جريدة الاسبوع الادبي العدد 1106 تاريخ 7/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الرواية الشفوية ـــ حميد سعيد

الرواية الشفوية أو الشفهية، ظاهرة أدبية، لم تعرف إلا في المغرب، واقتصرت على مدينة طنجة، فاتسمت بالكثير من سمات وخصوصيات هذه المدينة المفتوحة والمنفتحة، التي أصبحت منذ العام 1928 خاضعة لقانون خاص، وضعها تحت الحماية الدولية، وعرفت جملة من التحولات على الأصعدة كافة، أبرزها وأقواها تأثيراً على محيطها الاجتماعي، ذلك التغلغل المتصاعد للعنصر والنفوذ الأجنبي، نتيجة فرض معاهدة الحماية على المغرب، وبموجبها أصبح تحت السيطرة الفرنسية، وقد أدى وضع الحماية هذا، إلى أن تكون طنجة المقابلة لجبل طارق وأقصر طريق إلى أوربا، مرتعاً للمناورات الدولية والمصالح الأجنبية، ولتنفتح من ثمّ على مختلف المغريات والمظاهر الغربية، وهذا ما زاد من ألقها الغرائبي، لذلك لم تلبث أن أصبحت ملاذاً للأهواء والنزوات على امتداد زمن الحماية، وبعد الاستقلال سنة 1956، تحولت إلى مركز استقطاب لسياسيين وفنانين وكتاب غربيين، من أبرزهم الرسامان رنوار وماتيس والكتّاب أندريه جيد وهنري ميللر وجان جينيه وغيرهم.‏

وقد استمعت إلى الروائي المغربي أحمد المديني، وهو يعلق على هذه الظاهرة بالقول: إن هؤلاء حجّوا إلى طنجة من كل فج عميق، إذ جاؤوا إليها، إما بحثاً عن اللون الأزرق المرزوق أو الشمس اللماعة أو اللحم العربي الأسمر، أو لري أي ظمأ ممكن أو تطلع ذي طبيعة عجائبية. وقبل أن أبدأ الخوض في موضوع الرواية الشفوية، ينبغي أن أقول، بأن مادة الكتابة عنه، توفرت لدي من حوارات شفوية هي الأخرى مع عدد من الكتاب المغاربة، أيام كنت أقيم في المغرب، منهم محمد برادة وأحمد المجاطي ومحمد زفزاف وأحمد الطريبق ومحمد شكري، وآخرين كما أحتفظ بشهادة لأحمد المديني استمعت إليها منه، ثم عرفت أخيراً أن الكاتبين حسن الجراوي وعبد العزيز جدير، وضعا مؤلَّفين عن ظاهرة الرواية الشفوية بعنوان «رواة طنجة» لم أطلع عليهما حتى الآن، وإن المديني انتهى من تأليف كتاب عن محمد شكري، لم أحصل عليه حتى لحظة البدء بكتابة هذا الموضوع، وأنا أعرف موقعه السلبي من الظاهرة المذكورة، حيث يُسميها (الجنس الملتبس).‏

أن الحديث عن الرواية الشفوية، يقود حتماً إلى الحديث عن كاتب أمريكي متصعلك وعجائبي، هو بول باولز، الذي قضى جلّ حياته في طنجة، إذ تعرف عليها عام 1931، وأقام فيها منذ العام 1947 حتى وفاته في العام 1999، وقد رأيته بطنجة في أواسط السبعينات، ولم أجد رغبة عندي للتعرف عليه، وكان باولز، يكتب القصة والرواية ويهتم بالموسيقى الشعبية، وحكايات الناس، ملتقطاً كل ما هو شاذ وغرائبي، وعبرَ بحثه عن مصادر تلك الحكايات، قاده صديقه الرسام أحمد اليعقوبي إلى شخص من مشاهير مهمشي طنجة، عرف السجن وعاش حياة التشرد، فروى له سيرته الذاتية، مع كثير من المبالغة والكذب وجموح الخيال، وأثمر ذلك اللقاء عن كتاب بعنوان (العيشة المذلولة) صدر في العام 1964 باللغة الإنكليزية، وباسم العربي العياشي، وهو الاسم المستعار لإدريس الشرايدي، وسرعان ما صدر الكتاب المذكور بالفرنسية عن دار غاليمار بعنوان (حياة مليئة بالثقوب) وبالاسم الصريح للراوي الشفوي إدريس الشرايدي، وبفعل العالم الغرائبي، الذي يقدم شرقاً فضائحياً يرضي النزعة المركزية الغربية، فقد ترجمت (الرواية ـ السيرة) إلى عدد كبير من اللغات، وقرأت خبراً في صحيفة مغربية لمناسبة صدورها باللغة اليابانية، جاء فيه، أن اليابانية هي اللغة الثالثة والعشرون التي ترجمت إليها، لكن بحدود اطلاعي، لم تترجم إلى العربية، ولم يتحول الشرايدي إلى نجم في ثقافة الإشاعة ومختبراتها العربية النشيطة، وانتهى به المطاف إلى مهاجر منسي في الولايات المتحدة، غير أن تجربة (رواية طنجة) استمرت إلى ما يقرب ثلاثة عقود من الزمن، وعلى يد المتعهد نفسه (بول باولز)، كان الأبرز من هؤلاء الرواة بعد الشرايدي، محمد المرابط ومحمد القطراني ومحمد شكري، الذي سأتناول تجربته والكتابة عنه، لأنه آخر من تعامل مع باولز من رواة طنجة، ثم انتقل من دور الراوي الشفوي إلى موقع الكاتب.‏

وفي جميع التجارب، بما في ذلك تجربة محمد شكري، كان الراوي الطنجاوي، فقيراً ومهمشاً، يقبل بدور (الراوي) ويقدم البضاعة (المروي) حسب طلب المستهلك وبالمواصفات التي يريد، من أجل أن يحصل على قليل من المال، كما يقبل العاطل الفقير، بأي عمل يتوفر له، وبأي أجر يدفع له. أنه كما يرى المديني، يعيش على (الحكي)، كما عاش من قبل أبو الفتح الإسكندري، في مقامات الهمذاني ومثلما آلت إليه المقامات، فهذا ما ستؤول إليه الرواية الشفوية، بل هذا ما آلت إليه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244