جريدة الاسبوع الادبي العدد 1107 تاريخ 14/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المقاومة العراقية- خمس سنوات دامية من عمر الاحتلال ـــ محمد سعيد طالب

بعد خمس سنوات من الاحتلال الأمريكي للعراق، ما زال بوش ونائبه تشيني وجنرالات الجيش الكبير والحديث يحلمون بالنصر الكبير والمجد الأكثر شهرة وخلوداً ليدخلوا فيه التاريخ أبطالاً مكرمين تعلو هاماتهم أكاليل الغار والفخار، لكنهم لم يحصدوا حتى الآن سوى أكاليل الشوك والصغار. مزيداً من سفك دماء العراقيين الذين تقدر أعدادهم بمليون شهيد، وتدمير المدن والقرى والبنيات الأساسية للمجتمع العربي العراقي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. يقول آخر تقرير للصليب الأحمر الدولي: إن العراقيين أفقر شعب في العالم وبخاصة في خدمات الماء والكهرباء، مع أن بلدهم من أغنى بلدان العالم بالماء والنفط، وهم الذين كانوا في بحبوحة من العيش وفي طليعة الشعوب النامية تقدماً وازدهاراً، قبل الاحتلال الأمريكي لبلادهم. ومزيداً من القتلى الأمريكيين الذين أعلنت مصادر البنتاغون أن عددهم قد زاد عن أربعة ألاف قتيل، وأكثر من 30000ألف جريح من الجيش الأمريكي، بينما تقدر مصادر محايدة أن العدد أكثر من ذلك بكثير، يضاف إليهم قتلى الشركات الأمنية من المرتزقة الذين يزيد تعدادهم عن مئة وأربعين ألف مرتزق، مما يرفع عدد القتلى إلى عشرين ألفاً والجرحى إلى مئة ألف. والمزيد من الخسائر المادية في العتاد والسلاح والإنفاق العسكري بحيث تقدر تكلفة الغزو حتى الآن بأكثر من (2)تريليون دولار مما عجل بحدوث الكساد والانهيار الاقتصادي الذي بدأت نذره بالظهور بانخفاض سعر صرف الدولار أمام العملات الأجنبية الأخرى كاليورو والين، والانهيارات المتتالية في الأسواق المالية وأسعار الأسهم في بورصة نيويورك.‏

وتحولت أوهام بوش وعصابة المحافظين الجدد التي نظّرت وخططت للغزو البربري للعراق إلى كارثة قد تودي بآخر إمبراطورية استعمارية في التاريخ وإلى انكفاء الولايات المتحدة إلى أراضيها، وهذا نذير خير لبناء نظام عالمي جديد يقوم على العدالة والحرية والمساواة بين الأمم والشعوب، ونهاية لتاريخ الاستعمار والرأسمالية الربوية والثقافة العنصرية الصهيونية الممجدة للقوة والمال والعرق.‏

لقد دمر الغزاة الأمريكيون الدولة العراقية بمؤسساتها كلها، وعملوا على تفتيت المجتمع العراقي بكل مكوناته وطبقاته، واجتهدوا لنسف التاريخ القومي العربي المشترك الذي يعتز به العراقيون حيث كانت بلادهم قلب الدولة العربية –الإسلامية لأكثر من خمسمئة عام وفيها بغداد عاصمة الخلافة العربية، وحاضرة العالم. ونشطت وسائلهم الإعلامية ومؤسساتهم الثقافية العاملة في خدمة وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية والأجهزة الأمنية الأخرى، والفرق المجندة من العلماء والمثقفين الاختصاصين بعلوم الاجتماع والأنتربولوجيا والأعراق والآثار والتاريخ القديم والوسيط والحديث، في إصدار المؤلفات ونشر البحوث والمقالات في وسائل الإعلام المرئي والمسموع عبر القنوات الفضائية وموضوعها الرئيس الاقتتال الطائفي في العراق والحرب الأهلية المستعرة بين مكوناته الدينية والعرقية والعشائرية، عن طريق الأخبار المصورة والمقروءة والمسموعة التي تظهر بربرية ووحشية وفظائع هذه الأحداث المفجعة، وكأن الاحتلال الأمريكي بريء من هذه المذابح المدبرة، لجعل الانقسامات في صفوف الشعب العراقي (وهي انقسامات موجودة في كل المجتمعات وبخاصة في الدولة الأمريكية ذاتها)، أساساً لتجزئة العراق وتفتيته وبث الفتنة الدينية والطائفية بين أبنائه وإشعال الحرب الأهلية تحت شعارات كاذبة اخترعها العملاء الذين تجندوا لخدمة الغزاة. كانت حصيلتها حتى الآن مليون قتيل كما تقدر منظمات حقوق الإنسان الأمريكية والأوروبية، وأكثر من ثلاثة ملايين اضطروا إلى الهجرة هرباً من قتال المليشيات والمافيات والعصابات المسلحة التي شكلتها وتدفع لها أجورها المخابرات المركزية ومخابرات الدول الإقليمية المجاورة الطامعة في نفط العراق وثرواته، والتي تساهم في إثارة الفتنة بين أبنائه ظناً منها أنها بتقسيم العراق يمكنها أن تبني لها إمبراطورية وتحرز الهيمنة على مشرق الوطن العربي.‏

المقاومة العراقية، القومية العربية والإسلامية والوطنية التي واجهت الغزاة منذ اليوم الأول لسقوط بغداد في 9 نيسان 2003م نجحت خلال هذه السنوات الخمس في تحطيم إرادة القتال لدى الجيش الأمريكي ضباطاً وأفراداً وتشكيلات وقيادات ميدانية واستراتيجية، ولدى البنتاغون، واستطاعت بما قدمته من تضحيات و بطولات في ميدان المعركة وما كبدت الغزاة من خسائر في الرجال والمعدات، أن تنقل معركتها السياسية إلى قلب المجتمع الأمريكي، لتصبح المسألة المركزية السياسية والثقافية لدى (الميديا) وفي الكونغرس الأمريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب، مسألة رأي عام بامتياز تشمل جميع طبقات ومكونات الشعب الأمريكي وترمي بثقلها على بوش وجماعته(المحافظين الجدد) وتسقطهم الواحد تلو الآخر من مراكز المسؤولية. بعد أن أفشلت مخططاتهم الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.‏

وقد تحملت جماهير الشعب العراقي في المدن والقرى وبخاصة في المناطق التي احتضنت المقاومة وشكلت بؤرها المقاتلة وطأة هجمات الجيش الأمريكي المحبط، البربرية والوحشية بتدمير هذه المدن والقرى على رؤوس سكانها وتهجير من بقي منهم على قيد الحياة، وطردهم من بيوتهم في عمليات لم يشهد تاريخ الحروب مثيلاً لها من قبل كما حصل (للفلوجة والقائم وتل أعفر وبعقوبة وتكريت والرطبة.....). شارك فيها العملاء من الذين جاؤوا على ظهور الدبابات الأمريكية وشاركوا في عمليات الغزو مما اضطر المقاومة للقيام بحملات تأديبية على مواقعهم، مما أوقع الإرباك ووسع أعمال الفتنة.‏

لكن المقاومة ونتيجة شروط العزلة التي فرضها المحتلون داخلياً وعربياً ودولياً عليها عجزت حتى الآن عن إنجاز المرحلة التالية بالانتقال إلى الهجوم الاستراتيجي على قوات العدو المهزومة المتحصنة في قواعدها لإجبارها على الانسحاب للأسباب التالية:‏

1-فشلها في توحيد قواها وصفوفها، وإنشاء جبهة وطنية عريضة للمقاومة على مستوى العراق كله، وصياغة برنامج سياسي وثقافي واجتماعي يحدد أهدافها في التحرر والاستقلال الناجز بناء الدولة العراقية العربية الديموقراطية، وقد ورد مؤخراً في الأخبار أن مثل هذه الجبهة قد تشكلت في أيلول 2007م وأذاعت برنامجاً سياسياً مؤلفاً من (14) فقرة.‏

2- إخفاقها في رأب الصدع في الجسم الوطني-العشائرية والطائفية والإثنية التي بعثتها بقوة سياسات الغزاة وخططهم في تمزيق الشعب والدولة والمجتمع. وأذكتها ممارسات ودعايات وثقافة الفتنة وثقافة التفتيت والانقسام التي أنتجتها أجهزة مخابرات وإعلام الغزاة ومن حالفهم من قوى إقليمية وداخلية، وإن كانت سياساتهم تبدو في الظاهر متناقضة، فهي في الباطن متناسقة لتأجيج الصراعات وتفتيت النسيج الاجتماعي العربي العراقي بخلق تناقضات جديدة داخل كل عشيرة وطائفة وحزب (مثال مجالس الصحوة العشائرية التي شعارها المعلن التصدي لمنظمة القاعدة بينما مهمتها الرئيسة التصدي للمقاومة تحت شعارات ملتبسة).‏

3-فقدانها الحليف العربي القومي الذي يساند مجهودها الحربي والسياسي، ويشكل لها قاعدة خلفية للتموين والإمداد والإعداد، ويساند مساعيها من أجل الوحدة الوطنية.‏

4- عدم اعتراف الدول العربية ودول التحرر الوطني والدول التي عارضت الغزو الأمريكي للعراق بها كمقاومة مشروعة للاحتلال وممثلة للشعب العراقي، بما يفسح المجال أن تقيم معها علاقات سياسية تناصر كفاحها ونضالها من أجل التحرر الوطني بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على حق كل شعب احتلت بلاده أن يقاوم المحتلين ويدافع عن حقوقه بكل الوسائل السياسية والقتالية المتوفرة لديه وطلب المعونة من الأمم المتحدة لمساعدته في تحقيق هذا الهدف.‏

والمهمة العاجلة اليوم التي لا يمكن دونها تحقيق الانتصار هي السعي الحثيث والدؤوب لفتح الحوار الوطني بين جميع فصائل وتيارات المقاومة العراقية، للوصول إلى تحالف عريض فيما بينها على برنامج الحد الأدنى وهو طرد المحتلين الأمريكان وجلاء قواتهم العسكرية وشركاتهم الأمنية عن أرض العراق. والعمل بالوقت نفسه للوصول إلى تحالف سياسي يضم جميع القوى الوطنية التي تؤمن بوحدة العراق كوطن وشعب وسيادة على كامل ترابه الوطني وثرواته وموارده النفطية وغير النفطية، والاتفاق على برنامج سياسي لإعادة بناء الدولة العراقية الوطنية الديموقراطية التي تحقق العدل والمساواة لجميع مكوناته الاجتماعية والمذهبية والإثنية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244