|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
بقايا امرأة ـــ عزيز نصار في هذا الغروب، كما في كل غروب تخترقين الطرقات، تتابعين سيرك المألوف، تقودك خطاك إلى تلك الحديقة. تتهاوين على مقعد خشبي. إنها حديقة شهدت طفولتك وصباك، واشتعلت نفسك بالوجد في ممراتها. وكم درت في أنحائها الواسعة! تتطلعين حولك، يثير انتباهك شاب يمسك بيد فتاته. يعابثها. يطيران كعصفورين. صغار كثيرون يركضون كأسراب الحمام، تنقلين نظراتك بينهم وبين الأمهات. تفرّ صيحاتهم في الحديقة، ويمنحونها حياة. يستيقظ فيك الحنين إلى طفل يملأ حياتك وتأخذينه إلى صدرك، تنبعث صور الماضي. ما أكثر الذين يمرون في ذهنك! أنت امرأة فريدة انفتحت أمامك نوافذ الحب. جاءك أناس يخطبونك لأولادهم فأبيت. لعلهم بلا شهادات عالية، ولعلهم فقراء، أو دون مستواك الاجتماعي. تتذكرين زميلك في المؤسسة، يوم تحدث إليك كامرأة للمرة الأولى. تسترجعين ذكرى شاعر أهدى إليك دفتراً من حب وشوق. تقفز فتاة صغيرة خفيفة مرحة كغزالة. تتوقف قربك تسمعين صوتها: ـ خالتي أنا بنت صديقتك. تلتفّ ذراعاك حول عنقها، تقبلينها ويغرق وجهك بالشجن والكآبة. يندفع الدم في عروقك. تنساب أصابعك بين ثنايا شعرها. وبعد قليل تتابع الفتاة قفزها باتجاه والدتها في الركن الآخر من الحديقة. تذكرين ذلك الشاب الوسيم. لا يملك سوى طموحه. كنتِ تميلين إليه. يمكنه استئجار منزل صغير.. آه.... أي تأثير للحب في إسقاط الحواجز؟ يخطر ببالك شاب معدم غازلك فثرتِ في وجهه. تذكرين جارك الشاب ووجهه الملفوح بالشمس. كان جريئاً وتحدّث عن نهديك الناضرين. تتأوهين، ينتابك خوف ووحشة. أطياف من أحبوك تزورك، وأنت ستصيرين طيفاً شاحباً لا يفكر فيك أحد ولا يطرق بابك أحد. يا لحظّك القاسي الشرس. مثيلاتك تزوجن، ورزقن بأطفال يقبلون على الدنيا فيهبونها بهجة وفرحاً، مر عام وعام. ها أنت تأخذين مقعدك في حديقة هي ملتقى المحبين والعشاق. تشعلين لفافة تمتصينها بنهم، وتنفثين دخانها، ليت الزمان يعود لتقبلي بمن عبروا حياتك. أحدهم ترفضينه لأن الغيرة أعمته فطاش صوابه حين رآك تبتسمين لزميلك في الشارع. أما الآن فترين أنك تستطيعين أن تعالجي الأمور بحكمتك وصبرك فيثق الرجل بك ولا يفقد أعصابه. شيء من الغيرة يبعث الإعجاب والرضا والشغف. شيء من الغيرة، أمر ممتع يجعلك تحسين أن الرجل يتمسك بك ولا يلغي حريتك. مضى كل شيء. تحسين أنك مقهورة مهزومة. أين ذاك وذاك؟ يساورك شعور بالظمأ والحرقة، ويمضّك السراب والحيرة. أنت امرأة تائهة. كل ما تبغينه رجل تطمئنين له. تضعين رأسك على صدره. أنت امرأة متهدمة، تستعيدين وجوهاً ذهبت وولّت وترتدّين خائبة. لا تعرفين ما تبغين حقاً. كنت تحلقين مندفعة إلى الفضاء، وها هي أحلامك المستحيلة تلتصق بطين وتراب. تلتصق بواقع لا يرحم، وها هم الذين أحبوك يمرون واحداً واحداً في الذاكرة. تفكرين «ربما لم أكن أملك نضجاً ولا أسيطر على نفسي». تنظرين إلى الأضواء الخافتة، تسمعين صفير قطار قادم. تتخيلين أنه يحتضن عشاقاً تنتظرهم محبوباتهم في المحطة المحتشدة. أي امرأة أنتِ؟ لعلك شجرة عجوز هرمة ذاوية. ترسلين بصرك إلى أشجار الحديقة. عبيرها عذب. أغصانها خضراء تتعانق. أما أنتِ فغصن يابس كمقعدك الخشبي. تشبكين ذراعيك على صدرك. تتكاثف الأحزان في أعماقك كغيوم سود. لم تفقدي كبرياءك وشموخك في حياتك التي قاربت الأربعين. والآن يهتز كل شيء. جمالك كان فاتناً مشرقاً، وها أنت الآن تستعيدين وقائع الزمن. كم أحسست برياح عشق مفاجئة، وما تلبث أن تخبو وتهمد. أردتِ حباً ملتهباً ورجلاً يمنحك كل شيء. حياتك اليوم قاحلة. أعرض عنك جميع المحبين. جاؤوا إليك ثمّ تسربوا كالماء بين الأصابع. فلماذا لا تتابعين مسيرتك دون الاهتمام بهم. ترتفع ضجة الأطفال حولك. ترتفع ضحكاتهم السعيدة. ترفُّ عيناك. تتلهفين إلى منْ يدفئ كيانك. يتدفق الدم في وجهك. تمتزج في نفسك مشاعر الحرمان والتوق ومشاعر اللهفة والرغبة. أين الوعود العذبة والأحلام الجميلة؟ ينظر الناس على أنك أصبحتِ كبيرة وأمك حزينة من أجلك. تشعلين لفافة أخرى، تسحبين أنفاسها. أنت تحترقين مثلها، كأن الجفاف قد أصاب جسدك وروحك. مقعدك أصله شجرة حية وقد غدا شيئاً ميتاً. مقعد خشبي أسود وأنت مغروسة فيه. أردتِ من يحقق لك كل ما تتمنين. تحلمين اليوم بمقعد صغير يضم اثنين. تحلمين ببيت يتسع لاثنين. تعيشين لحظات من أوهام وخيبة موجعة. سمعتِ أن رجلاً يحتفظ بزوجته الأولى، يريدك على الرغم من اختلاف المعتقد، فهل تقبلينه وهناك شريكة لك في هذا الرجل؟ تطلقين بصرك في أرجاء الحديقة. مَنْ يردّ صباك؟ تشعرين بالمرارة والكآبة، تزوجت شقيقاتك، وسافر أخوك، وبقيت أنت مع الآلام، تشعرين بالمرارة والمهانة. أين أفراحك؟ أين مباهجك؟ أين ما يهب حياتك معناها؟ أنوثتك تتوجع حبيسة محترقة، متى تضمّين كائناً إلى صدرك بدلاً من وسادة تحيطينها بذراعيك؟ ماذا يحدث حين تلفظ أمك أنفاسها؟ أمك التي تفيض بالحب الكبير. هل يضيع العمر بلا جدوى؟ قيل لك: اسألي تعطي، اطلبي تجدي، اقرعي يفتح لك، وأنت لا تريدين إلا اختلاجة وقلباً ينبض. أيتها الأنثى أين عشاقك؟ أين الذين أُغرموا بك؟ امرأة بلا حبّ كشجرة لا جذور لها ولا فروع ولا أشجار ولا ثمار. لستِ أنثى يلفُّ رفيق العمر ذارعاً حولك، ولستِ أمّاً تحتضنين أطفالك، لست غصناً نضراً يعانق غصناً غضاً، تتساءلين: «هل أنسى الماضي وأترك أمنياتي وأحاسيسي وأتعوّد هذه الحياة وأرضى بها؟». تغمرك موجة حزن، تجلسين وحيدة، وكان العشاق يتهافتون عليك. تبكين حلماً ولّى وطوته الأيام؟ متى تنتهي الحيرة التي استمرّت طويلاً؟ تزوجت صديقاتك واحدة بعد أخرى وأنتِ متى يبزغ الأمان والفجر في صدرك؟ تعصف بك مشاعر الهزيمة في ساعات اليأس. بدأ المكان يذوب في أمواج الظلام، ويغرق في سكون عميق، تمسح عيناك الزوايا وليس هناك سواكِ، يجللك بياض الشعر والتجاعيد، كيف يصير الرماد لهيباً وجمراً في حنايا النفس؟ تذبلين كوردة ينتابها عطش وشوق في ليالي الحنين، وتتساءلين ماذا بقي منك؟ تقومين وتمشين على مهل تتخذين طريقك عبر باب الحديقة، كيف يمضي الزمن بكِ؟ كيف يمضي الصباح كل اليوم، ويمضي المساء كل يوم؟ هل يتكاثف الظلام أم يجيء الحب على غير ميعاد وتستعيدين نضارة القلب والروح؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |