جريدة الاسبوع الادبي العدد 1108 تاريخ 21/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عذاب الشعر (في تأبين الشاعر نصر علي سعيد) ـــ رضا رجب

أنا الأعمى أمِ الأعمى الزَّمان؟ ولكنْ ليس للمُضني مكانُ‏

كنتُ أريدُ أن أكتفيَ بالشطر الأول، فقد أفرغت فيه كل ما يجبُ أن يُقالَ، ولكنني مسكونٌ بهندسة البيتِ العربي الذي يُعاني ما تعانيه أيها الشاعر المتعب الغريب!‏

برسمِ من تريدُ أن أضعَ هذا السُّؤال؟‏

هل تريد أن أهدهدَ جراحَكَ مستعيراً بيتَ الشاعر نزار قبّاني في طه حسين؟‏

ارمِ نظَّارتيكَ ما أنتَ أعمى إنّما نحنُ جوقةُ العميانِ‏

المطلوبُ أن يرمي الآخرون نظَّاراتهم ليروك، وهذا ما لم يفعلوه ولن يفعلوه.‏

إن العزفَ على الجراح بأوتارٍ من الملح والنار مهنةُ الشُّعراء، والكتابة عذابٌ لا يتوقّف إلا بتوقُّف القلب، وها قد فعل.‏

الحبُّ أعمى، ولكنّ الحقدَ والبغضاء مبصران.‏

للشاعر بساطتُه وعيناهُ الخافتتان، وللجشع والظلم والمرارة عينا زرقاءِ اليمامة.‏

للشاعر رفيفُ أجنحة النسر وللآخرين قرع الطبول الجوفاء.‏

لهم أن يشعلوا ملايين الشموع وللآخرين أن يلعنوا الظلام على استحياءٍ ولا مبالاة. وماذا بعد؟!‏

نحن الذين لا ندري أنقعُ على الشعر أم يقعُ الشعر علينا؟ يطاردنا فنطاردُ به العالم، وهنا تكمن مأساة الشعراء.‏

ننامُ ملءَ جفوننا عن شوارده، والآخرون يختصمون على اقتسامِ أشلائنا وتوزيع تركاتنا التي لا تتعدى محبرةٌ وقلماً وأوراقاً متناثرة.‏

يقرؤون بين السُّطور ليمعنوا في إدانةِ عصافيرِ الأمل التي ترفرفُ على شرفاتِ قصائدنا.. وماذا بعد؟‏

لقد حاول نصر علي سعيد بإلحاحٍ أن يفتحَ نوافذَ لا متناهيةً في الزمانِ والمكان، غزيراً كالمطر وسريعاً كالرِّيح وصابراً كالأنبياء.‏

كان إصراره على البقاءِ كبيراً، مقتنعاً أن الماءَ الرّاكدَ خلوٌ من العذوبة، يُثيرُ كراهيةَ العابرين وهو يتحوَّل إلى طَمْيٍ آسنٍ، وعليه أن يتدفق باستمرار ليجذب إليه عطاشَ الأرواحِ، وكان مقتنعاً أن الإلحاحَ هو الحلُّ الوحيدُ لإثبات الذاتِ، فركبَ هذه المعادلة المفخّخة، وأخذ يطاردُ العالمَ بقصائده، وهم يفسحون لها المجالَ مرغمين لتمرَّ كزوبعةٍ، لم يكونوا مؤمنين أو عارفين أن نصفها على الأقلِّ عطرٌ ومطرٌ وعذاب.‏

لم يُرزقْ عزوفَ المعرِّي عن الدّنيا، فتعبَ، ولم يفلحْ في صنعِ جسرٍ يوصلُ إلى الراحة الكبرى قولةَ أبي تمام، وكان عارفاً أن الشكوى وخزٌ في القلبِ، ولكنه لم يُرزقْ عناد المتنبي إذ يقولُ:‏

ولا تشكَّ إلى خلْقٍ فتشمتَهُ‏

شكوى الجريحِ إلى الغربانِ والرَّخَمِ‏

لماذا تساءل ما إذا كان الزّمانُ أعمى؟‏

لا أدري ما إذا كان نصر علي سعيد توهّم أن صقيعَ العالم يمكن أن يذوِّبه الشعر، وأن شقاء العالم يمكن أن يداويه الشعر؟ وإلا فلماذا هذا الإلحاح كلُّه؟‏

هل كان مقايضةٌ لرغيفِ الخبز بقصيدة الشعر؟ وهل كان عليه أن يرهقَ القلبَ بصناعة قصيدةٍ لا تكفي ثمناً لعلبة دواء؟ هل كان لديه وقتٌ لشراء طاقة وردٍ بمكافأة قصيدة ليهديها لامرأةٍ أحبّها أو لطفلٍ دهسه سائق سيارةٍ طائش أو لعاشقٍ مجنون؟؟‏

ما هذا الانشطار المرهقُ الذي لا يحسُّ به أحدٌ؟ ربما نكون مقتنعين جميعاً بأن العذابَ موهبةٌ كغيره من المواهب التي اختصَّ اللهُ بها بعضاً من عباده؟‏

ما من شاعرٍ ـ فيما أعتقد ـ إلا وفي داخله رغبةٌ ملحَّةٌ لرسم العالم بألوانٍ غير متنافرة، وما من شاعرٍ إلا وفي داخله نبعٌ يريد أن يفيضَ على رمالِ العالمِ نخيلاً وطيوراً وأسرابَ ظباءٍ، تاركاً مهمّة توزيع الذئاب والأشواك والوحوش الكاسرة لغيره.‏

الشاعر يريد أن يسكب في الآذان زقزقة العصافير لا فحيحَ الأفاعي والشاعرُ يعبدُ التماثيلَ التي ينحتُها بيده، ويحتقر العبودية في آن.‏

له مجدُه الخاص وحماقُته الجميلة، وحميّةٌ تفوق سرعة الضوء.‏

كان نصر علي سعيد واحداً من أولئك الذين يقتلعون أشواكهم بأيديهم، أدواته قريحةٌ فيَّاضةٌ وعاطفةٌ نبيلةٌ وبساطةٌ مفرطة وقدرة عجيبةٌ على التحمُّل، واهماً أن قلوبَ البشر ما تزالُ تحتفظ بواحاتٍ للحبِّ والخير والإحساس بمرارة العُشَّاق والمغنِّين.‏

واليومَ... ونحن نضعُ إكليل زهرٍ وشعرٍ على قبرك الثَّاوي في مدينة الشعر ومملكة الأحلام وعاصمة الفقراء والمتعبين هل تريدُ أن تسأل مرَّةً أخرى: أنا الأعمى أمِ الأعمى الزَّمانُ؟‏

سؤالُكَ أضعُه هذه المرّة برسمِ سلميّة التي أحببتَها بولهِ وجنونِ واستكانة لصدِّها ومجدها... وغنَّيت لها وفيها..‏

وأضعُه برسمِ أولئك الذين ما يزالون قادرين على الإصغاء لسماع الأصواتِ الملأى بالدِّفءِ وشرف الانتماء...‏

نصر علي سعيد..‏

الرحيل.. رحيل الشاعر عبورٌ هادئٌ من الصّمتِ إلى الضجيج.‏

فعليك السلام حيّاً ومَيْتاً أيها الشاعر الخالد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244