جريدة الاسبوع الادبي العدد 1107 تاريخ 14/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حُلُمٌ.. وذِكْرَى.. ويَقظَة!! ـــ شادي عمار

شاهدتُها تمشي مشيتَها المعهودة من بعيد، إنها هيَ بعد غيابٍ طويلٍ طويلْ... ما الذي جاء بها؟. كأنني لم أفترق عنها طيلة خمس عشرةَ سنة!! هرعت إليها مأخوذاً، بينما استقبلتني بدهشة لا توصف. وعن يميننا توضّع ذلك المقهى اللطيف الذي عرف بداية قصّتنا ونهايتها! كنّا مراهقين عائدين من المدرسة، فدعوتها إليه ـ كما يحدث في الأفلام المصرية الأبيض والأسود ـ متهيّباً التجربة فوافقت بفضول... ودعوتها اليوم أيضاً بعد الفراق الطويل، فجابهتني بالفضول نفسه!! في المدرسة كنّا لا نتكلم عن الخصوصيات عادةً مع الفتيات، لأنه إذا اختلى شابٌّ وفتاة فالطلبة الصغار سيثرثرون، لذا استلهمت الفكرة من الأفلام بعد جهد... جلسنا في المقهى، كنت مرتبكاً بينما أخفت ارتباكها ببراعة، سألتني عن صحتي وهل تزوّجت؟ أذكر أني سألتها عن رأيها في الزواج بي فبوغِتَتْ وكنا خائفَين أن يرانا أحد! صارحتُها أن قلبها منحوتٌ من حجر... فالخمسَ عشرةَ سنة لم تظفر لي بزوجة كاملة بل بخطيبة ـ حالة وسط ـ! وقتها... استحثثتها أن تدع الخوف جانباً بكلمات هامسةٍ من الخوف أيضاً. تغيّرت ملامحها فجأةً وعابت قسوتي عليها هكذا، فهي كان لها ظروفها التي أبعدتها عنّي... قلت لها إن خوفها الزائدَ هذا لن يُبقِ لحبنا فسحةً من حياة، جاوبتني: إن الظروفَ التي أستخفّ بها الآن كانت لا تملك من أمر تغييرها شيء. فأهُلها رفضوا أن تُتِمّ تعليمها بعد الثانوية، وزوّجوها كرهاً من شيخ ثريّ...‏

«أحقاً ما تقولين؟! تخشين من أهلك وتخشين من أصدقائك!! وماذا بقي للحب بعد أن أكل الخوف كلّ قلبك؟!» سألتها متّحدّياً... ردّت عليّ معاتبة: «الفتاة في عمري آنذاك لا تقدِر على مواجهة أهلها وإقناعهم، ألا تفهم؟!!». ما فهمْته هو خوفها من أن يراها أخوها، عندها لا تعلم ماذا سيحدث لدرجةٍ أنها دلقَتْ الشراب على قميصها المدرسي... لم تكن لِتُقدِّر حجم هذا الألم من جرح المراهقة الغائر، الذي نما وحجب نوافذ نفسي عن سواها.‏

ولما ناولتها المنديل كي تمسح الشراب أمسكت يدها عمداً، حاولَت أن تسحبها جفْلى، فضغطتُ عليها أكثر محاولاً الاستمتاع بكل حنايا هذه الكفّ الرقيقة. قالت: «كفى أرجوك... لا تؤلمْني أكثر من ذلك، لقد نلتُ كفايتي من العذاب، فالعجوز مات، وأبناؤه الشبّان من زوجته السابقة طردوني من قصره... هل أنتَ راضٍ الآن؟!». أجبتها: «كل الرّضى»، فقد مضى زمنٌ على آخر مرةٍ أمسكت بها يدها، وعندما أمسك يدها أشعر أن فرح العالم كله سكنَ فيّ دفعةً واحدة، بكَت بحرقة فمددتُ يدي لأمسح دموعها، فابتلّت من العبرات الدافئة، وأصابتني رعشةٌ من ملمس الخدّ الناعم، فاستيقظتُ من الحلمِ...! حاولَت أن تسحبَ يدها من يدي الضاغظة، فمانعتُ وقلتُ: «لن أُفلتَ يدكِ حتى تقولي كلمة (أحبّكَ) جهاراً، فرمقتني بنظرةٍ غاضبة، وصفَعَتني صفعَتَها الجميلة الحانية التي كنتُ أُجذَلُ لها، فاستيقظتُ من الذّكرى...!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244