|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
بدوي الجبل البلبل الغريب ـــ د.غالب سمعان امتازت إبداعات الشاعر العربي السوري محمد سليمان الأحمد (1903-1981) الذي غلب عليه لقب "بدوي الجبل" بالأسلوب الكلاسيكي المتين، والمضمون الصوفي، دون أن يكون هناك تنافر بينهما، فالتراكيب التي أتى بها، على توافق مع المعاني التي أراد إيصالها إلى القارئ، والواقع أن إقامة درجة متقدمة من التناغم بين الشكل والمضمون، ليست شأناً هيّناً في المراحل الانتقالية، التي تظهر فيها حركات أدبية جديدة، فمن الأدباء من كتب بأسلوب كلاسيكي قديم، وقدّم مضموناً رومانتيكياً، أخلاقياً أو صوفياً، ومنهم من طغت الرومانتيكية على إبداعاتهم، فاهتموا بالمضمون، بأكثر من اهتمامهم بالشكل، وفي كل الأحوال ليست الرومانتيكية على تنافر مع التكوين الصوفي، فالأدباء العرب من أمثال جبران خليل جبران (1883-1931) وعمر أبي ريشة (1910-1990) أدباء رومانتيكيون وصوفيون في الوقت ذاته، وربما أمكن اعتبار الصوفية أكثر أهمية في تكوينهم الجواني، وهذه الظاهرة أكثر جلاء لدى الشاعر بدوي الجبل الذي بدا أداؤه في أشعاره، أخلاقياً صوفياً، قبل أن يكون رومانتيكياً، أي أنه ليس ذلك الأديب الشاعر الذي تأثر بالأدباء الرومانتيكيين في أوروبة، على غرار الشاعرين المذكورين. وفي كل الأحوال يبدو الاعتقاد بالمبادئ الأخلاقية الصوفية قائماً في وجدان الشاعر، لدى تطرقه إلى شؤون حياتية متنوعة، كالحب والجمال والخيريّة والوطنية، وفي واحدة من أهم أشعاره التي نظمها خارج الوطن، وأهداها إلى حفيده "محمد" يعبّر تعبيراً موفقاً، عن مشاعره الوجدانية، ويبلغ الذروة في أدائه الشاعري. ومما يلفت النظر قبل أي شيء آخر، اعتقاده بالإيثارية، وبأن الطفولة تنطوي على البراءة والخيرية، وهو ما يعني أن الطبيعة البشرية في فطرتها، طبيعة خيّرة فاضلة: وهل دللت لي الغوطتان لبانة أحبّ من النعمى وأحلى وأعذبا وسيماً من الأطفال لولاه لم أخف على الشيب أن أنأى وأن أتغرّبا تدلّهت بالإيثار كهلاً ويافعاً فدللته جدا وأرضيته أبا وهذا الاعتبار يلتقي مع اعتقادات أدباء وشعراء مفكرين كالشاعر الإنكليزي الصوفي، ما قبل الرومانتيكي، وليم بليك William Blake (1757-1827) الذي اشتهر بديوانه (أغاني البراءة والخبرة) وفيها يجعل الطفولة تنطوي على الخيرية الشاملة. وكالمفكر الفرنسي جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau (1712-1778) الذي انطلق في طروحاته الفكرية من اعتقاد يرى الطبيعة البشرية خيّرة وبريئة، في حالة الفطرة، وفي الوقت الذي انحدر فيه باتجاه أداء حياتي غير أخلاقي، فإن الشاعر بدوي الجبل حافظ طوال حياته، على قدر رفيع من النظافة الداخلية، ولم يختبر صراعاً جوانياً بين الفضيلة والرذيلة، أو بين قيمتي الخير والشر، بالاحتداد الذي اختبره المفكر الفرنسي. ومما هو مأثور عن القديس أوغسطين Saint Augustine (354-430) اعتقاده بأن للأطفال رذائلهم، التي تتضمن قلة الصبر والجشع، والعناد والغيرة. وفي القصيدة المذكورة يبلغ الارتقاء الأخلاقي لدى الشاعر بدوي الجبل مكانة عالية، ويمنحه القدرة التامة على أن يكون إيثارياً، دون أن تخالط إيثاريته أية شائبة، وعلى الرغم من المعاناة التي استهدفت لها حياته، والتي تمثلت في اغترابه، وابتعاده عن أحبائه، وحنينه إلى وطنه، وأحزانه الناجمة عن غياب الحبيبة، فإن عواطفه لا تنقلب إلى انفعال طاغ أبداً. والمعروف عن الشاعر الإنكليزي الرومانتيكي وليم وردث وورث William Wordsworth (1770-1850) اعتقاده بأن الشعر الحقيقي إنما هو التدفق التلقائي للعواطف، التي تم اختزانها، والانطواء عليها، في حالة من الهدوء، وفي قصيدته المشهورة (لوسي جراي، أو العزلة) لا يكتفي بإبراز الخيرية والبراءة اللتين امتازت بهما هذه الطفلة الجميلة، بل يتجاوز هذا الاعتبار، ويجعلها تتصف بالإيثارية أيضاً، والواقع أن الفصل بين هذه الميزات الأخلاقية غير وارد، وهي ميزات على توافق فيما بينها. ومن ناحية أخرى، انتقل هذا الشاعر من اختبار الكيفيات البشرية الحسية، إلى الإتيان بالمبادئ الأخلاقية، التي اندفعت باتجاه نوع من الانتماءات الصوفية الروحية، التي أنشأها مع الطبيعة، وجمالياتها، وقدراتها الإيحائية والشفائية. ولعل قدرات الشاعر بدوي الجبل على استخلاص حالة الرضى والفرح، من أحزانه، المتأتية عن إصراره على آرائه ومواقفه المبدئية، دليل قوي على اتصافه بالعواطف والأخلاقيات النبيلة، وعدم وجود قابلية في قرارة نفسه، للنأي بذاته عنها، باتجاه نوعية من الانفعال المرفوضة. وعندما يتعلق الأمر بالحب، فإنه يحتفظ بعواطفه المتسامية، ويمنع خيالاته التي تستحضر صورة الحبيبة، ومفاتنها الحسية، من تجاوز الحدود، وهو ما يعني إبقاءه الحب في منزلة رفيعة، وصونه من الرغبات الحسية المعزولة عن أية اعتبارات وجدانية، أو أخلاقية متسامية. وفي هذا السياق يبدو الفارق كبيراً، عما يمكن للقارئ أن يلحظه لدى اطلاعه على أشعار الشاعر الإنكليزي الرومانتيكي جون كيتس John Keats (1795-1821) فعندما يتعلق الأمر بالحب، فإنه يدافع عن الرغبات الحسية، وعن ظاهرة الإغراء، ويوظف طاقة الخيال، من أجل استحضار المفاتن الحسية، ويطلب إلى قرائه أن يفعلوا كمثله، وربما كان اعترافه بالمتع شأناً مرغوباً فيه، فالأخلاقيات أيضاً، لا ينبغي لها أن تبدو كتعاليم صارمة أو متزمتة، أو مفروضة على اتباعها من خارج ذواتهم. ومن ناحية أخرى، عانى هذا الشاعر من أحزان بلغت درجة السوداوية، وأخفق في اجتنابها، أو في إقامة توازن بينها، وبين حالة الفرح، على أنه استطاع في قصيدته (أغنية إلى السوداوية) إحراز تقدم في كيفيات التعامل مع الحزن العظيم، وأدرك أن مواجهته عبر الانصراف إلى اجتناء المتع المتأتية عن المظاهر الطبيعية، وعن التنعم بالمتع الحسية مع الحبيبة، أجدى من تخديره، والاستسلام أمامه. وأكثر من هذا، فإنه أدرك أن الفرح الحقيقي، إنما هو حصيلة الانطواء على حزن أصيل، كذاك الذي أشار إليه بدوي الجبل في قصيدته. ومما يميز جون كيتس أيضاً، تطرقه ليس إلى ثنائية الفرح والترح فقط، بل وإلى ثنائية المتعة والألم، وهو شأن لا وجود له في قصيدة (البلبل الغريب). ويبقى بدوي الجبل ذلك الشاعر الذي أنشأ علاقة سليمة مع الواقع، وحافظ على كيانه باقتدار، فلم يعان اضطراباً أو تردداً، فيما ينبغي له القيام به. وفيما يتعلق بالوطن، واظب على إعلان ولائه وحبه له، على الرغم مما ألم به من أحزان، ناجمة عن فراقه، وهو يحتفظ في كل الأحوال، بكرامته، ويرفض حالة الذل، ويحتمل الألم الذي يعانيه، بصبر لا يتهاوى أبداً. ومما أورده الشاعر العربي المصري بدر توفيق في ديوانه (رماد العيون) وتحديداً في قصيدته "الوطن" إعلانه أن وطنه هو "الحق الوحيد" وفي هاتين الحالتين، يبدو بوضوح، تعلق الشاعرين بالمبادئ الأخلاقية، التي ينطوي عليها مفهوم الوطن أو الأمة، والتي تنتقل إلى أبنائها عن طريق التعاليم الأخلاقية المتسامية، التي يتم انتقالها من جيل إلى جيل، وهو ما يعني أن تكوينهما الأخلاقي، على توافق تام مع التكوين الأخلاقي الجمعي، الذي يمثله الوطن، بأعرافه، وتقييماته الأخلاقية: ولي وطن أكبرته عن ملامة وأغليه أن يدعى على الذنب مذنبا ومن حقه أن أحمل الجرح راضيا ومن حقه أن لا ألوم وأعتبا وثمة شأن بارز أيضاً في قصيدة بدوي الجبل، وهو تغنيه بالمظاهر الطبيعية الجميلة، واحتفاؤه بالظاهرة الحياتية، وثمة تعاقب زمني واضح في التصاوير البديعة التي يأتي بها، وشاعرية أصيلة تمكنه من إظهار قدرات الشعر على تجاوز فن التصوير، فيما يستطيع إدراكه، وهذه الحقيقة على توافق مع ما أعلنه الكاتب والمفكر الألماني جوتهولت ليسنغ Gotthold Lessing (1729-1781) في مؤلفه (اللاؤوكون) الذي بحث فيه إمكانيات الشعر وحدوده، وإمكانيات التصوير التي لا ينبغي له تجاوزها، وفق تقديراته. ومن ناحية أخرى لا تبدو في قصيدة بدوي الجبل أية تعارضات بين الجمالي والأخلاقي، والسبب في هذا، يعود إلى تجاوز الجمالي للرغبوية الحسية، وهو ما يقربه من الآراء التي أوردها الكاتب والمفكر الألماني الآخر فريدريك شيلر Friedrich Schiller (1759-1805) في كتابه (في التربية الجمالية للإنسان) عندما أعلن أن الكائن الجمالي الأصيل، أقدر على بلوغ منزلة أخلاقية روحية أرقى، وعلى إسعاد الآخرين، والظفر بالحرية. وبشكل عام يحتفي بدوي الجبل بالجمال احتفاءً عظيماً، يمكنه من إدراك مرتبة "الجلال" وهنا ربما سيكون بالإمكان اعتبار "الجلال" جمالاً تجاوز الحدود، وهو ما يعني عدم وجود تفرقة بين هذين المفهومين في قرارة نفسه: سحائب من شرق وغرب يلمّها من الريح راع أهوج العنف مغضبا أنخن على طول السماء وعرضها يزاحم منها المنكب الضخم منكبا فلم أدر هل أمّ السماء قطيعه من الغيم أم أمّ الخباء المطنبا وليس الأمر كذلك لدى التأمل في تصاوير أبي الطيب المتنبي (915-965) التي اتصفت بالجلال، بأكثر من اتصافها بالجمال، من الناحية المبدئية، وهو الشاعر الذي اهتم بالفخامة، والعظمة الأرستقراطية الأصيلة، وأخيراً عندما عاد من مصر، ووصف جماليات شعب بوان في إيران، فإن الحال بدت كما لو أنها تعني تراجعاً في طاقاته الإرادية، وهو ما أدركه الشاعر نفسه، وربما عنى له هذا الشيء الكثير، وكان مقدمة للأداء الذي قام به، وانتهى بمقتله. وهنا تبدو إمكانية التفرقة بين الجليل والجميل، إمكانية قائمة، وتبدو آراء المفكر الإنكليزي إدموند بيرك Edmund Burke (1729-1797) التي عرضها في كتابه (أصل الجليل والجميل) حول هذين المفهومين، والتفرقة التي أنشأها بينهما، مما يتوافق مع طبيعة الإبداع الشعري لدى أبي الطيب المتنبي، بأكثر مما يتوافق مع ما أتى به بدوي الجبل من إبداعات شعرية، اتصفت بالجمال، وارتكزت عليه كي تبلغ مرتبة الجلال. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |