جريدة الاسبوع الادبي العدد 1107 تاريخ 14/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جذور الحداثة ـــ ت.عدنان عويّد

Christopher L. C. E. Witcombe‏

Roots of Modernism‏

حتى وقت قريب, كلمة ( حديث ) استخدمت للإشارة بشكل عام إلى المعاصرة, وكل الفنون الحديثة اعتبرت حديثة اعتباراً من الوقت الذي تنجز فيه.‏

في عام / 1437/ ميلادي, وضح سانا نينو ( ( Cennino Cenniniأن غويتو ( Giotto ) قد أنجز في ذلك الوقت لوحات رسم حديثة, كما أشار في كتاباته أيضاً جورج فازاري ( Giorgio Vasari ) في القرن السادس عشر أن الفن في حقيقة أمره هو فن حديث.‏

عند الرغبة في تحديد الفترة التاريخية التي راحت تنتج فيها الحداثة أو ما سمّي بالفن الحديث, يمكن تحديدها تقريبا ما بين ( 1860 و1970) ميلادي, فهذه هي الفترة التي استخدم فيها بدقة الفن الحديث, و راح الناس يتحدثون فيها أو يكتبون أيضاً عن هذا الفن.‏

استخدم تعريف الحداثة أيضاً ليشير إلى فترة إنتاج الفن, كما يمكن القول أيضاً إلى الفترة ذاتها التي راح يشار فيها إلى فلسفة الفن الحديث.‏

في كتابها الذي يحمل عنوان ( جذور الحداثة ), تتساءل سوزي غابلك (Suzi Gablik ), هل فشلت الحداثة؟ , هل هي تعني ببساطة فشل الإحساس بقدوم النهاية؟, أو هي تعني أيضاً أن الحداثة قد فشلت في تحقيق أي انجاز؟.‏

إن الإجابة على هذه الأسئلة تقول: إن الحداثة امتلكت أهدافاً، بيد أنها فشلت في تحقيقها, ولكن يظل السؤال المطروح هنا هو: ما هي هذه الأهداف؟.‏

لأسباب ستكون واضحة فيما بعد, فإن سؤال الحداثة قد صيغ إلى حد كبير في تعار يف يغلب عليها الطابع المدرسي وقلة الاهتمام, ومؤرخو الفن عندما تحدثوا عن الفن الحديث في الفترة الماضية وبصورة جوهرية, غالباً ما تحدثوا مثلاً عن اللون, والمستوى الفني, وهذا بشكل عام ينسجم مع ادوار مونيه (?douard Manet ) أول رسام حداثي, حيث أن صفة الفن الحداثي في الحقيقة انطبقت على لوحاته التي رسمها عام / 1860/ مثل لوحته المسماه غداء فوق العشب (Le Déjeuner sur l'herbe. ) التي شقت طريقها في فترة الحداثة.‏

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا هذه اللوحة بالذات؟ , والجواب المنطقي على هذا التساؤل هو, كون هذه اللوحة تعتبر في دلالاتها أهم كشف موضوعي لما سمي بالفن الحديث, وقيم الرسم الحديث, والعلاقات المكانية الحديثة , بيد أن هناك أسئلة كثيرة أخرى تكمن وراء هذا السؤال مثل: لماذا مدينه (Manet ) كان الممثل الموضوع للحداثة, وقيم الرسم الحديث, والعلاقات المكانية الحديثة؟... نعم هو أنتج الرسوم الحديثة, ولكن لماذا هو أنتج مثل هذا الرسوم؟.‏

عندما عرضت لوحته غداء فوق العشب (Le Déjeuner sur l'herbe. ) في صالون العرض عام 1863, الكثير من المشاهدين قد اشمأز من هذه اللوحة الفاضحة, وعندما عرضت لوحته الثانية بعد فترة أوليمبايا (Olympia ) كان الناس في الحقيقة أكثر اشمئزازاً وقلقاً, لذلك يظل السؤال مطروحاً وهو: لماذا تلك اللوحات الزيتية التي عرضها مانيه ( Manet ) قد سببت مثل هذه الصدمة للعديد من الناس المشاهدين لها آنذاك؟. ( أعتقد لكونها قد جسدت مواضيع العري الجسدي, وهذه لاتتناسب مع القيم الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك العصر بالنسبة لأوربا – المترجم ).‏

إن القدرة في الإجابة على أسئلة الحداثة في سياقاتها الواسعة, تستطيع أن تكشف جوهر فلسفة الحداثة, وغاياتها, وأهدافها, كما ستكشف أيضاً البعد الآخر لوجهة نظر الفن, ومعرفة العالم الحديث.‏

إن جذور الحداثة قد امتدت لفترات زمنية في التاريخ الأوربي هي أعمق بكثير من منتصف القرن التاسع عشر, فبالنسبة للمؤرخين, ولكن ليس ( مؤرخو الفن ) إن فترة التحديث تعود في الواقع إلى عصر النهضة الأوربية, وكذلك النقاشات التي دارت حولها ربما تعود إرهاصاتها الأولية ببساطة إلى الفترة ذاتها. فعندما ننظر في معطيات ( الحركة الأنسية ) التي اعتبرت الإنسان مقياس كل شيء, في هذا المجتمع الدنيوي ( المدني ), نجد أن بدايات هذه الحركة الأنسية كانت مع يوتوبيا سير توماس موريس إيتوبيا إن (Sir Thomas More's Utopia in ) عام 1516م. وعندما ننظر في أحداث الماضي نستطيع وبكل ثقة أن نميز في ( الحركة الأنسية ) لعصر النهضة تعابير لدلالات الحداثة, وبأن المجتمع الإنساني يستطيع التعلم ليفهم الطبيعة وقوة تأثيرها على الإنسان, وكذلك فهم طبيعة آلية عمل الكون ومقومات تشكيل حياتنا وأقدارنا الشخصية ومستقبل العالم.‏

إن التفكير الحداثي الذي أخذ يتشكل في عصر النهضة, بدأ يأخذ شكله كأنموذج واسع من التفكير في القرن الثامن عشر, وربما هذا التفكير خلق في بداية الأمر ذلك الصراع الذي دار ما بين القديم والحديث, أو ما يمكن تسميته بالصراع مابين ( الأصالة والمعاصرة ),هذا الصراع الذي سيطر على حياة أوربا الثقافية خلال القرن الثامن عشر, وكانت النقطة الأساسية فيه ( بالنسبة للذين عاشوا القرن الثامن عشر ), تدور حول إذا ما كانت الحداثة ( آنذاك ) أخلاقية وأرقى فنياً من القديم, ( الرومان والإغريق ). فالنقاشات حول هذا الموضوع قدمت فصلاً هاماً بين الاتجاهين, أصبح الأساس لسؤال الحداثة, حيث عبر هذه النقاشات الدائرة حول هذا التقسيم أو الفصل بين القديم والحديث راحت القوى التقليدية تدعم النقاش المؤيد لما هو قديم, والقوى الأكثر حداثة راحت هي أيضاً تدعم كل ما هو حديث.‏

في القرن الثامن عشر, (عصر التنوير) شهد هذا العصر في الحقيقة نمواً ثقافياً, آمن بالعقل مرشداً راقياً وأساسياً في شؤون المجتمع الإنساني, فمن خلال هذا العقل, أنجز التنوير, حيث أصبح الذهن التنويري محرراً من القيود والخرافة والجهل, الأمر الذي جعل كل ما هو مثير ومدهش وإبداعي مفتوحاً على المطلق في هذا العالم.‏

لقد كان التنوير حركة ثقافية, وكل الحوافز المباشرة أصبحت بالنسبة له تدعى ثورة علمية, فمع نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر عندما استطاع رجال أمثال غاليليو غاليلي ( Galileo Galilei ) وإسحاق نيوتن ( Isaac Newton ) تطبيق العقل في دراسة الطبيعة, واكتشاف حقائق علمية رائعة أضافت عبر اكتشافها حقائق علمية أخرى جديدة متعددة.‏

هذه الحقائق لم تكن في الواقع طافية بشكل واسع على سطح المعتقدات التقليدية, وعلى وجه الخصوص عند أولئك الذين تمسكوا بالكنيسة وتعاليمها ورفضوا الاعتراف - على سبيل المثال - أن الأرض تدور حول الشمس, في الوقت الذي أثبتت فيه الدراسات والتطبيقات العقلية صحة دورانها, وكان هذا الأمر يومها مدهشاً بشكل هائل.‏

إن العقل المنفتح لمفكر القرن الثامن عشر, اعتقد من الناحية العلمية بأن كل شيء يمكن إخضاعه للعقل, ومنها التقاليد والعادات والتاريخ و الفن, وأكثر من هذا أن هناك شعوراً بإمكانية تطبيق العقل في السياسة والعلاقات الاجتماعية, وذلك بغية تخفيف مشاكل المجتمع الإنساني السلبية وتحسين أوضاعه السياسية والاجتماعية. فمثل هذا النوع من التفكير حقق بشكل سريع زيادة في إمكانية خلق مجتمع جديد وفاضل أيضاً.‏

لاشك أن الحقيقة التي ساهم العقل في اكتشافها, شجعت كثيراً آنذاك على تحرير الناس من قيود الجهل وفساد وظلم رجال الكنيسة الذين غالباً ما عملوا على تكريس البنية الفكرية القديمة والتقليدية التي لعبت دوراً كبيراً في تكريس الجهل والتخلف والخرافة. فالإيمان بالحرية أصبح مركز اهتمام المجتمع الجديد, لذلك جاء التفكير العقلاني هنا ليقول: ( إن الحقيقة ستجعلك حراً ), وعبر الحقيقة والحرية, سيكون العالم أفضل مكان لعيش الإنسان.‏

إن مفكري القرن الثامن عشر التقدميين اعتقدوا أيضاً بأن الكثير من أبناء الجنس البشري قد تحسنت حياتهم مع انتشار الفكر التنويري وبدؤوا والوصول إلى الكثير من الحقائق التي غيبت قبل هذه الفترة. فمع امتلاك العقل والحقيقة لم يعد الفرد يرغب أن يظل تحت رحمة رجال الكنيسة, ولا حتى السلطات الدنيوية التي فرضت قوانينها الوضعية وراحت أيضاً تتحكم عبرها برقاب الناس.فمع الوصول إلى هذه الدرجة من التفكير الإنساني العقلاني يكون الاعتقاد بإنسانية الإنسان قد قطع شوطاً كبيراً في مضمار المجتمع الإنساني, وبذلك يكون المشهد التنويري الذي قدمه القرن الثامن عشرقد اقترح معطيات أساسية لبناء عالم جديد للإنسان.‏

في عام / 1763 / قدم جان جاك وروسو ( Jean-Jacques Rousseau ) ملامح مجتمع جديد كذلك للفرد عبر سؤاله عن طبيعة العقد الاجتماعي , فعبر إجابته عن هذا السؤال وضح ( روسو ) المعنى الحقيقي للمساواة بين الناس.‏

إن مثل هذه الإجابات عن الحرية والمساواة الاجتماعية, لم تطرح على المستوى النظري في كتب مفكري القرن الثامن عشر فحسب, بل راحت تتجسد هذه الأفكار أيضاً في تجربتين تاريخيتين على المستوى العملي العالمي, وقد حققتا انتصاراً تاريخياً للمجتمع الإنساني.‏

التجربة الأولى في أمريكا, التي تعهدت عبر الأفكار الجديدة الواردة في بيان الاستقلال العمل من أجل تأسيس مجتمع حديث للولايات المتحدة.‏

لقد مثل البيان الفكرة التنويرية التي تقول: ( نحن نتمسك بهذه الحقائق كي تكون بديهة ),وهي الفكرة التي استندت بدورها الفكرة التي تقول: ( إن كل الناس خلقوا متساوين ), فدلالات هذه العبارة تعكس بوضوح ذاك الاهتمام بسعادة ورفاه الإنسان في هذه الحياة, وهي رداً على الرؤية الكنسية التي تقول إن سعادة الإنسان تكون ما بعد الحياة, هذه هي فكرة الحرية بشكل أساس...الحرية التي أعلنت أن حقوق الإنسان غير قابلة للمساواة.‏

التجربة الثانية هي الثورة الفرنسية, ففي عام / 1789 / حاولت فرنسا عبر ثورتها الدموية أن تخلق مجتمعاً جديداً من قبل الرجال الثوريين الذين قادوا هذه الثورة, وقد احتشدوا يومها يصرخون منادين بالحرية والعدالة والمساواة.‏

ومن الضرورة بمكان أن نشير هنا إلى محاولة ثالثة تمثلت في ثورتها رؤى وأفكار التنوير مع بداية القرن العشرين, هي الثورة الروسية عام / 1905 /.‏

ثلاث محاولات ثورية رئيسة حاولت العمل على بناء مجتمع جديد تسوده العدالة والمساواة وفقاً لرؤى ومبادئ التنوير, إلا أنها فشلت في تحقيق ما هدفت إليه في مجال التطبيق العملي, وهذه تكون في الحقيقة من مثاليات التنوير الذي أسس نظرياً للحداثة عبر العديد من مستوياتها الفنية والسياسية والاجتماعية, وكذلك لحواملها الاجتماعية. لذلك من هنا ظل الهدف المربك للحداثة عبر كل مستوياتها هو دعوتها لإنتاج مجتمع أفضل لم يتحقق بعد, مثلما ظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا أيضاً هو: ما هي الوسائل التي يستطيع التنوير بها تحقيق هذا الهدف؟.‏

من خلال ما جئنا به تبين لنا معظم هذه المعطيات المتعلقة بمعتقدات القرن الثامن عشر التنويرية, والتي على ما يبدو أنها تهدف إلى تنوير العقل الذي يساعد بدوره على كشف الحقيقة, فالتنوير والحقيقة كلاهما نتاج آلية عمل العقل والتقدم الذين تحققا في سياق البحث عن المعرفة أولاً, إضافة إلى دور التعليم الذي ساعد على تحقيق المعرفة الفردية ووسائل كشفها ثانياً.‏

إن التطهر من الأفكار التقليدية المتحجرة للكنيسة, ومن الأيديولوجيا السياسية, يتحقق وفق رؤية التنوير بالانفتاح على العقل والتعليم, اللذين أوصلانا إلى الحقيقة أو علمانا كيف نصل إليها, إن التعلم نوّرنا وجعل منا مجتمعاً إنسانياً متقدماً, والشعب المتعلم والمتنور سيتمكن حتماً من صياغة قواعد مجتمعه الجديد المناسبة لقيمة الإنسان وإبداعاته.‏

إن مثل هذا الفهم الراقي عن التعليم ودوره في تقدم المجتمع, واعتباره أحد أسس التنوير, بقي أيضاً أساس التفكير الحداثي الغربي وقوة مفكري عصر التنوير, الذين يمثلهم هنا على سبيل المثال توماس جيفرسون ( Thomas Jefferson ) الذي كان شغوفاً في متابعة المعرفة, مدققاً وباحثاً عن الحقيقة عبرها, مخضعا كل ما تعلمه للتحليل العقلي.‏

إن ( جفرسون ) لم يكن مدركاً لثقافة التنوير فحسب, بل عمل وبنشاط أيضاً لترويجها بين صفوف المجتمع, لقد آمن ( جفرسون ) بأن البحث عن الحقيقة يجب أن يكون بعيداً عن التحيز, كما أكد على التمسك بموقف التنوير من الفكر الكنسي التقليدي, لذلك هو لم يدخل أفكار الكنيسة الضيقة في نطاق عمله الفكري, حيث شعر بضرورة إقصائها وعزلها ليس عن الدولة فحسب, بل وعن التعليم أيضاً.‏

لقد كان ( جفرسون ) شأنه شأن العديد من مفكري عصر التنوير, الذين شقوا طريقاً واضحاً للفن بوجه عام وفن العمارة على وجه الخصوص, فكلا الفنين استطاعا تقديم خدمات جليلة في مضمار العملية التعليمية التنويرية عبر تقديم أمثلة كثيرة عن خصائص هذه العملية والقيم المرتبطة بها لما لها من أهمية وضرورة في قيادة العقل التنويري.‏

يبدو أن ما تبقى من مثاليات في بنية المجتمع الأوربي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر, هي نماذج كانت تعود لعالم الإغريق والرومان القديم , ( أثينا – بريكليز), وكذلك للفترة ( الجمهورية ) في روما, وللتذكير لقد قدمت هذه النماذج المثالية المتبقية, أمثلة جميلة عن مبادئ الديمقراطية في الحكم, وعن أعمال البطولة والفضيلة والتضحية بالنفس وتكريس المدنية في حياة الناس وتصرفاتهم الوطنية.‏

بيد أن مسألة الصراع ما بين القديم والحديث تركت اعتقاداً سائداً عند بعض المفكرين يقر بأن العالم القديم قد أنجز نوعاً من الكمال للمجتمع الإنساني, وأن المثالية في الكثير من رؤاها جاءت في فهمها قريبة من فهم التنوير للحقيقة. فهذا جوهان وينكليلمان (Johann Winckelmann ) على سبيل المثال لاالحصر, كان مقتنعا بأن الفن ( الإغريقي ) كان كاملاً بمعظمه, وقد وجه الفنانين ليتمثلوا أبولو بيلفيدير ( Apollo Belvedere ).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244