|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الحرير الأبيض ـــ سليمى محجوب استرعى انتباهي بناء شامخ في إحدى حارات حلب القديمة وأنا أطوف في أرجائها. كنت أزور سوق الصوف، وبعده سوق العطارين، وأتسكع في الممرات الضيقة بعد أن عرّجت على سوق الأقمشة، باحثة عن قماش حريري أبيض، أصنع منه غطاء للصلاة. نبشت في حقيبتي وأنا آمل توفر المال الذي أحتاجه للشراء. وجدت وأنا ألج أحد الحوانيت أن السعر مرتفع جداً، سألت البائع عن سبب ارتفاع الأسعار بهذا الشكل الباهظ فقال دون مقدمات: ـ لأن البيوت هنا غالية جداً، سعر الشقة في هذه البناية، (وأشار بإصبعه نحوها). هل ترينها، حدِّقي في ارتفاعها وشموخها. سعر الشقة الواحدة عشرون مليوناً. ويوجد فيها شقق أخرى فيها صالونات فسيحة، و ثمن زخارفها ثلاثون مليوناً. أشار البائع بيده إلى البناء البرجي وترك القماش الحريري ينهدل على الأرض، غير مبال بما سيصيبه من تلوث يحيل بياضه سواداً. تساءلت في نفسي مذهولة، ما علاقة هذا بذاك؟ أي سعر متر القماش بثمن شقة في البناء البرجي المتعاظم، والذي يربض في أحد أحياء المدينة القديمة. كان وجه البائع أسمر، وبنيته نحيلة، وجبينه ضيّقاً. من ينظر إليه يخاله كئيباً منطوياً على نفسه، لا تعرف السعادة إلى قلبه سبيلاً. وتساءلت من جديد: لمَ يبالغ هذا البائع المسكين في كلامه، ويشتط في رفع أسعار بضاعته؟ وقبل أن أوجه سؤالي إليه قال لي: ـ كان لدى والدي مجموعة من الدكاكين تدر عليه ربحاً كبيراً، بعد مدة أتى رجال من عمال الدولة فنسفوا الطرق وعبدوها وزفتوها بعد أن هدموا الدكاكين. ولم تفلح جميع الوساطات والضمانات التي قدمتها لئلا تمس دكاكين أبي. لقد شفطت دكاكين والدي بأكملها. وأرسلت إليَّ البلدية إنذاراً بضرورة بناء المكان الذي كانت تشغله تلك الحوانيت. قلت له: حسناً إنني أسألك عن ثمن القماش، وأنت تشرح لي مشاكل المنطقة بالتفصيل. قال: هذا دعاية للسعر الجديد. قلت: أي سعر؟ قال: سعر القماش الأبيض الحريري. قلت له: لم أفهم شيئاً حتى الآن... بناية شامخة يسكنها غيرك، هل يهمني أمرها أو يهمك، إن ارتفعت أم هبطت.. كل ما فهمته أن جرّافة أمانة العاصمة اقتلعت حوانيتكم وشيّدت مكانها هذه البناية البرجية المتعالية. هل تعتقد أنك أقنعتني بما دهم سعر الأقمشة من غلاء؟... قال: سأقرب الأمر أكثر. بما أنني خريج فرع هندسة العمارة، ومتخصص بالأبنية المتباهية في شموخها، وبما أن الحياة تمارس سطوتها علينا، وتجبرنا على الانغماس فيها، فقد اضطررت لأن أطرّز بفنّي وعلمي حواشي هذا البناء، بعد أن شيدت صروحه. ـ كم سنة أمضيت في تشييده، وهل جمعت بين التجارة والبناء؟ قلت هذا وقد أخذني شيء من الشرود. ـ ست سنوات وأنا أقوم بهذا المشروع، أمنحه كل ما لدي من قدرة على الصبر والاحتمال والمال، حتى تعبت، وشاخ قلبي، وكادت أن تتمزق روحي. كانت عيون الجوار ترمقني، وتكاد تذبحني وهي تنظر إلى البناء يعلو يوماً بعد يوم، لقد ضعت بين أوراقي ورسوماتي الهندسية، والأموال التي كرستها لهذا العمل، مما اضطرني لإغلاق هذه الدكان وإيقاف عملية بيع الأقمشة وشرائها. وها أنت ترين البناء رابضاً في حي قديم كشجرة سنديان شامخة ملتحمة بأرض هذا الوطن. كانت النساء تمر أمام دكان بائع الأقمشة يسترقن النظر إليه وهنَّ يحادثنني...، ويغرقنني بنظرات إعجاب تخاتلني غرة فتزيغ معها نظراتي، وتتعثر خطواتي، كنَّ يتجرأن في إلقاء السلام عليه، ويحرجنه أحياناً، بلهجة منحطة، سألته إحداهن: لمن هذه البناية التي التهمت سوق المدينة بحجارتها المخيفة. لقد أضاعت حلب القديمة معالمها. بالله عليك يا سيد ألم تكن الحوانيت السابقة منسجمة مع الحارات الضيقة؟ لم يكن البائع يجد أجوبة مسكتة للأسئلة التي تداهمه إلا فيما يتعلق بالبيع والشراء والمساومة، ينظر إليهن باستنكار وهو يرى الرغبة تلمع في عيونهن لشراء أجمل أنواع الحرير والبروكار والدانتيل. ثم يتابع الحديث... أضحك في أعماقي وأقول: سيأتي الفرج بعد هذا اللف والدوران والحديث المملّ يسألني باهتمام. لم أنت صامتة؟ لم تعط رأيك في هذا البناء. ... ولكنك لم تخبرني حتى الآن عن ثمن القماش الحريري الأبيض. ما لك تضيّعني في شؤون صغيرة بعيدة عن عالمي. اسمح لي أن أقول: إنك مهمل في حق مهنتك، وإن التفاهم معك صعب. نظر إلي بعينين تملكان قوة مغناطيسية عجيبة... قال بجرأة واضحة. أتسمحين لي بمصارحتك يا آنستي الجميلة. ـ قلت تفضل سيدي. هات ما عندك. قال: ليس المال كل شيء في الحياة، لكن السعيد من يملك زوجاً حبيبة وأولاداً... بدت كلماتة تقف في طريق مشاعري. بدأت ابتسامة ترقص على شفتي. كان وجهه يعبق برحيق ابتسامة بدأت تغزو أحلامي. وأخذت كلماته تتحول إلى شريط من الأفراح تحاصرني. كانت حركاته وهيئته أفصح من لسانه تعبيراً، ومع هذا فاجأني حين قال: اسمحي لي أن أبدي إعجابي بأناقة ملابسك وجاذبية قوامك... صارت التفاصيل المملة تبتعد قليلاً عن حديثنا حين أبدى إعجابه الكامل بأناقتي وملابسي أحسست بنبضات قلبي المتسارعة، وطيف أمل يرسم لي ظلالاً من أحاسيس أيقظت بي شوقاً لأن أخرج من دائرة وحدتني وأكسر قوقعة الحزن لأضيء قلبي بشعاع الشمس، وبنار الحب تزحف مضطرمة في أعماقي. في حين تكلست أفكاري حائرة بين الخوف من الحاضر والرغبة فيما سيأتي. رغبة ملحة في الدلال والغنج جعلتني أزدهي بإطراءاته... حلاوة المظهر، طلاوة الحديث، روعة الأناقة وسحر العيون، كان غزله راقياً ينساب في أذني كقصيدة شعرية عذبة النغمات. بابتسامة مثيرة كسرت دائرة الصمت قلت: لقد ألغيت رغبتي في شراء غطاء أبيض للصلاة. اختر لي من فضلك لوناً يليق بجمال جسدي كما قلت. قررت أن أشتري قماشاً أصنع منه ثوباً يجملني في نظر الناس أكثر... قاطعني مسروراً: ـ ما هو لونك المفضل. ـ الأخضر. ـ إشراقة الأمل إذاً. ـ كم سأدفع ثمن هذا القماش من البروكار الأخضر؟ ـ سأهديك هذا الصنف، كم متراً تريدين للثوب والغطاء؟ أنا مستعد لكل طلباتك. بل مستعد لأن أهبك مهراً لم تحصل على مثله امرأة من قبل، إن وافقت على الزواج... تبدأ من جديد مفاجأة غريبة... قلت بجدّة: أرجوك قل لي كم ثمن القماش الأخضر. أجاب ببرود واضح: موافقة على الزواج. وهذا البناء الشاهق المتفرد في أسواق المدينة سيكون شاهداً على قبولك. قلت: ماذا تعني؟ أجاب: الشقة. التي تقع في الطابق الرابع تمتاز برصيد كبير من الذوق في هندسة الديكور والزخرفة. ستكون مهراً لك، للعروس التي كنت أنتظر أن تهبط عليَّ من السماء. وها قد أرسلك الإله لي في وقت أنا في غربة الشوق لمن ينقذني من وحدتي وتعبي، وجشع الناس في أموالي وممتلكاتي. دعينا ننتقل إلى البناء.. الطابق الرابع تحديداً. أمسك بالمستقبل، أجد الفرحة تجتاح حارات المدينة القديمة، أصعد السلم إلى الدور الرابع في البناء الشاهق. أصرخ وأنا أتنقّل في أرجاء البيت، يا له من ذوق رائع، البناء والمفروشات، كل قطعة منها تغتسل بعطر ذوقك الرفيع، لهفة الحنين تمنحني الرغبة في عناق قلعة حلب وأنا أطلّ عليها من كل النوافذ والجهات. سألته: هل ستبيع بعض الشقق؟ قال: لا، وإنما سأرصدها للسياحة، للسياح الوافدين ولاسيما الأجانب كي يروا مدينتنا القديمة مورقة بآثارها، مختصر روعة الأمجاد والأجداد. قلت: لن أشتري قماشاً، وإنما سأساومك لشراء شقة أذهلتني بسحرها ومكانها في بناء يربض عند قدمي التاريخ بشكل مميز ورائع، قبالة قلعة صامدة تصارع المستحيل وتزدهر متخطية بوابات الصمت بلغة تعجز اللغات في التعبير عن أصالتها وروعة شموخها. ابتسم مستبشراً وهو يراني أطوف في الآفاق. قال: ألم نتفق على السعر؟ ستزينين عرش منزلك في هذا البناء أميرة عربية متوجة في أحضان الدلال. أغرق نظراتي من جديد في زوايا الشقة كلها التي سأسكنها، وأبعث نظرات حنونة من فجوات غرفها إلى سفوح قلعة حلب، فأنتشي وأتشبث بلهيب العناق وإشراق حبي لها مذ كنت طفلة أزرع خطواتي إليها، وأتجول في أرجائها معجبة بكل آثارها ومعالمها، مازالت ذكريات تلك الأيام تمس أعماقي وتسرح في مخيلتي. وأطلق تنهيدة ارتياح، وأسمع صوته المنساب بلهجة التساؤل وبسمة التفاؤل كم متراً تحتاجين من الحرير الأبيض كي تعدي ثوب زفافنا وطرحة تزين شعرك الأشقر الجميل، وغطاءً صلاة شكراً لله الذي جعل روحي مقيّدة معك مذ رأيتك مميزة عن كل النساء الطامحات بالزواج. بلا وعي مددت يدي بلهفة نحوه. واعتصرت يده يدي، في حين كان قلبي وقلبه يرقصان مع أنوار تتسلل من شقوق النوافذ المغطاة بستائر مضاعفة من المخمل الخمري، والشيفون السكري، والحرير الأبيض النفيس، فيكسب جو الغرف فتنة أسطورية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |