جريدة الاسبوع الادبي العدد 1108 تاريخ 21/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أهذا هو الشعر السوري في أواخر القرن العشرين؟ حول العدد (118) من «كتاب في جريدة» ـــ أ.د.عبده عبود

في استباق لما يمكن أن يوجَّه من نقد إلى «ديوان الشعر العربي في الربع الأخير من القرن العشرين ـ 9 ـ سوريا» الذي صدر حديثاً على شكل «كتاب في جريدة» (العدد 118، 4 حزيران 2008) ووُزّع على امتداد الوطن العربي، كتب الشاعر شوقي بغدادي الذي أعدّ هذا الكتاب وقدّمه: «ما من شك في أنها كانت مهمة شاقة، فسوريا حافلة بالشعراء، وفي حدود صفحات (كتاب في جريدة) يبدو أن إرضاء الجميع غاية لا تدرك، سوف يجد بعضهم أنّ إبداعاتهم لم يرد لها ذكر هنا، وهذا لا يعني بالتأكيد أنهم لا يستحقون الذكر». أما سبب ذلك فهو أنّ معدّ الكتاب لم يستطع أن يتصل بعدد من الشعراء، «أو أننا حصلنا على إنتاج بعضهم متأخّرين، أو لأنّ النموذج الذي وصلنا كان أضخم بكثير من المساحة المقررة له...»، وفقاً لما جاء في مقدمة الكتاب. وفي رأينا فإنّ هذا الردّ الاستباقي ينطلق من وعي غير معلن بأنّ ديوان الشعر السوري المعاصر الذي أعدّه الشاعر شوقي بغدادي وقدّمه ينطوي على إشكالية كبيرة، تتلخص في أنّ هذا الإصدار يفتقر إلى سمة جوهرية هي أن تتمثّل فيه مختلف التيارات الشعرية الموجودة في الشعر العربي السوري المعاصر. وهذه الإشكالية لا يمكن أنّ يُكتفى بإرجاعها إلى صعوبة الاتصال بالشعراء، أو إلى تأخر الحصول على إنتاجهم الشعري، أو إلى ضخامة النموذج المُرسل، علماً بأننا لا ننكر أهمية هذه الأسباب ومدى ما ينجم عنها من إرباك. إن هذه الأسباب، على أهميتها، لا تكفي لتبرير ما ينطوي عليه كتاب «ديوان الشعر العربي في الربع الأخير من القرن العشرين ـ سوريا» من ثغرات ومشكلات.‏

أمّا السبب الأهمّ من تلك الأسباب الإجرائية فإنه يتعلق بالشاعر شوقي بغدادي نفسه، الذي ظُلم وحُمّل فوق طاقته عندما أُسندت إليه مهمة إعداد هذا الكتاب. فشوقي بغدادي شاعر كبير، له مواقفه وتوجّهاته الفنية والجمالية والفكرية المتعلقة بالشعر العربي السوري المعاصر، ولا يجوز للمرء أن يتوقع منه أن يكون محايداً في هذا الشأن. ومع أننا لا نشكّ في حسن اطلاع شوقي بغدادي على المشهد الشعري المعاصر في سورية، فإننا نرى أنّ إحاطته بذلك المشهد ليست كاملة ولا دقيقة. وهذا أمر غير مستغرب، فالمتابعة الدقيقة والرصد الشامل ليسا من اختصاص شاعر كشوقي بغدادي ولا من مهمّاته، بل من مهمّات النقّاد والباحثين. تلك حقيقة اتضحت من خلال مسألتين هما: اختيار النصوص الشعرية، أي الإعداد، والمقدمة التي زوّد المعدّ بها تلك النصوص. فاختيار النصوص غير معلّل ولا يستند إلى أية منهجية. أمّا المقدمة فقد تضمّنت أحكاماً نقدية إجمالية، من مثل قول المؤلّف عن أغلب شعراء التفعيلة: «لا بدّ أن نلاحظ هذا الإفراط في الغنائية التي تصل أحياناً إلى حدّ الغرق في الميوعة الرومانسية(؟!!) والوقوع في مطبّات مناخ (تقليديّ) جديد من التشابه والتماثل في المستويات عامة دون اختراق يذكر». وقوله عن شعراء قصيدة النثر «ما عدا القليل منهم ـ تغلب على كتاباتهم المجانية أو التذاكي والثرثرة الذهنية»(؟!!)، وقوله عن الشعراء العموديين: «ما نزال نشكو معهم من الابتذال والاجترار والجزالة الفارغة لدى معظمهم»(!!!). لا أدري كيف سوّغ الأستاذ شوقي بغدادي لنفسه أحكاماً نقدية إجمالية شديدة القسوة على التيارات الفنية الرئيسية السائدة في الشعر السوري المعاصر. إنّ أحكاماً كهذه لا يمكن أن تصدر عن ناقد أدبي، لأن الناقد يرى في الوصف والفهم والتحليل جلّ مهمته، ناهيك عن أنّ أحكاماً نقدية كتلك التي وردت في مقدمة شوقي بغدادي للعدد (118) من «كتاب في جريدة» تشكّل حكم إعدام على معظم الشعر العربي السوري المعاصر، ولو أقدم ناقد على إطلاق أحكام كهذه لتحدّث الناس عن مجزرة نقدية.‏

حاولت أن أتبيّن القواعد أو المبادئ أو الاعتبارات التي انطلق منها أو استرشد بها الشاعر شوقي بغدادي عندما قام باختيار النصوص الشعرية التي يتضمنها الكتاب، ويؤسفني القول إني لم أتبين أي مبدأ أو اعتبار أو قاعدة: لا النوع الاجتماعي، ولا الجيل، ولا الموضوعات، ولا الاتجاه الفني، ولا الاتجاه الفكري... وهذا ما جعلني أستنتج أنّ نصوص هذا الكتاب قد أُوردت بصورة عشوائية، بلا ضابط أو ناظم، وهذا يتعارض مع دور المعدّ الذي ندب الأستاذ شوقي بغدادي نفسه لأدائه.‏

عموماً يمكن القول إنّ العدد (118) من «كتاب في جريدة» لم يقدّم للقرّاء العرب في أقطارهم المختلفة صورة موضوعية وواقعية ودقيقة عن المشهد الشعري المعاصر في سورية، باتجاهاته الفنية والجمالية والفكرية المختلفة، بل قدّم لهم كومة من النصوص التي لا يربطها رابط، وقد غابت عنها أسماء كثيرة وكبيرة وأساسية نمتنع عن إيرادها تجنباً للحرج، وبذلك ضاعت فرصة ثمينة لتقديم الشعر العربي السوري المعاصر لقطاع واسع من الرأي العام العربي، وهذا أمر مؤسف جداً. إنّ العدد (118) من «كتاب في جريدة» الذي أعده وقدّمه الأستاذ شوقي بغدادي لم يقدّم الشعر العربي السوري في الربع الأخير من القرن العشرين بالصورة اللائقة والمناسبة التي يستحقّها هذا الشعر. نقول ذلك على الرغم مما نكنّه للشاعر شوقي بغدادي من مودّة وتقدير، فصديقك من صدقك، والاختلاف لا يفسد للودّ قضيّة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244