جريدة الاسبوع الادبي العدد 1107 تاريخ 14/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الواقعية السياسية وسياسة الأمر الواقع ـــ د.عيسى درويش

يتحدث الأكاديميون عن الواقعية السياسية بأنها علم دراسة الواقع من حيث القوى السياسية الموجودة على أرض الدولة وهي تشمل الحراك البشري بأنواعه المختلفة السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي... ويتصدون بالسياسي معرفة مستوى التنظيم السياسي من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني ومستوى القوانين الناظمة للمجتمع من دستور وقوانين وتشريعات ومستوى العمل الديموقراطي وممارسة في الحياة اليوميه من برلمان وصحف ورأي عام،وشكل تداول السلطة وغير ذلك...‏

أما الاقتصادي فيتعلق بمستوى قوة الدولة الاقتصادية من الدخل القومي وتوزع الدخل وأشكال الإنتاج ومستوى المعيشة وأشكال التنظيم الاقتصادي والمبادلات التجارية ومعدل النمو بما يعبر عن قوة الدولة الاقتصادية ويجعلها من الجانب القوى بين الدول أو في الجانب الضعيف الذي يعيش على الدخل المنخفض وتدفق المساعدات.‏

وأما الجانب الثقافي فيتعلق بمستوى التعليم ونوعيته ودرجات الثقافة والتطور في ميادين العلوم كافة وعلاقة ذلك بالتكنولوجيا ودورها في الثقافة والاقتصاد وشموليّة الثقافة للمرأة والرجل على السواء ودرجة إتاحتها لعامة الشعب لكي لا يكون العلم والثقافة حكراً على طبقة معينة تنعكس على الاقتصاد والسياسية في نهاية الأمر.‏

وأما الاجتماعي فيتعلّق بالسلام الاجتماعي أو الأمن الاجتماعي وسيادة القانون وتكافؤ الفرص وحرية الرأي وتمتع المرأة بالحقوق التي يتمتع بها الرجل ومؤسسات الضمان الاجتماعي من تأمين صحي وتأمين ضد البطالة وغير ذلك من وسائل يقوم بها المجتمع المتحضر لإرضاء كافة أبنائه وشعورهم بالعدالة والسلام والاستقرار وبعض الأكاديميين يذكرون العامل العسكري كعامل إضافي إلى قوة الدولة تستطيع به إلى جوانب العوامل الأخرى أن تواجه الأعداء وأن تفرض رأيها على مجتمع الدول كما هو لبعض الدول المعاصرة.‏

ومن خلال هذا الاستعراض لابد أن نضيف إلى الواقعية بعضاً من العوامل الأخرى وهي المحيط الإقليمي والمحيط الدولي... ونقصد بالمحيط الإقليمي الدول المتواجدة في الإقليم من حيث عدد سكانها ودرجة تقدمها الاقتصادي وقوتها العسكرية والمصالح المشتركة أو المتعارضة لهذه الدول وكيفية التعامل معها بالواقعية السياسية المطلوبة التي تراعي المصالح المشتركة وتمتص النزاعات وتغلب الوسائل السلمية وعلاقات الجوار في حل الخلافات ضمن منظومة القانون الدولي وما استقر عليه العرف والنظام الدولي المعاصر من العلاقات بين الدول والشعوب.‏

كما نقصد بالمحيط الدولي دراسة الوضع الدولي الراهن.. القوى العظمى وصراع هذه القوى على الإقليم ومصالح الدول العظمى وهل هي متجانسة أو متعارضة وكيف يفرض الواقع الدولي أن تقدم دولة الإقليم باستغلال التعارض في المصالح بين القوى العظمى لصالحها وتحدد كيفية الاختلاف أو الاقتراب أو الحياد أو التحالف مما يجعلها في موقف المحافظ على أمنها المدافع عن استقلالها الوطن ومصالح أبنائها.‏

وبالانتقال من هذه المقدمة إلى واقع منطقتنا العربية والصراع الدائر في الشرق الأوسط بين إرادتين متعارضتين هما:‏

1 ـ إرادة أمريكية صهيونية للهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط العربي والإسلامي لجعله منطقة نفوذ كلي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً لصالح إسرائيل تحديداً ولصالح الرأسمالية الأمريكية المتوحشة التي أوحى بها المحافظون الجدد لإدارة بوش للسيطرة على العالم بالقوة العسكرية والضربات الاستباقية وتصنيف العالم إلى أخيار وأشرار تحت شعار من ليس معنا فهو ضدنا.. وتحقيق هذه النظرية في حرب حقيقية تدور رحاها في العراق وأفغانستان وباكستان في منطقة الحدود، وفي الصومال وفي السودان ولبنان وأماكن كثيرة في الوطن العربي والعالم الإسلامي.‏

يقول بعض المنظرين:‏

إن العالم قد تغير بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وبعد سقوط أبراج التجارة العالمية في نيويورك في 11 أيلول 2001 ولا مجال للوقوف في وجه القطب الأعظم وعلى الدول أن تصطف وفق المكان الذي يحدده لها الإمبراطور الأمريكي وينفذ ما يمليه عليه من الثقافة والسياسة والاقتصاد.‏

هؤلاء المنظّرون ينكرون حقيقة تاريخية مهمة وهي دراسة تاريخ الإمبراطوريات في الزمن السحيق وسقوطها من إمبراطورية الإسكندر المكدوني والإمبراطورية الرومانية والمغوليّة والعثمانية وغيرها مروراً بالحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا... والحرب العالمية الثانية واحتلال فرنسا من قبل الألمان... واستمراراً بعد الحرب العالمية الثانية في ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية واستذكاراً لما يجري الآن من التناقض القائم بين الولايات المتحدة والصين.. وبين روسيا الاتحادية والناتو حول الدرع الصاروخي وتدخل الولايات المتحدة بأمن روسيا وعلى حدودها وفي داخلها... كل ذلك يجعلنا ندرك الفرق الصارخ بين الواقعية السياسية وسياسة الأمر الواقع التي يحاول المحافظون الجدد فرضها على العالم.‏

وفي تطبيق ذلك على سياسة سورية من محيطها الخارجي والإقليمي نقول لكل هؤلاء المنظّرين الذين نراهم على شاشات الفضائيات كفى تهريجاً وتزويرا للمنطق وحقائق التاريخ ونذكرهم بما يلي:‏

1 ـ لقد مارست سورية الواقعية السياسية بكل تجلياتها وعرفت دورها العربي في محيطها ودورها الإقليمي على مساحة الشرق الأوسط.. وكنتم جميعاً تكيلون لها المديح في عهد القائد الخالد حافظ الأسد، عندما نبَّهَ لخطورة الحل المنفرد على القضية العربية بعد كامب ديفيد 1979 ـ ونبه إلى خطوره اتفاق أوسلو على القضية الفلسطينية إلى عام 1992 ـ وأشار إلى خطر الحرب بين العراق وإيران 1979 على العالمين العربي والإسلامي وخطر اجتياح الكويت من قبل النظام العراقي 1990.. وكذلك صفقتم لسورية عندما تدخلت وأنهت الحرب الأهلية في لبنان في الربع الأخير من القرن الماضي.‏

ألم تكن هذه الواقعية السياسية هي التي جعلت رؤساء أمريكا من نيكسون إلى كلينتون يتحدثون إلى القائد الخالد حافظ الأسد مباشرة داخل سورية أو خارجها أو بواسطة وزراء الخارجية في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط هل تغير شيء من الواقعية السياسية في سورية.. والجواب أبداً لم يتغير وخاصة أن الرئيس بشار الأسد يمارس هذه الواقعية بكل دقة وعلمية.. ما الذي تغير إذاً؟!... والجواب أن المحافظين الجدد والصهاينة من المحافظين الجدد أرادوا فرض سياسة الأمر الواقع على العرب بتمكن إسرائيل في المنطقة والسيطرة على ثرواتها ومواقعها الاستراتيجية وإنهاء الرابطة القومية العربية بين العرب وإنهاء الروح الإسلامية التي تشكل رابطاً قومياً وروحياً بين العروبة والإسلام وتضرب الشعوب الإسلامية الشقيقة من حولنا باعتبارها العمق الاستراتيجي لنا...‏

سورية ترفض سياسة الأمر الواقع ـ سياسة الاستسلام والخنوع والتفريط بالحق العربي... ومن خلال ذلك نتعرض للضغوط والمؤامرات والتهديد بالحرب... وللأسف الشديد ينخرط بعض العرب في هذا المخطط الذي سيكونون أول المتضررين منه.‏

وسورية تدعو للسلام العادل والشامل وفق القرارات الدولية وتتمسّك بحقنا ولا تخجل من الدعوة لذلك وتمارسها علناً ونحن ندعو إلى رفض الاستسلام معتمدين على القوى الكامنة في أمتنا العظيمة، وتجربة الولايات المتحدة وفشلها في العراق أروع مثال وما تقوم به المقاومة العراقية من تضحيات ونضال يفوق حد الوصف جعل الرئيس بوش يمارس الكذب والدَجَلْ كل يوم حتى لم يعد يصدقه معظم الأمريكان داخل الولايات المتحدة وخارجها.. ولقد أعطت المقاومة اللبنانية الباسلة درساً لن ينسى للعدو الإسرائيلي في عدوان تموز 2006 على لبنان.‏

ونذكر بالفخر والاعتزاز الصمود الفلسطيني الرائع ضد القتل والجوع والإبادة دون أن نسمع من هؤلاء المنظرين كلمة احتجاج أو مساندة لهذا الشعب العظيم وخاصة في غزة الصامدة الذين تنكر لهم المتسابقون لتقديم الولاء والطاعة على أعتاب البيت الأبيض.‏

الواقعية السياسية هي معرفة طاقات الأمة وقدرة شعوبها على تحدي المحن والمصائب وهي الالتزام بمصالح الأمة والوطن.‏

وهي معرفة القوى التحررية في العالم وأصحاب الضمير الحي والدول الصديقة المؤيدة لقضايانا.‏

ونتساءل لماذا لم تَخَفْ شعوب أمريكا اللاتينية من الجبار الأمريكي باختيارها قادتها بالانتخاب الحر وبالديمقراطية التي تزعم الولايات المتحدة الدعوة لها ثم تحارب نتائجها كما حصل بعد نتائج الانتخاب لقادة الاشتراكيين الوطنيين الذين يقفون مع شعوبهم ضد الاستغلال الأمريكي البشع وكما حصل في حكومة حماس المنتخبة من قبل الشعب الفلسطيني...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244