|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
السلام في الوقت الضائع ـــ أ.د.حسين جمعة اسمح لي ـ عزيزي القارئ ـ قبل أن أتناول رؤية (السلام في الوقت الضائع) أن أذكّرك بمرور إحدى وأربعين سنة من السنوات العجاف على احتلال الكيان الصهيوني لتراب الجولان الحبيب من (5/ 6/ 1967م). فالجولان رمز مقدس لتعلق وجدان كل سوري وعربي به وبغيره من الأراضي العربية المحتلة... دون أن ننسى لحظة واحدة أولئك الأبطال الصابرين الصامدين على ترابه الطاهر وهم يقارعون كل صنوف الذل والقهر والهوان والجوع والقتل لتهجيرهم من أرضهم أو الاستسلام لمجموعة القوانين التي فرضها عليهم ليسلبهم أمنهم وحياتهم ولكنهم رفضوا تلك القوانين، وتشبثوا بأرضهم، ولم يرضوا عن هويتهم العربية السورية بدلاً، إذ ظلت عيونهم ترنو إلى حضن الوطن الأم... ما استكانت عزيمتهم لفرض ضريبة الدخل والمياه والطرقات والأراضي والمحاصيل الزراعية والمواشي و... وما دخل نفوسهم الخوف من إرهاب العدو الصهيوني وممارسته الوحشية قتلاً وأسراً، وتجويعاً و... ولا حرفتهم عن طريقهم أساليب الترغيب التي اصطنعها الكيان الصهيوني لاستمالتهم إلى صبواته وأهدافه الدنيئة... لقد آمن أبناء الجولان الغالي بأن شمس الحرية ستشرق على آفاقه مهما طال ليل الاحتلال الغاشم... ولم تكن القيادة الوطنية السورية أقل عزيمة ووعياً وصموداً أو تشبثاً بعودة الجولان إلى حضن الوطن... وهي التي حاولت في السادس من تشرين لعام (1973م) أن تنجز الوعد المحتوم... في الوقت الذي نادت فيه مرة بعد مرة إلى تحقيق السلام العادل والشامل مع الكيان الصهيوني وفق مبدأ (الأرض مقابل السلام) ومرجعية قرارات الشرعية الدولية، ولاسيما القرارين (242) و(338)... وقد أكد القائد الخالد (حافظ الأسد) يوم خاض العرب حرب تشرين قائلاً: "نحن دعاة سلام ونعمل من أجل السلام لشعبنا وكل الشعوب، وندافع اليوم من أجل أن نعيش بسلام". لهذا قبلت سورية بمؤتمر مدريد للسلام عام (1991م)، وظلت مصممة على هذا الأمر، وهي تؤمن بأن السلام ليس قضية للبيع والشراء... فمن يرغب في السلام ـ حقاً ـ ينبغي أن تكون لديه إرادة السلام، وعلى الغاصب للأرض أن يعيدها إلى أصحابها الشرعيين... من هنا كان لقاؤه (رحمه الله) مع الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلينتون) سنة (1994م) إذ أوضح له موقفه من عملية السلام العادل والشامل، وأن على أمريكا أن تقوم بدور الراعي النزيه وأن تضغط على الكيان الصهيوني لتحقيق السلام، لأنه لا يمكن أن يقوم على حساب الآخرين... علماً أنه (رحمه الله) صرح لمجلة (تايم الأمريكية) في مقابلة له قائلاً: "لن تجدوا في سورية واحداً يقبل بسلام يترك جزءاً من الأرض في يد إسرائيل"، "نريد كل شبر من الأرض"... ومن ثم مضت سورية بقيادة الرئيس بشار الأسد في هذا الاتجاه إلى التمسك بالثوابت الوطنية والقومية، ووافقت على مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في (27/ 3/ 2002م)... ومازالت حتى اليوم تبحث عن السلام العادل والشامل دون مواربة أو إخفاء: سلام لا يجري داخل الدهاليز والبيوت المعتمة؛ سلام يراه الناس جميعاً في ظل رعاية دولة محايدة مثل (تركيا)... لهذا تلقفت المبادرة الأخيرة لرئيس وزراء الكيان الصهيوني (إيهود أولمرت) وهي تعلم علم اليقين ما يواجهه أولمرت في الداخل الصهيوني باعتباره لم يعد قادراً على امتلاك البت في القضايا الكبرى إذ فقد بوصلة التوجيه الدقيق في أزمته الداخلية. وكذلك تدرك سورية أن قادة العدو الصهيوني ـ وفق التجارب العديدة ـ غير جادين في السلام؛ وما المبادرات التي يعرضونها على العالم إلا ذر للرماد في العيون وللتلاعب بعواطف العالم متذكرين وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ( كيسنجر) في هذا المقام حين صرح قائلاً: "عندما تكون إسرائيل قوية فإنها لا تحتاج السلام وتترفع عنه، وعندما تكون ضعيفة فإنها تخاف السلام ولا تتقدم نحوه" قيد أنملة وإن بادرت بالدعوة له... فدعوتها لا تكون إلا لشراء الفرص والانتقال إلى مساومة جديدة ترمي إلى أهداف ما من ورائها. فالكيان الصهيوني رفض مبادرة السلام العربية، ولم يلتزم بقرارات الشرعية الدولية ولم ينفذ قرارات مؤتمر مدريد، ولا اتفاقية (أوسلو) مع الفلسطينيين في (13/ 9/ 1993م) ولا خارطة الطريق التي اقترحها (إرئيل شارون) ولا قرارات مؤتمر (أنا بوليس) المنعقد بتاريخ (27/ 11/ 2007م)... وأعتقد أن القيادة السورية قد التقطت فحوى الرسالة التي تتضمنها مبادرة (أولمرت) وأدركت بوعيها السياسي والفكري والتاريخي أنها مبادرة لا تخرج عن صميم الكيد الصهيوني لإحراج سورية وإظهارها أمام الرأي العام العالمي بأنها لا ترغب في السلام... لهذا سارعت القيادة السورية لقبول المبادرة لإيمانها بالسلام العادل والشامل ـ حقاً ـ والتزامها باستعادة الجولان كاملاً وبانسحاب العدو إلى ما قبل (4/ 6/ 1967م)، وبقرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام. وقد أكد السيد الرئيس بشار الأسد ـ غير مرة ـ أن الكيان الصهيوني غير جاد في تحقيق السلام وقادته يلعبون على التناقضات المحلية والإقليمية والدولية لاستمرار احتلالهم للأراضي العربية، وأن أمريكا لا تمثل ـ في الوقت الراهن ـ الراعي الحقيقي للسلام، وليست مستعدة له، اللهم إذا تجاهلنا موقف جورج بوش من المفاوضات غير المباشرة بين سورية والكيان الصهيوني برعاية تركية والتي بدأت منذ بداية الشهر السادس في أنقرة، على الرغم من أن وزيرة خارجيته صرحت في بيروت يوم (10/ 6/ 2008م) بعدم معارضتها لهذه المفاوضات... وفي هذا المقام لا يفوتنا أن نذكر تصريح وزير خارجية إسبانيا (ميغيل إنخيل موراتينوس) الذي يوضح فيه أن أمريكا لم تعد الراعي الوحيد للسلام... ونرى أن (أولمرت) أقدم على مبادرته للسلام مع سورية في وقت أفول نجمه السياسي، فحلفاؤه في حزب (كاديما) انفضوا من حوله نتيجة اتهامه بالفساد والرشوة... وقد سقط في الامتحان أمام اعتراف رجل الأعمال الأمريكي اليهودي (تالانسكي) الذي قدَّم له المال إبان حملته الانتخابية، علماً أن (75%) من الصهاينة يشكّون في نظافته، فكل أفعاله مشبوهة. إذاً، أتاح له حلفاؤه الفرصة فما أفلح، فهرب إلى البحث عن سبيل للخروج من عنق الزجاجة، وطفق يلعب في الوقت الضائع لإنقاذ نفسه فوجد فرصته في طرح المبادرة في زمن سياسي لا أفق له، ثم راح يعرض مبادرة أخرى على لبنان، وقدَّم تنازلات ملموسة بشأن تبادل الأسرى مع (حزب الله)... وما ذلك كلّه إلا من أجل الاستمرار في الحكم ـ ولو إلى وقت ما ـ اللهم إذا لم يكن يريد اللعب بالمسار السوري لحساب أمور أخرى مثل فك التلازم النضالي بين سورية والمقاومة الوطنية في فلسطين ولبنان، أو فك التعاون الاستراتيجي بين سورية وإيران. فأولمرت يريد أن يرحل بأقل الخسائر، فلم يجد إلا سبيل السلام لتحسين صورته من خلاله، علماً أنه لم يكن يوماً من الأيام رجل سلام مهما تبجح بذلك؛ مثله مثل بقية أبناء جلدته الذين يرفضون الانسحاب من الجولان مقابل السلام؛ إذ عارض (60%) منهم مبادرته بإعادة الجولان إلى سورية، فضلاً عن أن (27) ألف مستوطن في الجولان في (44) مستوطنة يرفضون الانسحاب من الجولان ويمارسون ضغوطاً قوية على كل من يدعو إلى ذلك... ولو افترضنا ـ جدلاً ـ أنه يرغب في السلام، والوصول بالمفاوضات غير المباشرة إلى نهايتها فهل يمكنه الانتصار على قادة الصهاينة عسكريين وسياسيين ممن يرفضون مبادرته؟ فالجولان يمثل لديهم الحيز الأمني، في حين يرون فيه مركزاً استراتيجياً يتحكم بالإشراف على سورية ولبنان والأردن وفلسطين، كونه يعد القلب فيها؛ فضلاً عما تتميز به طبيعته الجغرافية من جبالٍ يرتفع بعضها إلى (2800م) فوق سطح البحر، وأودية سحيقة يصل بعضها إلى (212) م تحت سطح البحر... إذا نسينا غناه بالموارد والمياه و... لذلك كله فإننا نرى أن مبادرة أولمرت قد أتت في الوقت الضائع، ولن يكتب للمفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل برعاية تركية الاستمرار... ويؤيد ما نذهب إليه أن أولمرت لم يعد قادراً على مواجهة ضغوط حزبه، ما جعله يقر بإجراء انتخابات داخله، ويشير إلى بعض المقربين إليه كي يكون على رأس حزب (كاديما) الذي يرأسه (أولمرت) علماً أن (70%) من أوساط اليمين الصهيوني طالبوا باستقالته كما ذكرت صحيفة (إسرائيل هيوم)... وعليه فإن السلام أبعد ما يكون عن التحقيق، لأن أولمرت غير جاد فيه، وما طرح مبادرته له إلا للعب في الوقت الضائع، على حين كانت القيادة السورية مدركة لذلك وهي تتابع الكذاب حتى باب الدار لكشف أضاليله ونفاقه... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |