جريدة الاسبوع الادبي العدد 1108 تاريخ 21/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحفّار.. والغربة مونودراما مسرحية في فصل واحد ـــ عرض الدكتور: غالب خلايلي

ـ المؤلف: د. يوسف حطيني‏

ـ عدد الصفحات 63 مناصفة بين الفصحى والعامية‏

ـ مطبعة اليازجي ـ دمشق 2007‏

الحفّار والغربة، هو أحدث عمل أدبي للأديب متعدّد المواهب الدكتور يوسف حطيني، فهو القاص والشاعر والناقد صاحب الرؤية، وهو أيضاً صاحب القضية، التي لابد أن تشعر بها من الأسطر الأولى في أي عمل تقرؤه له. ولا عجب في ذلك، فهو ابن النكبة الأولى، الفلسطيني الذي لم ير وطنه، إذ ولد مثل كثيرين غيره في أحد المخيمات، فكان حنينُه إلى وطنه الجريح أضعاف غيره، بما يملكه من إحساس مرهف، استطاع أن يوظّفه في العالم الأرقى: عالم الأدب.‏

وفي مسرحيته ـ موضوع حديثنا ـ نرى الهم الوطني واضحاً في شخصية فلسطيني لاجئ اسمه (أبو أيوب الطبراني) عاش وحيداً وغريباً نصف قرن، حيث ارتزق من مهنةٍ تخيف أغلب الناس، ألا وهي مهنة حفر القبور، ومن خلال معاناة هذا اللاجئ الكادح، ينقل لنا حطيني معاناةَ شعب لاجئٍ بأكمله، وكذا آمالَه وطموحاته، وتمسّكَه بالأرض حتى الرمق الأخير.. تشعر بذلك بدءاً من الإهداء (إلى القابضين على جمر الذاكرة)، وحتى وفاة أبي أيوب وابنه الشاب مصطفى متأثراً بأحداث الانتفاضة، وإحساسه بالعجز عن تقديم أي عونٍ حقيقي.‏

يقول الأديب يوسف حطيني في مقدمته الموجزة معلّلاً استخدام العامية إلى جانب النص الفصيح: «لعلّه (أبو أيوب الطبراني) نفسه الذي يشغل خشبة المسرح وحيداً من أول المسرحية إلى آخرها، ويحاول أن يقرأ المأساة الفلسطينية برؤية حفار القبور البسيط، من خلال بحثه عن بيت وسقف وشجرة وقبر، تساوي في مجموعها وطناً بحجم الجرح...» ويضيف ما معناه أن ما يحاول (أبو أيوب) أن يقوله هو ما نوّد أن قوله جميعاً.‏

المسرحيّة:‏

تتألف المسرحية من فصل واحد، بطلها الوحيد حفار القبور (أبو أيوب الطبراني)، ذو الثياب الرثة واللحية البيضاء الطويلة والشعر الأشعث الطويل، والذي يحمل بيده منكاشاً، في مقبرة أحد المخيمات الفلسطينية.‏

يبدأ أبو أيوب عمله مع أذان الفجر، وتظهر على المسرح مقبرة فيها أربعة قبور، وعلى أحد هذه القبور إبريق ماء وحافظة شاي وكأسان ومذياع قديم، وفي المقدمة حفرتان لقبرين إحداهما منتهية، والثانية قيد الإنجاز.‏

ومن خلال حديث أبي أيوب مع نفسه ومع الجمهور، يمر شريط الذكريات بسرعة، بدءاً من الحياة في موطنه طبرية، حيث الأرض الطرية المعطاء الحنون، وحيث والد أبي أيوب حفار القبور أيضاً، ومروراً بالنكبة القاسية، والعيش في المخيم، من خلال المهنة ذاتها، إذ لم يجد الأب ما يورثه لابنه ـ مع إلحاح الحاجة ـ سواها، فكانت مصدر رزقه الوحيد، على ما فيها من هم كبير، ليس أوله صلابة الأرض التي يحفرها، ولا قَدَره في أن يرتزق من هذه المهنة المخيفة للناس لاسيما الأطفال، فنراه يصمم على أن يكون ابنه مصطفى مهندساً قدّ الدنيا (التي اختزلها الفلسطينيون في مخيم)، غير أن القدر يعاكسه هذه المرة أيضاً، بوفاة ابنه الذي يخبرنا عنه طيلة الوقت بأنه أصيب بمرض غريب، وهو (أي الأب) ينتظر أن يموت شخص ما كي يحصل على المال اللازم من أجل علاج ولده، ثم من أجل تدبير مستلزماته الجامعية.‏

هذا ولا تخلو المسرحية من مفارقات ساخرة مضحكة، مع أن جوها هو جو الموت وحفر القبور.‏

أحداث المسرحية:‏

تبدأ الأحداث بالحفر، ثم يستريح الحفار، إذ يتذكر ولده مصطفى، فيندم على تركه غاضباً مريضاً، ويقول: «أنا لم أزعجه بشيء، هو الذي صار يضرب رأسه بالجدار، كان علي أن أنتظره هذا الصباح حتى يستيقظ، فأطمئن عليه.‏

ولكن ماذا أستطيع أن أفعل؟ لقد استدعاني العمل».‏

بعدئذ يتذكر السيدة المسنة (أم علي العايش) فيقول بلهجة ساخرة: «لم تموتي حتى كدت تخرجين روحي من جسدي. أنت مريضة منذ خمس عشرة سنة، وأنا أدعو أن يأخذك الله إلى جواره. أنت لا تريدين أن نأكل حلاوة وجبناً وزيتوناً على حسابك. كلنا نعرف أنك تخبئين كثيراً من النقود، أين ستذهب نقود المرحوم؟ هل يمكن أن تكوني قد تصرّفت بها؟ مستحيل فأولادك يعيشون نكد الحياة».‏

ويتذكر أبو أيوب والده بعد النكبة يوم أخذه لحفر القبور فيخبره أن الأرض كالصوان، خلاف أرض موطنه. كان يحدّثه عنها وكأنه يحدثه عن امرأة يحبها، حتى لتغار أمه منها‏

«أرض طبرية يا بني مثل المرأة الحنون، تحبّ أهلها.. أرض طبرية تحضن الأموات وتحنو عليهم.. كنتُ أنكش خمس نكشات أو ستّ، وينتهي حفر القبر.. أما هنا، فكما ترى: الأرض لا قلب لها».‏

ويقر أبو أيوب أن صنعته لعينة، ولن يوّرثها لابنه، حتى لا يسرق بسمة أولاده من دموع الناس، ولهذا تحملّ برد الشتاء وحرّ الصيف حتى يصير مهندساً. غير أن ولده تغير كثيراً منذ اشتعلت الانتفاضة، وها هو ذا يتحدث على لسانه: «الناس يموتون.. بيوتهم تتهدم، والجرّافات تقلع الشجر، والدبابات تقلع الأخضر واليابس. ونحن ماذا نفعل؟ نتفرج؟ نبكي؟».‏

وفي موقع آخر يقول: «بنت عمرها أربعة أشهر تموت قبل أن تتعوّد طعم حليب أمّها.. يهدمون سبعين بيتاً في ليلة، ثم بعد ذلك كلّه يقولون عنّا: إرهابيون، أليس ذلك عجيباً يا أبي؟؟ ابقَ أنت في حفر القبور فذلك أحسن ما تستطيع فعله».‏

يقول الولد ذلك مع أنه لم ير فلسطين، ما يؤكد أن الأبناء يتوارثون حب الوطن، حتى ولو لم يروه.‏

وكما يفخر كل أب بولده، يفخر أبو أيوب، فهو يقر أنه ليس أنيقاً (حيث أن الأناقة ليست من لوازم عمله)، ولكن «يكفي أن مصطفى يمشط شعره، وأنّ كل بنات المخيّم يتمنّيْنَ نظرةً من عينيه»، وهنا يظهر هم كبير آخر طالما عانى أبو أيوب منه، وهو تغيّر الناس في الغربة، واختلاف مقاماتهم، تبعاً لأمور كثيرة، فهو لا يعرف كيف يطلب (خديجة) بنت المختار الجميلة لولده الذي يحبها، والمختار ـ كما يرى شخص سيئ، بدليل قوله: «الله يعلم، يدي أنظف من يده وأطهر، ولكن الكلب يغلق دكان المخترة كلما دخلت من رأس الحارة، ألا يكفي أن الأولاد الصغار يهربون مني.. ترى هل يتذكر المختار أنك مهندس، وينسى أن أباك حفار قبور؟» وكذا قوله في موقع آخر: «اللقمة ذل.. اللقمة تجعل النشميَّ نذلاً، وتجعل النذل سبع السباع. هذا المختار الكلب كان شحاذاً ابن شحاذ، غير أنه حين باع طحين الإعاشة والسردين، وباع كرامتنا وأكل حقنا صار مختاراً. قبل ذلك كان اسمه حماد أبو مخطة. لعنك الله أيتها الغربة، سمحت للسكير أن يصبح أبو الجماجم، وسمحت لأبو مخطة أن يصبح مختاراً».‏

وكما يسخر أبو أيوب من المختار، نراه يسخر من الذين يسيؤون إلى فلسطين، بتصرفاتهم القبيحة، وبتمسكهم بالقشور، كما هي حال أبي الجماجم الذي يضع شالاً على كتفه، فيما أهان أبو أيوب إهانة كبيرة يوم أحضر شهيداً، فيقول وهو يبكي: آخ يا وطن، كنت جائعاً، ولم يكن لدي طعام، ولكن هذا شهيد. النذل الذي أحضر جماعته عند دفن الشهيد رمى عليّ النقود كأني راقصة. واحد منهم بصق عليّ وقال لي: «أبو الجماجم يحبّ فلسطين أكثر منك ومن الذين خلّفوك»؟ ولكني لم أسكت، قلت له: «حب فلسطين ليس شالاً تعلقه على رقبتك.. حب فلسطين ليس بزة تلبسها في الصباح وتخلعها في المساء.. حب فلسطين هنا في الداخل (القلب)».‏

إن أبا أيوب يسخر من كل شيء، من مهنته الصعبة إذ يقول: «كنت أحلم أن أشتغل في عمل آخر.. ولكن والدي، يرحمه الله، لم يعطني فرصة.. قال لي: ترث صنعة أجدادك أحسن لك وأهون عليك، هذه صنعة لها عمل دائم ومستمر، والمنافسون فيها قليلون، دائماً يوجد موت.. ودائماً توجد حفر»، كما يسخر من الغلاء وفقدان بعض الأغذية بقوله: «تعرفون تلك الأيام حين كان حفر ثلاثة قبور لا يكفي لشراء نصف كيلو من الموز»، ويسخر أيضاً من ظاهرة التهريب حين يسأل أبا علي في قبره، وقد تعطر بعطر طيب الرائحة، في انتظار أم علي: «نعيماً أبا علي، ما هذه الرائحة الطيبة.. من أين أتيت بهذا العطر الفاخر.. هل وصل التهريب إلى هنا؟؟».‏

هذا ولا يقصر أبو أيوب حتى في السخرية من نفسه فيقول حين استخدمت صورته للتخويف: «صيت غنى ولا صيت فقر. أبو صبحي الكلب سرق صورتي في يوم عرسه، قال لنفسه: بدلاً من أن أخيف زوجتي بقطة سوداء..»، أو حين يتمنى موت شخص ما كي يفك ضائقته: «كم ستكون كريماً معي يا أبا محمود إذا فعلتها اليوم، لأنني سأضرب عصفورين بحجر واحد، سأشتري لمصطفى أقلاماً ودفاتر، وسآخذه إلى الطبيب»، أو حين يقول: «النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأعمال بالنيات، ونحن نقول «إنما الأعمال بالميّات». ولما كان بعض الناس لا يعطونه حقه، فقد تعلّم كيف يحصل عليه: «علّمني أبو جابر ألا أترك المقبرة إلا بعد أن آخذ أجري، صرتُ أختار وقتاً أسميه «ساعة الصفر» كما يفعلون في الجيش. نعم، أليست الحياة معركة؟ المهم.. عندما يصطف آل الميت حتى يتقبلوا العزاء، أذهب لأكبر أهل البيت سنّاً أو قدراً ثم أقول له: «ناولني»؟‏

وهكذا تتوالى المواقف الساخرة، فيسخر من أولئك الذين ينتقدون عودته مباشرةً من المقبرة إلى بيته أو إلى بائع الحلويات، ويتساءل: «إلى أين سأعود إذاً»، كما يسخر من الذين ينتقدون تدخينه في المقبرة، فيقول لمنتقده الذي يدخن علبتي دخان يومياً في شغله في الورشة: وأنا مثلك.. أدخن في شغلي»، ويسخر من حاجته المادية المرتبطة بموت الآخرين، فحين يمرض ولده، ويطول أمد توقفه عن العمل، يذهب إلى (أبي تامر) ليستدين منه، لكن الأخير يسأله ساخراً: ومتى تنوي أن تسددها إن شاء الله؟ فيرد: الله يفرجها، وأردها لك»، فإذا بأبي تامر يمسكه من عنقه ويقول: متى سيفرجها الله عليك؟ عندما يموت أحد من أقاربي؟ أم أنك تريد أن ترد لي الدين على شكل قبر تحفره لي؟ قم وانقلع من هنا».‏

إن هذه السخرية المرة تعكس ألماً كبيراً دفيناً في صدر أبي أيوب الطبراني، الذي لا ينسى لحظةً مآسي الشعب الفلسطيني، فيقول: العالم بلا قانون فعلاً، كله يتفرج، لكن الشباب فيهم الخير، وقفوا في جنين مثلما وقفوا في غيرها، كان لديهم عدد من البنادق، وكمية قليلة من الذخيرة، ولكنهم صمدوا ثمانية أيام، جيوش بحالها لم تصمد ثمانية أيام».‏

ومع كل الآلام يرى أن شعبه جدير بالحياة، فنراه يخاطب ابنه: «لا يهمك يا بني.. سأقيم لك عرساً لم ير المخيم شبيهاً له، هل تظن أننا لا نستحق الفرح؟ غلطان يا أبا عدنان.. نحن يجب أن نفرح.. يجب أن نعيش»، فيما يؤكد على خبرٍ سمعه ليلة أحد الأعياد، جعله يفهم أشياء كثيرة لم يكن قادراً على فهمها، فأهل غزة يعيشون على حد السيف، بين قتل وتشريد وهدم بيوت، وفي ليلة العيد ذهب أهلها ليشتروا أغراضاً من أجل أن يصنعوا كعك العيد.‏

ويؤكد أبو أيوب أنه مثل البسطاء كلهم، لا يفهم الكلمات الكبيرة: دولة.. وحرية.. واستقلال.. فكل ما يريده هو بيت هناك، بيت له سقف وجدران وباب، كما يريد شجرة وقبراً.. فلا تقتلع الجرافات البيت والشجرة؛ لأن الشجرة تحمي القبر من الشمس. إن أبا أيوب لا ينسى لحظة طبرية، حتى ليرى أن الموت هناك ذو طعم آخر، كما أخبره أبوه، فأبو العبد شاهين عندما مات كان مسروراً، كان يعرف أنه سيدفن في فلسطين، كان يعرف أن الشيخ محمد بطاطا سيقرأ عليه آيات من القرآن الكريم.‏

ولا يخفي أبو أيوب فرحته بتمكّن مقاوم من تفجير نفسه داخل حافلة عسكرية في حيفا، فنراه يهزج:‏

«حيّوا انتفاضة شعب.. حيّوا ثرى الأوطان.. حيّوا السماء والأرض.. حيّوا روابيها.. هبّ انتفض والزّحِفْ.. كالسيل كالبركانْ.. يرمي العدا بالشظى.. والنار يصليها.. حيّوا عناتا ورفح.. مع غزّة الشطآن.. حيوا بلاطة القُدس.. حيّوا سواقيها».‏

لكن أمنية أبي أيوب في أن يموت ويدفن في ثرى فلسطين، لا تتحقق مع الأسف، حيث ينكسر منكاشه أثناء حفر أحد القبور، ويرى في ذلك فألاً سيئاً، ومثلما توفيت أخته مريم ذات يومٍ سيئ الفأل، توفي ابنه مصطفى قهراً، ليدفنه غريباً، ثم يقع فوقه..‏

ويسدل الستار، فيما يصدر صوت يقول:‏

«أنا أبو خليل الحيفاوي.. أخبرني أبا أيوب الذي سقط فوق قبر ابنه أن أرض المنفى تعتصره وتطحن عظامه، لذلك أوصاني أن أقول لكم أن تفعلوا ما تستطيعون، من أجل أن تنقلوا عظامه وعظام أبيه وأولاده إلى هناك، وطلب مني أيضاً أن أنصحكم أن تبحثوا جميعاً عن قبور مريحة هناك».‏

خاتمة:‏

تبين المسرحية بلغة بسيطة ومباشرة حب الفلسطيني لوطنه، سواء أولد في فلسطين، أم ولد خارجها، ويؤكد رغبته في أن يحتضن تراب فلسطين رفاته، إن لم تكتحل عيناه برؤيتها في حياته، وكم في ذلك من الحب العميق للوطن.‏

إن الكاتب يؤكد لنا ـ على الرغم من الظروف السيئة ـ استمرارية الأمل، ولو مات الولد، من خلال حفار قبور جديد استلم الراية من (أبي أيوب)، كما يؤكد أنه وإن عزّت الحياة الكريمة على اللاجئ، فليس أقل من التفكير بميتة كريمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244