جريدة الاسبوع الادبي العدد 1108 تاريخ 21/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشاعر خضر الحمصي يقول في حوار قبل رحيله ـــ حوار: هشام عدرة

ـ مطالعتي لكثير من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي وما لحقهم من عهود وأسباب أخرى جعلتني أفضل الشعر على غيره من الفنون الأدبية الأخرى.‏

ـ لو لم يوجد الشعر الأندلسي لما كان هناك تجديد أو تطور في الشعر العربي‏

****‏

رحل في منتصف شهر أيار الحالي الشاعر «خضر الحمصي» عضو اتحاد الكتاب العرب، وصاحب التجربة الشعرية التي تمتد لحوالي نصف قرن من الزمن. وقبل رحيله كان الحوار التالي الذي أجريته معه، حيث تحدث فيه عن تجربته الشعرية، وسبب اختياره القصيدة الكلاسيكية عن سواها، وسبب حبّه اللامحدود لدمشق والتراث الشعري العربي، وتحدث عن مجموعاته الشعرية التي أصدرها، وأسباب البعد الزمني الكبير بين إصداره لأول مجموعة في عام 1955 ومن ثم المجموعات التالية التي وصل عددها لحوالي سبع مجموعات شعرية مع كتابين نقديين صدروا عن اتحاد الكتاب العرب.‏

في حوار ما قبل الرحيل يجيب الشاعر الراحل «خضر الحمصي» قائلاً:‏

* قد يبدو سؤالي تقليدياً، ولكني أود أن أسألك إياه كسؤال أول، خاصة وأنك مقل في حواراتك الصحفية كثيراً..‏

كيف تكونت لديك ملكة الشعر، وما هي المحفزات التي جعلتك تختار الشعر ويختارك الشعر عن غيره من الفنون الأدبية؟‏

** بدأت هواية الشعر لدي في الخمسينيات وعلى التحديد منذ عام 1953، كنت أقرأ وأطالع كثيراً من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي وما لحقهم من عهود، وأحفظ الكثير للشعراء العظام، وكنت أرى في هذه المطالعة متنفساً لضيق الصدر والنفس آنذاك، وكانت تغمرني الرغبة الكاملة لأن أقرأ أشعار الفخر والغزل والقوة مما جعلني أفضل الشعر على غيره من الفنون الأخرى وحيث يمتزج الإلقاء وقوة الشعر وتتحد فيهما نفسي أمام الجماهير وفي المظاهرات والمسيرات فأرى أن ذلك طموحاً يفرز فيَّ الرغبة لأن أنظم أو أقرض الشعر وأنا في سن مبكرة، أما الفنون الأخرى فليس لي فيها سوى الاستمتاع بما أراه من مناظر خلابة تجذبني إليها الألوان فقط. أذكر عندما كنت مدرساً كنت أُحفِّظ الطلاب قصائد لعمالقة الشعر كالمتنبي وأبو فراس وأبو تمام وغيرهم وأنا بدوري وجدت أن أقصر الطرق للحفظ هي التي ذكرت، أما الحوافز فهي حب الطموح والرغبة في قول الشعر وتحريك المشاعر لأن قلب الإنسان يتعامل بالشعور اللا إرادي عندما يجد أن الهواية المطلوبة مدفوع إليها من إحساسه العميق بأنها الأفضل، وهنا تكون النتيجة حاصلاً بين الجمع بين الفكر والإحساس فيكون التفاعل صحيحاً وعندها تتحقق الرغبة وتصبح الهواية احترافاً.‏

* يلاحظ أنك تنتمي إلى تيار الشعر العمودي وهناك إصرار على ذلك من قبلك على الرغم مما يقال عن تحول القصيدة العمودية حالياً إلى قصيدة أفقية لا تجديد فيها.. ما رأيك بذلك؟ وهل تعتبر نفسك مجدداً في القصيدة العمودية؟‏

** أستاذ هشام: لو لم يوجد الشعر الأندلسي لما كان هناك تجديد أو تطور في الشعر العربي ولبقي كما كان عبارة عن قصائد تقال في مدح الأمير والناقة والصحراء والبكاء على الأطلال وغير ذلك ولكن عندما دخلت الرومانسية إلى الشعر انقلب الشعراء وتغيرت المفاهيم الأدبية كلها واتجهوا جميعاً إلى الشيء الحسي الواقعي. علماً أن البعض منهم قد حذا حذو الشعراء القدامى بالمديح، فقد عزز الوصف والحب وحب الطبيعة وجمالها فيهم هذه الواقعية فانتقلوا بقلوبهم وعقولهم إلى التجلي العميق وأصبحت مشاعرهم تدفعهم نحو التطور المعقول.‏

ومثال ذلك أنهم انتقلوا من وصف الناقة إلى النهر إلى الجبل إلى الأطيار والأشجار إلى الطبيعة كاملة فجاء شعرهم مجدداً نزعوا منه مفرداته التي كانت شبه غريبة وغير مفهومة وسمي شعرهم بالسهل الممتنع كما يقول النقاد، وأنا مقتنع بعظمة القصيدة الكلاسيكية، وبسحر بيانها وبحورها وموسيقاها ورويها ولن تكون في يوم من الأيام قصيدة أفقية أو سطحية لقد طالها التجديد والإبداع كما في شعر نزار قباني وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة وعلي محمود طه وغيرهم من الشعراء. وشوقي مثلاً في مسرحياته الرائعة وهو تطور مع بقاء الأصالة على المدى البعيد وأنا من هؤلاء عندما أصف دمشق وغوطتها وأزهارها وياسمينها وشوارعها المطرزة بعبق الفل والنسرين وذلك بقصائد عمودية وأعتبر نفسي مجدداً ولو كره الحاسدون.‏

* التقيت مرة بالشاعر اليمني عبد الله البردوني ـ في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وقال لي ما معناه أن قصيدة التفعيلة وريث شرعي لقصيدة العمود ما رأيك بذلك؟ وما رأيك بقصيدة التفعيلة كنمط شعري قائم حالياً؟‏

** أنا لا أفرق بين القصيدة العمودية وبين قصيدة التفعيلة لأنها فعلاً وريثتها ومشتقة من بحر معين وأؤيد الشاعر الراحل البردوني بما قال لأن فيها من ميزان [العمود ـ البحر ـ الصور ـ الموسيقى ـ ونسيجها الشعري] لا يختلف إلا بانعزالها عن كمال البحر وزرقته الرائعة أو أمواجه المتدفقة.‏

* أضاف البردوني في حواري معه قائلاً: إن قصيدة النثر وريث شرعي لقصيدة التفعيلة فما رأيك هنا وما رأيك بقصيدة النثر عموداً؟‏

** إني أختلف بالرأي مع البردوني فقصيدة النثر ليست وريثاً شرعياً لقصيدة التفعيلة فهي نسيج خاص قائم بذاته ورأيي أن قصيدة النثر هي روضة عطرة خاصة لا تعجب إلاّ غارسها ولا يفتخر بها أو بوشيها بالمطلوب إلاّ صاحبها أما الإعجاب فهذا ذوق المشاهد للروضة أو السامع للقصيدة الندية ومهما كانت الاعتراضات عليها فإن قصيدة النثر هي قصيدة منثورة كحبّات اللؤلؤ إذا انفرط عقدها يجب لم شتاته لتكون جميلة بالمعنى الصحيح.‏

* نعود لتجربتك من الملاحظ للمتتبع لها، الفارق الزمني في إصدار مجموعاتك الشعرية خاصة بين الأولى وما تلاها من إصدارات؟‏

** سأوضح لك السبب حول هذا السؤال.. الحياة بصعوبتها تفرض على المرء قيوداً ثقيلة ويجب الخلاص من هذه القيود (ولو دخلنا في الخصوصيات) ونزعها والتغلب عليها وذلك لدوام الحياة بشكلها الأفضل هذه واحدة، والثانية العمل الدؤوب لإنعاش الأسرة، أما الثالثة فالمادة وهي الأساس ونحن في عصر يتكالب فيه الناس للدخول في مجال الثراء الفاحش.‏

* ألا ترى أنك لو أصدرت مجموعاتك الشعرية متواصلة بفارق زمني بسيط كان أفضل لموقعك الشعري في خارطة شعراء سورية وأين تضع نفسك حالياً بالنسبة للشعراء السوريين؟‏

** هذا السؤال ملحق إعلامي للسؤال السابق، فأنا لم أنقطع يوماً عن نظم الشعر أو نشره وكما قلت في الجواب السابق لم أستطع إصدار مجموعة شعرية على نفقتي سوى المجموعة الأولى أما الثانية فقد أصدرتها الإدارة السياسية في الجيش والقوات المسلحة والمجموعة الثالثة بمساعدة بعض الأصدقاء، ومن ثم أصدرت المجموعات الأخرى من خلال اتحاد الكتاب العرب. أما إن كان من الأفضل نشرهم تباعاً بفارق زمني بسيط فهذا صحيح لكنه لا يغير شيئاً من كوني شاعر. وبدوري لن أكون أنانياً لأقول بأنني في الموقع الأول من الشعراء في سورية، ولكنني شاعراً من هؤلاء الشعراء في هذا الوطن وعلى الأدباء والنقاد أن يعطوا حكمهم عليه وهذا هو الصواب ولا أعتبر هذا من (حسن التخلص) فهذا رأيي أنا بالذات.‏

* على ذكر النقاد، ما رأيك بالنقد الأدبي حالياً في الوطن العربي وخاصة نقد الشعر وهل الشعر متفوق على النقد أم العكس؟‏

** أستاذ هشام تريدني أن أدخل في متابعات النقد لتوقعني في ورطة أجهل ما تسبب لي من حقد لدى النقاد؟!..‏

أنا أعتبر أنه ليس هناك نقد بالمعنى الصحيح، هناك نقاد إما أنهم متعاطفون مع الشاعر أو حاملون عليه حيث لا يوجد نقد أصيل واقعي وقليل من النقاد الذين خلت مشاعرهم من التطرف فأصبحوا حياديين لا ينحازون لأي تيار يجذبهم إلى التصريح والقول بما لا يريدون والشعر لا يعلو عليه فن من الفنون فهو فنٌ قائمٌ بذاته يتفوق على النقد تفوقاً ملحوظاً من حيث النسج والصور والموسيقى والروي لأن النقد يخلو من كل هذه الإشارات الجميلة.‏

* ما هي المواضيع التي تتناولها في قصائدك الشعرية وإلى أي مدى حققت طموحك في إيصال ما تريد إلى جمهور الشعر؟‏

** لم أترك موضوعاً قومياً أو أدبياً أو وطنياً إلاّ وتناولته، فقد كتبت كثيراً عن ثورة آذار وعن حرب تشرين التحريرية وعن نيسان ووصفت بردى والغوطة والربوة وشوارع دمشق ومكتب عنبر وكتبت للحب والرثاء وألقيت القصائد في أمسيات شعرية كثيرة وفي حفلات التكريم الخاصة وقد أعتبر نفسي أنني قد حققت بعض الطموحات بإيصال هذا الشعر إلى الجماهير المذكورة.‏

* يلاحظ إصرارك على الكتابة لدمشق ما هو السبب وبماذا تومي دمشق للشعراء؟‏

** دمشق منذ سكنتها قبل نصف قرن وهي تشكل وحياً لي صباح ومساء أرى نفسي في غوطتها وربوتها وفي أزقتها وحاراتها.. كل شيء فيها أثر في مشاعري وكانت محوراً لشعري ونفاذاً لإلهامي هذا كله عدا عن ذكرياتي السابقة التي لا تفارقني صورها فهي جاثمة في عيني إلى الأبد.‏

* هل تريد أن تقول شيئاً قبل نهاية الحوار معك؟‏

** أتمنى أن تزول رواسب التفرقة الأدبية بين الشعراء والأدباء، وأن يبلغ الأديب والشاعر مستوى الإبداع الكامل في كل ما يخطه قلمه وأن يزين ملكوته الشعري بوسام الحب والإخلاص لأدبه وحبّه لأمته وأسرته ولكل شيء جميل!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244