|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الهارب.. قصة قصيرة ـــ سهيل الشّعار نبح الكلب الأسود الكبير. ثم ركض نحو شخص يترّنح فوق إسفلت الشارع.. كان الوقت قد تجاوز الواحدة ليلاً. والريح تهب بعنف وقوة، محاولة إسقاط آخر أوراق الأشجار، وحدها الأوراق الطرية ظلّت قوّية متماسكة، على الرغم من هبوب الريح وشراستها، أما اليابسة فقد كانت تسقط واحدة بعد الأخرى. ظنّ الرجل أن الكلب سوف يعرفه إذا اقترب منه وتشّمم رائحته، وربما سيغيّر رأيه ولن يعضه، لكن الكلب يبدو أنه كان مصرّاً على عض لحم رشدي ونهشه حتى العظم، فأطلق رشدي العنان لقدميه.. وحين بدأ يلهث رشدي ويتنفّس بصعوبة توقف عن الركض، استدار وانحنى ليلتقط حجراً من الأرض، وعلى بعد خطوات قليلة وقف الكلب واستعدّ للمواجهة. قال رشدي: ألم تعرفني؟! حدّق الكلب بالرجل، وراح يصدر صوتاً ينمّ عن تذمر وغضب. ـ أنا رشدي.. كل كلاب الحارة تعرفني وتهابني.. امض في طريقك وإلا كسرت أسنانك! مضت لحظات.. رفع رشدي يده وقذف الكلب بالحجر فلم يصبه، عندها هجم الكلب نحوه بقوة، لكن رشدي عاد ليعدو من جديد.. قال بينه وبين نفسه: أن أهرب خير من أن أخسر رصاصة على كلب أجرب. كانت غلطة، حين ركض رشدي أمام الكلب، فالكلاب أكثرها يتصرف بالجبن والخنوع، لكنها تجرؤ على أن تطارد كل من يهرب أمامها. كان رشدي من أنبل وأشد رجال الحارة قوة وبأساً.. في الخامسة والثلاثين ويعيش في دوامة من اليأس والقنوط بعد أن تركته زوجته وهربت في ليلة مات قمرها، وابتلعت السماء نجومها، لم يبحث عن زوجته، كما أنه رفض الإجابة عن أسئلة كثيرة واجهته. رشدي يتذّكر الآن (وهو يركض) أنه أطلق النار على كلب ابن الجيران منذ مدة طويلة، ثم حمل جثة الكلب ودفنها في مكان بعيد عن القرية، ومنذ ذلك اليوم وصورة الكلب لا تفارقه. وربما جاء هذا اليوم لكي ينال جزاءه عن تلك الجريمة. شعر رشدي باقتراب الكلب منه، لهاثه يُسمع خلفه تماماً، وبحركة مفاجأة انبطح رشدي على الأرض ثم سحب مسدسه وأطلق النار على رأس الكلب، فتلوّى هذا الأخير من الألم ثم سقط جثة هامدة. نهض رشدي، قال وهو ينفض الغبار عن ثيابه: لو أن الرصاصة تصلح مرة ثانية لسحبتها من رأسك؟ بصق على الكلب، وتابع ترنّحه فوق الشارع.. لكنه ذُعر فجأة، والتفت إلى الوراء.. كانت عشرات الكلاب تركض نحوه وهي تنبح طالبة الثأر لرفيقها المقتول.. كانت غلطة.. لام رشدي نفسه وعنّفها بقسوة. كان من المفروض أن يواجه ذاك الكلب ويصرعه منذ البداية، أما الآن فقد فات الأوان، وتغيّر الوضع، رشدي لا يملك إلا ثلاث رصاصات في مسدسه والكلاب بالعشرات.. بل بالمئات.. ها هي تنبح مرة أخرى.. مزمجرة.. وتتدافع نحوه غاضبة! هرب رشدي من جديد.. لكن الكلاب كانت أسرع منه.. في دقائق قليلة كان ينزف ويتألم ويصرخ طالباً النجدة والخلاص... إن الرجل مهما كان قوياً، تستطيع ثلاثة كلاب أن تنهش لحمه وتهزمه بسهولة.. أطلق رشدي النار فلم تصب الرصاصات الهدف.. وعادت الكلاب قوية هذه المرة، أقوى من ذي قبل، قفزت على ظهر رشدي ورمته، وبدأت أسنانها تنهش لحمه.. زحف رشدي نحو النهر، ولكي لا يموت هذه الميتة الشنيعة رمى بنفسه هناك... في الصباح الباكر، وجد بعض المتسولين جثة رجل تطفو فوق النهر مع العلب الفارغة وأكياس النايلون.. وفي الجهة الأخرى.. هناك عند حافة النهر الطويل كانت الكلاب تقفز فرحة وهي تهزّ أذيالها، وتنبح نباحاً ينمّ عن التشفي والسرور.. متمنيّة في داخلها أن يركض الرجال أمامها دائماً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |