|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أناشيد الكاهن الجريح «قراءة في قصيدة أنشودة للضفة المنسية» ـــ د.وليد مشوِّح في البدء كان النشيد*: «والشمس تغتسل بالمياه كل مساء، تريد عذارى الجروف، نشيد الروح القلقة أبداً، فتنقله الريح إلى الضفاف، تسفحه على الرمال، وتصعد به نحو أقصى لينتشر في المدى». بهذه الرموز قدم الشاعر خالد سلامة الجويشي قصيدته الموسومة بـ «في البدء كان النشيد»، وكأنه أراد في غموضها وضع مغاليقها بين يدي المتلقي ليفكّها:
فمن يقرأ أعمال خالد الشعرية كاملة(1)، سيجد في ثيمتها المكان (التاريخ) حيث يتموضع الإنسان الأسطوري المتماهي مع المكان، ولابد من القصيدة هذه في حال بحث القارئ أو المتلقي المتمعن عن سر المهيمنة واحتوائها على التكوّن الفني، بلغته، وخيالاته، وصوره، وموسيقاه. إذاً، فقصيدة «في البدء كان النشيد» هي «الشيفرة» (كلمة السر) التي تقود إلى فهم عالم القصيدة. وقد اقتضى وسم القصيدة أن تكون فاتحة الكون قصيدة شعرية، تُنشد أمام دهشة الوجود، ليكون البدء نشيداً يقوم على ثنائية لفظية ومعنوية، واللفظية تتبدى أولاً في قيامها على حرفين، يُمثّل كل منهما (الزمان) و(المكان)، فحرف الجر (على) مكاني (على الخابور)، (على الساجور)، (على الصفصاف)، (على الأغصان)، (على دجلة)، (على الزندين)، (على الشطآن)...الخ، فالشاعر عبر (دالٍّ) حرفي يشير إلى المكان كإناء في وسطه شرنقة تكمن في تلافيفها حقيقة الوجود المكاني، كإشارة إلى قدرة الخالق في تجسيد معنى الخلق، وكأن الهجرة الأولى كانت من هنا، لينتشر الإنسان على مساحات هذا الكون اللا متناهي. أما الحرف الثاني، فيمثّل الإحساس بالمكان، ذلك الإحساس الذي يخلق الصورة الفنية لجمالية المكان، والمكان ليس جامداً في صورة خالد سلامة الشعرية، لأنه «أنسنه» ووضعه ضمن الحواس تارة، وعلى أجزاء الجسد التي هي أصلاً من تكوّن التراب باتحاده مع الماء، منذ البدء، وانفصالهما عند النهايات، إذ يتبخر الماء، ويتحلل الجزء ليعود إلى تراب، وهنا نستقبل التساؤل المشروع القائل: .... وهل يحتمل الشعر هذه الحقائق العلمية كلها، وهو الذي يظل محمولاً على الإحساس الشعوري بداية ونهاية؟!... وعليه يأتي الجواب واضحاً بسيطاً: خالد سلامة مهندس، أي أن أفكاره ناتج عقل علمي ينحاز إلى حقائق العلم إن طغت العاطفة، وجاش الصدر بها في لحظة التأمل كمنطلق للإبداع. وللبرهنة على ما ذهبنا إليه آنفاً، فإن قصيدة لم تتجاوز أبياتها التسعة أبيات أفاضت على صورها سبعة أنهار أغرقت المهيمنة في لجج أمواهها، فصارت هي هي. «الخابور، السفّان، الساجور، الزركان، الفرات، البليخ، الدجلة» حيث جعل من التراب ـ الشاهد التاريخي ـ معادلاً للماء ـ أداة التطهر والتشكل والانهيار والتلاشي والتبخر ـ كذا يتكوّن الشعور بحركة الزمن، وتبدلات المكان. أما إذا أردنا نمذجة المعنى ـ التوجه؛ فإن الجزيرة الفراتية هي القلب، وشرايينها وأوردتها هي تلك الأنهار والروافد والغدران، وشغافه الجروف، وحوافيه وسويداؤه الصفصاف، وفرشه؛ الشيح والحنظل والقعفر والقيصوم، والنتيجة البديهية تكمن في كون المياه سواء هطلت من السماء أو نبزت من الأرض هي عنوان الخصب وفيها نقاء للصورة الشعرية وإظهار لها، ناهيك عن تطهير للذات الفردية. آهٍ أيها الزمان... وآهٍ أيها المكان: إذاً؛ فقراءة ديوان خالد سلامة ـ الذي يضم مجموعاته كلها وهي في المكان نفسه، تمتد على أزمنة متتابعة بدءاً من الخصب وانتهاءً بالقحط في زمننا هذا ـ تُشعر القارئ والمتلقي بقضية كبرى تشكّل مادة شعره كله، وإذا أمعن المرء النظر في سيرورة الرمز جاهداً لاكتشاف مغاليقه وصولاً لامتلاك المعنى العام أي السيطرة على ثيمة النص؛ لابد من التوقف عند قصيدته (المفتاح ـ «في البدء كان النشيد»)، والتمعن ليس في معناها فحسب؛ بل وتقري غاية مذهبها، عندها ـ فقط ـ سيلج البوابة المؤدية إلى الغاية الجوهر حسب التسلسلية التالية: الماء ← سر الوجود، الخصب ← كان ← اليباس ←صار. انتعاش ← موات، حياة ← موت، وجود ← خراب، أما الوجود وبالتالي فعليه تقوم معاني الحق في الحياة، والوطن، والحب، والحقائق الكبرى والصغرى، فإذا جفَّ الماء، فتجف الحقيقة، أما أسباب جفافه فكثيرة، منها على سبيل المثال: جفاف القيم، جفاف المعرفة، جفاف الإرادة، جفاف الضمير، وإذا جفت المقومات؛ جفت الحقائق، وإذا جفت الحقائق جف الوطن، وبجفافه تجف الذات، عندها فقط يخرب الكون. وهذه الرؤية ليست بدعة اختص بها خالد سلامة؛ بل هي متلازمة في تاريخية الكون الشعري العربي، منذ امرئ القيس في لوحته التي تعرض لتهطال المطر بعد وجبته (الناقة) عند دارة جلجل، مروراً بالبحتري، وأبي العلاء المعري، وقوفاً مع السياب في «أنشودة المطر»، كذلك احتفى الشعر العربي بمعنى المطر استناداً على الأسطورة، ووقوفاً على بساط الفلسفة، إخلاداً في أفياء خيمة علم النفس حيث يقدم النقد بمذاهبه المختلفة عروضه التثقيفية. وبعد صياغة المفتاح، لابد من تقديم الأنموذج البرهان على ما ذهبنا إليه آنفاً، وجدنا في قصيدة «أنشودة للضفة المنسية»(2)، بغيتنا: «ملقى على كتف الجزيرة/ نصفك الوحشي تدفنه الرمال الصفر، يسري في عروق الأرجل السمراء نسغ الأرض، تختلط الدماء الدافئات بدمعة الصحراء ـ ساخنة، فيختمر التمازج في الظلالِ ويشمخ القمح الغلول....». بدأ برسم صورة سوريالية تعبّر عن التوحد بالمكان وإظهار حقيقة المكان ودوره في تكوين الذات على الرغم من إنشطارها إلى نصفين أحدهما وحشي والآخر أنسي، وفي متممات القصيدة يتجلى الإبداع في الصورة الشعرية عندما يدأب الشاعر على أنسنة النصف الوحشي عبر تواشج المكان بالزمان، أي عند اختلاط الأسطورة بالواقع وإعادة تشكيل لوحة جيدة وجديدة فيها بعد معرفي لسيرورة الزمن إذ تتكون الذات الإنسانية عبر تسارعها الوجودي. وعلى هذا الأساس يرى الدكتور عبد السلام المساوي /11/ أن الزمن قطعة من حركة محصورة بين البداية والنهاية، أي أنه كينونة توصل الإنسان إلى معرفتها قياساً على عمره الذي يفتتح عند الولادة، ويُختتم عند الوفاة، أو هو قبل ذلك صيرورة راكضة تمثلها دورة الفصول المتعاقبة، واختلاف الليل والنهار في إيقاع يشي برتابة هذا الاختلاف؛ ذلك أن ظلمة الليلة شبيهة بظلمة الليلة السابقة، ونور هذا النهار يشبه نور النهار الذي سبق. هكذا يبدو الزمن في التجربة الخارجية، أي في بعده عن الذات، وفي تحلله من دواخلها المعقدة»(3). «وينادم الزركان والسفّان، آه نصفك الأنسي يستسقي المياه الدافقات ـ الملح، ما أنأى الفرات الدافق الهدار، ما أنأى شطوط الدجلة الخضراء، ما أنأى السواقي المترعات الشهد، أين محاجر الخابور كحلّها الندى/ وطني هناك ـ تسافر الأطيار نحو بهائه شغفاً، وأسراب الفراشات الزنابق والحشائش ـ والأزاهر والقناديل التي تبكي مساء الهجر من راحوا/ جذوع النخل/ يا وطني النبيلْ أيجيئ يوم نلتقي/ فأريح رأسي فوق صدرك يا تراباً ما استبته الريح / ـ ما أقسى التنائي حين يزدرد المسافاتِ الرحيلْ»(4). وهنا يضعنا الشاعر أمام تساؤلات وجودية كثيرة، هل هي ـ يا ترى ـ مسؤولية الإنسان، في خراب الذات، أم مسؤولية الطبيعة، أم السبب يكمن في نأي الفرات لتبدأ أزمنة الجفاف والقحط، أم هي مسؤولية الإنسان والطبيعة، حيث تنتظم في (مناحة) الموات؛ موات الوعي، الضمير، النخوة، لذا يعتني الشاعر كثيراً في موسقة هذا النعي في (معادة) الهجر على الطلول إذ يتجلى في الصورة الرمادي هذه: الوطن الحاضر ـ الغائب. فالشاعر يخاتلنا لننحاز إلى قلقه في بحثه عن «يوتوبيا» فنشاركه قلق الماهية المكانية بعد أن وعينا الحركة الزمانية، والجمهورية الفاضلة «اليوتوبيا»؛ أهي الوطن، أم ذلك الماضي، أم هاتيك القيم التي طوحت بذات الشاعر في مجاهيل التغرب. «ملقى،/ وفي الأفق البعيد تلوح مثل البارق الهيمان أندلس المحبةِ،/ ـ يقفز القلب المدمى/ يقفز الروح المعنّى يا قره تشوك* البديعة،/ ـ يا قره تشوك البهية،/ يا قره تشوك الزمان الرائع الترف الخضيلْ...... ..... هل أنت يا وطن البنفسج صحوة أخرى/ أم ـ أنَّ الليل يضرب بيننا سراً ـ ويغرس شوكه فينا، ويغزل من دموع الحزن عرزالاً/ تجافيه الغزالات الجميلة والوعولْ»(5). التوحد في المكان، رثاء اللحظة أثناء رؤية أفولها، محاولة شعورية لتحريك الجماد وأنسنة الطبيعة.. لذا فإن الشاعر يجد أو يرى الوطن حالات تصنعها الممارسات التي اقتضتها بواكير العولمة، وهنا تقع المسؤولية على الجميع البشري المحلي والمحيط في حالة الوطن التي ما فتئت تنوس بين النوم والوسن، بينما يظل الحارس الأمين متمثلاً بضمير الشاعر. فالشاعر يفتح مساحات المكان على امتدادات الدفين الأرضي، فلا قره تشوك وحدها بؤرة المنحة ـ العطاء (النفط)، بل سنجد أو نكتشف سر الماء الذي يهب المنحة ـ النفط في أمكنة أخرى مثل: (الغونة، الجبسة وغيرها)، وقد عرضها الشاعر (الأمكنة) لا ليعطي قيمة اقتصادية للنفط، بل ليؤكد مشروعية شهادته على انتفاء الخصب، وتوقف العطاء، وموات الطبيعة، كون الأمكنة المعروضة كانت تمور بالحياة؛ ثم تحولت إلى أطلال مهجور، باتت تمثل بدايات الخراب الذي ينتظره وطن، وتشهده أمة غابت نواطيرها عنها. ومن بعد هذا المقطع تطل علينا التساؤلات الصارخة، والتي جاءت بمثوبة احتجاج وإدانة للراهن المعيش، هي تساؤلات الغياب التي أوغلت في البعد عن أمل العودة، تساؤلات: (هل، إلامَ؛ أتظل، أتحلم، حتام)، وهكذا تتالى الأسئلة المريرة التي تتطلب من الروح الشاعرة صبراً، وعذاباً، وحكمة، ليستمطر الأمل في حياة مشرقة، ومن خلال الأسئلة يتبرأ الشاعر من حاضره الرخو هذا، وينأى بنفسه عن المسؤولية التي جلبت الكارثة: «....إنّني لست الخؤونْ/ والله يشهد أنني جمَّعت روحك وردة وحملتها نحو المنافي ـ حِرزَ أيامي يمزقها التوجع والأنينْ/ وحفظتها خوفاً عليها، حين وزعني الزمان القاهرُ ـ الغدّار ـ نثَّرني بوجه الريح.....»(6). إذاً؛ فثمة معتدٍ ومعتدى عليه وشاهد على العداية، فالزمان معتد، والمكان معتدى عليه، والشاعر كممثل وحاد للسواد الأعظم من الشعب هو الشاهد الصابر على عذاباته، القابل بها، المستسلم لها، المتأمل أن تشرق شمس الوطن من جديد. «إني سأجرع صبر أيوب الكليمْ*/ صبراً عذابك نجمة خضراء يوغل ضوؤها في ظلمة الليل الطويلْ/ فغداً ستطلع شمسك البيضاءُ/ تأتلق الحياة سنابلاً تزهو على شفة الحقولْ»(7). إن المتأمل الذكي، والناقد الشفيف يلاحظ انشطار الزمن إلى زمنين في نسيج القصيدة (زمن آني، وزمن ذاتي)، فالأول يمتد إلى ضفاف الأمل، أما الثاني فلا نهايات مرئيةً له إذ يمتد إلى الأزلية، لأن الوطن أزليٌّ أو هكذا يريد الشاعر، والأمة خلود قيم وأفكار وعقائد وإبداع، وفي هذا يقول الدكتور المساوي: «..... الزمن الخارجي مختلف عن الزمن الداخلي للذات، وقانون سرعته وبطئه ليس مسألة موضوعية أو محايدة مهما تفننت يد الصانع في ابتكار الساعات ووحدات قياس دورته وسريانه... فقد أشار نيتشه إلى أن الأشهر كرّت، والسنين توالت على زرداشت، وهو لا يشعر بها مع أنها جللت بالبياض ناصيته وفوديه*/ فالزمان يصيب الجسد ما يصيب، لكنه يقف أمام الروح ذاهلاً عاجزاً عن الإضرار بها. وهذا أمر لا يتأتى إلا للأرواح التي تحصنت بقلاعها التي لا تترك للزمن منفذاً أو ثغرة يتسلل من خلالها إليها. وهي أرواح جرّبت نشوة الأبدية التي تكشف زيف الأزمنة كلها، المصطنعة في لحظة واحدة، فالمستقبل عدم سيصبح وجوداً، لكن عندما يصير كذلك يبطل أن يكون ذاته. أي أن من طبيعته ألاَّ يكون...»(8). الشاعر خالد سلامة ينوح على الماضي بفجائعية، ويرثي الحاضر بسوداوية، وتتحدد المفردتان المعنيان لتتحول إلى تساؤلات، تشكل لوحة متناقضة الأشكال، متنافرة الصور، متباينة الألوان، ثم يؤطر لوحته هذه بالأمل، ويسندها على جدار الزمن، وهي معلقة على فعلي (الماضي والمضارع) في تبادلية غائية رمزية شفيفة: «وتظل تحلم بالربيع، بنورة الأرض الدفوقة، بالنماء وبالبهاء وبالنقاء وبالصفاء وبابتسامات الحقول./ تنهدّ مرتعشاً على جمر الغضا الكاوي/ تراقب غيمة عبرت، لعل سحائباً، طال انتظارك للغيوم السود، تهمر قطرها، فتطير من فرح، أيا نخلاً ـ نما في البيد، أحرقه الهجير، وعضّت الريح العنيدة زهره،/ هل ثمَّ بارقة تلوحُ فتشرق الآفاق، هل يأتي الربيع ليمسحَ القحط المدمّى، يغمر الأرض المعذّبة الطلولْ وتظل تحلم بالربيع الثرّ ياوجه التنائي والرحيلْ/ هل أنت تموز تكبّله السلاسل ـ والضباع تحوطه، ويروح يحلم أن يفضّ بكارة الأرض البتولْ. حبلى هي الأرض البديعة من بغاث، منهم زبد الهباب، ومارج الرعب العجولْ».(9). هكذا إذاً، الوطن الأسطورة، هو ذاته أسطورة الوطن، كان معطاءً كريماً عامراً، من بواباته كانت الحضارات تشع نوراً على الكون، لكنه ـ واغدرة الزمن الشحيح ـ تحول إلى قحط، لأن الخصب الطبيعي والخصب المعنوي غُيّبا في زنازن القهر، وانبعث الشر من جديد ليصارع الخير، ولن تحسم المعركة على ما يبدو في وقت قريب، ويبقى الحلم ثيمة للوحة الشارع، الذي وجد آلافاً من الجدران تحول بينه وبين الأمل، حيث تأتي صلابة جدرانه القاتمة من تحولات زمنه بين الماضي والحاضر والمستقبل، بيد أنه يترك مطلاّت على الحلم الأمل، أو الأمل في الحلم: «.... من هنا ت صبح التحديدات الزمنية التي تعارف عليها الناس (الماضي، الحاضر، المستقبل) غير نهائية في شكلها الفيزيائي الشائع، فالماضي المرتبط عادة بالذاكرة يبقى في حاجة إلى تقويم عن طريق فحص محتوى الذاكرة المفككة وإيجاد عناصر تقوية لتدعيمها. أما الزمن الحاضر فمنفلت باستمرار، أي أنه لا يعرف هدأة أو استقراراً، لأن التفكير في الحاضر يسجل انتماءً للماضي أي عودة له. في حين يظل المستقبل زمناً مرهوناً للمجهول، وللخطط المحتملة التي لا يستطيع أحد تأكيد حدوثها، (ما عدا تشوّف الشاعر)، مادام الموت المتوقع بالمرصاد.....»(10). «بيني وبينك خطوتانْ/ بيني وبينك لا وسخرية الزمانْ بيني وبينك وجهي العربي، والماضي المبدد في متاهات الغيابْ بيني وبينك سم أفئدة الأفاعي، حقد أفئدة الذين عشية حصبوا عيوني بالرمال وبالحجارةْ/ ... سحقوا عيوني، ضوء أيامي، الأمانيّ الجميلةْ وتناهبوا دفء التألف من شبابيك الأمانْ...»(11). وأمام هذه البينية، يستفيق زمن آخر، هو زمن (الما... بين) أي أن الشاعر خالد سلامة يخلق لنفسه زمناً رابعاً يخرج على الأزمنة الثلاثة المتعارف عليها، إذ يدعِّم كونه الإبداعي في نصه بذكريات ستكون الغالبة على نصوصه الشعرية كلها والتي تقوم على الماضي الفاعل به من خلال دراسته كمهندس عملاً، وكفنان لاقط لنأمات الشعور، وقادر على صياغتها، إذ يتحول إلى راقص ماهر على ساحة شعوره بالزمن، وهنا يبرز داخله (الزمن) بروزاً لافتاً على حساب زمانه الآني الخاص، أي أن ذاته تنتصر على حركية الزمن، حيث يدفع فاتورة الحالة تلك من قدراته الجسدية، بلا مراجعة أو تدقيق، لتظل روحه متوهجة مع إصرار مسبق على أن يتناغم مع نبضها، ويحملها إلى آخر محطة، حيث تسدل الستارة، وينطفئ الزمن. إذاً؛ فتعالق الزمان والمكان في قصيدة خالد ـ كنموذج ـ وفي شعره عموماً هو عنوان مرثية لأمة، مرثية لوطن، مرثية لقيم ومبادئ، مرثية لتاريخ، مرثية لجغرافيا، والنادبون المفترضون هم شرائح الوعي في الأمة، الشعراء، القاصون، الرواة، المسرحيون التشكيليون، المؤرخون، النقّاد، والفلاسفة كمدافعين عن الحقيقة. وكيلا نغلق حلقة التمام؛ لابد من الإشارة إلى الفجوات في القصيدة. ومن أوسعها وأكبرها تلك المباشرة، والسردية في طرائق الوصف، أما ذاكرة القصيدة فقد بدت نزقة، وبكّاءة، ومشتتة، ومفتوحة على الذاكرة الأنوية مع حدود وفواصل لغوية قامت على تبادلات الأفعال الثلاثة في بناء أو رسم اللوحة الشعرية. الهوامش: (*) ـ عنوان القصيدة ـ مادة الدراسة، من ديوان «أناشيد المدن الريفية (عند الضفة المنسية)»، ص 9-10، وهي المدخل للقصيدة ـ الأنموذج، في التحليل النقدي، والتي هي بعنوان: «أنشودة للضفة المنسية»، الصفحات من 11 ـ 17. (1) ـ صدر للشارع المجموعات الشعرية التالية: ـ صقر قريش وحيداً، منشورات اتحاد الكتاب العرب، عام 1993. ـ أناشيد المدن الريفية (اعتذار لعيني زليخة)، مكتبة الإيمان، عام 1996. ـ أناشيد المدن الريفية (زهرة الشتاء)، منشورات اتحاد الكتاب العرب عام 1997. ـ أناشيد المدن الريفية (يوسف الصديق)، اتحاد الكتاب العرب ومكتبة الإيمان عام 1997. ـ أناشيد المدن الريفية (عند الضفة المنسية)، منشورات اتحاد الكتاب العرب، عام 2002. (2) ـ ديوان «أناشيد المدن الريفية» (عند الضفة المنسية)، من ص 11 إلى ص 17. (3) ـ عبد السلام المساوي ـ دراسة ـ «تثبيت الذكريات أو الأدب في مواجهة الزمن»، مجلة عمان الأردنية، العدد (147)، شهر أيلول 2007، ص 10. (4) ـ قصيدة «أنشودة للضفة المنسية»، ص 11-12. (5) ـ القصيدة ، ص 12-13. (6) ـ القصيدة، ص 16. (*) ـ يريد (المجروح). (7) ـ القصيدة، ص 17. (*) ـ مقبوس من رائعة نيتشه: (هكذا تكلم زرادشت). (8) ـ عبد السلام المساوي ـ الدراسة ـ ويحيلنا إلى سمير شاهين في دراسته التي بعنوان (لحظة الأبدية)، دراسة الزمان في أدب القرن العشرين. (9) ـ القصيدة، ص 14 ـ 15. (10) ـ عبد السلام المساوي ـ الدراسة ـ ص 10 ـ 11. (11) ـ القصيدة ، ص 13-14. |