتلك النعومة الرائعة، وذلك الدفء الحميم.. عندما وجدتني أنجذب بعنفٍ نحو أعماق ذلك الشيء، تمسكت بأشياء حولي، محاولاً المقاومة، خارت قواي.. انزلقت سائلاً في التجاويف الإسفنجية لذلك الشيء الذي هصر جسدي واعتصرني بحميمية دافئة، هناك وبموهبة ربانية لملمت هيولى جسدي اللزجة البيضاء لأطلّ على حافة الكون! في الجهة المقابلة.. تجمعت قطرة حليب دافئة على حلمة وردية داكنة، عندما أمسكت الأم بثديها، لتقدمه مع بسمة حنان لوليدها الرضيع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |