جريدة الاسبوع الادبي العدد 1108 تاريخ 21/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في ندوة (اقرأ وارتق) دور الفن في الرقي الاجتماعي ـــ أمينة عباس

حاتم علي: لم أسمع أن فناً أحدث انقلاباً.‏

خالد الصالح: السينما المصرية غذت الجمهور بغذاء فاسد.‏

محمود سعيد: من يملك المال قادر على التغيير.‏

فؤاد حميرة: ضرورة التحرر من سيطرة شركات الخليج.‏

جيانا عيد: لا وسيلة أفضل من الفن لإعلاء كل فكرة.‏

هل استطاع الفن عموماً والمرئي خصوصاً أن يضطلع بالدور المالي والمعرفي والثقافي الراقي؟ وهل يعتبر الفن عموماً والمرئي خصوصاً أداة تغيير؟ وهل أصبح المتلقي لدينا يجيد قراءة النص المرئي ويمتلك زمام الأمور وآليات التلقي؟ وماذا يصنع في مواجهة الهجمة المبتذلة والصراعات الفنية التي تستهلك روح المتلقي وذائقته؟ أسئلة كبيرة جداً طرحتها الفنانة جيانا عيد في الندوة التي جاءت ضمن فعاليات البرنامج الفكري الثقافي الإعلامي «إقرأ وارتقِ» الذي أقيم بالتعاون مع العديد من الشخصيات الثقافية والفكرية والإعلامية في سورية وقد شارك في هذه الندوة التي حملت عنوان «دور الفن في الرقي الاجتماعي» المخرج الكبير حاتم علي والكاتب فؤاد حميرة والممثلان: محمود سعيد (فلسطيني) و خالد الصالح (مصري).‏

«يجب أن لا نحمل الفن فوق طاقته» حاتم علي‏

وصف المخرج حاتم علي الأسئلة المطروحة بأنها تحمل شعارات كثيرة وكبيرة، وطالب بأن لا نحمل الفن أكثر من طاقته لأن الفن تعبير عن المجتمع نفسه، وهو ليس منفصلاً عنه لا ثقافياً ولا حضارياً، من هنا رأى أن انتشار الأمية في مجتمعنا والمصاعب الحياتية والضائقات التي يتعرض لها إنما تلعب دوراً كبيراً في ماهية الفن المقدم، ومن هنا فسر لماذا يقدم المشتغلون في عالم الفن أعمالاً يتوقعون لها النجاح فلا تنجح.‏

أما «أن يكون الفن أداة تغيير»: فيقول المخرج حاتم علي بصراحته المعهودة: «لم أسمع أن فناً أحدث انقلاباً ما، وهو لا يفعل ذلك ولا يمكن أن يتحول الفن إلى أداة تغيير في مجتمعنا لأن المتلقي بكل بساطة لا يجيد قراءة النص المرئي، والجمهور فئة غير قارئة، وطبيعة الفن أصلاً لا تسمح له بذلك»، ولأن حاتم علي يؤمن أن الفن هو إنتاج جماعي ينتمي لمجتمع وهو ليس متشائماً إلا أنه أوضح أن الفن لا يستطيع أن يفعل الشيء الكثير في مواجهة الابتذال لأن الحل برأيه يكمن في أماكن أخرى وليس عند الفن ولا يضع اللوم على المؤسسات والشركات التي تريد أن تربح باعتبارها عند البعض سبب المفاسد بل يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في المستهلك «الجمهور» وهنا أكد على ضرورة أن نخلق بدائل لتثقيف وتوعية هذا الجمهور مثل تشجيع القراءة وكل ما من شأنه الارتقاء بذائقته وبالتالي الارتقاء بالمجتمع... أما هل أصبح الفن كنص مرئي بديلاً عن الكتاب يشير علي إلى أن الكتاب يجب أن يكون مصدراً للمعرفة لأن الفن وجهات نظر فيه تسلية ومتعة وبالتالي لا يمكن اعتباره مصدراً حقيقياً للمعرفة ولكنه مع هذا يأسف لأنه في بلادنا تحول النص المرئي لبديل عن قراءة الكتاب والكارثة أنه أصبح بديلاً عن قراءة الكتاب المدرسي وهذا كما يؤكد سببه عدم إيلاء عادة القراءة الأهمية الكبرى، وختم علي حديثه باعترافه بأنه ليس من الميالين لتحميل الفن أدواراً لا يتحملها وليس ميالاً للمبالغة في إمكانية إحداث الفن لانقلابات لأن الفن ما هو إلا تعبير وانعكاس لمستوى المجتمع الذي فيه، وعندما استغرب بعض الجمهور هذه الطروحات لعلي ومن أن الفن يلعب دوراً هاماً جداً ردَّ أنه قدم التغريبة الفلسطينية التي حققت نجاحاً عربياً لا مثيل له ولكنه لم يحرر فلسطين بها ثم أشار إلى أن بلادنا هي البلاد الوحيدة في العالم التي يحدث بينها وبين العمل الجيد تضاد وقطيعة.‏

الفن لا يطير بجناح واحد‏

ويتفق الفنان المصري خالد الصالح ـ بطل فيلم «هي فوضى» الذي يعرض حالياً في السينما العربية وهو من إخراج يوسف شاهين مع المخرج حاتم علي حيث رأى أننا فعلاً نظلم الفن حينما نحمله كل هذه المسؤوليات والأدوار لأنه مجرد جزء من الحالة العامة للمجتمع مع قناعته بأنه جزء نابض وعليه مهام كثيرة ولم ينكر الصالح بأن الفن قام بأدوار كثيرة ومهمة وخاصة الدور الكبير الذي يقوم به التلفزيون في حياة مجتمعنا الذي يعاني الأمية التي سمحت للناس الذين لا يقرؤون بالالتفاف أكثر حول شاشة التلفزيون ومن ناحية أخرى يعود ليؤكد أن الأزمة المجتمعية العامة ستؤثر بشكل أو بآخر على قدرة الفن في أن يدافع أو يجابه أو يدين أمراً ما، من هنا يرى أن الفن لا يستطيع أن يطير بجناح واحد حيث لا يمكن أن نطلب منه الارتقاء بمجتمع غير مرتق. وفي الوقت نفسه رأى الصالح أن الفن يمكن أن يقوم بدوره في منتهى الذكاء وأشار هنا إلى فيلمه «هي فوضى» وهو من الأفلام التي غيرت الكثير من المعايير وأحدث تغييراً وأتى بإيرادات عظيمة وذكر الجمهور بأفلام مثل «أريد حلاً» الذي غير في القانون وخاطب بذكاء أفكار الجمهور وغيره من الأفلام. رغم اعترافه أنه تفاجأ من الإيرادات الهائلة التي تحققها الأفلام التافهة والتي نادراً ما تحققها الأفلام الجادة فأتى فيلم «هي فوضى» ليحقق معادلة صعبة التحقيق في مجتمعنا وهي معادلة تقوم على فيلم جيد وإيرادات كبيرة فأشار إلى أن السينما المصرية غذت المشاهد منذ الثمانينات بغذاء فاسد وعندما أتى من يقدم سينما جميلة وصحيحة رفضها لذلك دعا إلى إعادة صياغة العلاقة بين السينما والمتلقي.‏

وحول الصراعات الفنية التي تستهلك روح المتلقي لا ينكر الصالح وجودها ما بين شركات الإنتاج ويعتقد أن ذلك أمر طبيعي وهنا يأتي دور الفنان نفسه، ماذا يريد وما هي أهدافه العامة والخاصة، فأشار إلى أن السيناريوهات التي تقدم له كثيرة وعليه أن يختار ما يناسبه وهنا يكمن دوره لأنه لا يستطيع أن يوقف تلك الصراعات وبالتالي يتلخص دوره في إيصال رسالة دوره وهنا تنتهي مهمته كفنان أما مهمة التغيير مني باعتقاده من مسؤولية جهات أخرى. وقد دعا الصالح إلى ضرورة الاهتمام بالفن الجيد فهي لم يعد هناك من يحتفي به في وقتنا الحاضر.‏

مهمة الفن خدمة المجتمع‏

كما رأى الفنان محمود سعيد أن المجتمع هو موضوع الفن، والفن هو الذي يجسد الجمال، وشبّه الفن الحقيقي بالزوجة الحنون والفن الزائف بالمومس «والقول لتولستوي» وأشار إلى أن الفن ما هو إلا جسر بين المجتمع والكون وهو الذي يجعل حياة الناس جميلة وبالتالي فإن مهمة الفن في خدمة المجتمع ولكن يبقى التنفيذ خارجاً عن صلاحياته كما تحدث سعيد عن أهمية حرية الفن ليستطيع أن يسهم بدوره في الارتقاء وهذا برأيه لا يحدث في ظل الرقابة المزاجية، ولم ينس أن يحمل وسائل الإعلام مسؤولية تدهور مستوى الثقافة وتساءل من يملك الـ500 قناة فضائية معظمها فضائيات لا تقدم إلا الفن الهابط، وأوضح هنا أن من يملكون هذه الوسائل هم الذين يساهمون في التغيير السلبي وبالتالي يؤكد أن الفنان لا يغير وأن من يملك المال هو القادر على التغيير وإيصال الرسالة التي يريدها وبالتالي هناك برامج توصل رسالتها لا رسالة المثقفين. وفي اتجاه آخر يوضح سعيد أنه قارئ ممتاز للكتاب ويفسر ذلك ربما بسبب جهله بالتكنولوجيا التي حلت محل الكتاب ويرى أنه في مجتمع تنتشر فيه الأمية كمجتمعنا من الطبيعي أن يرتبط الناس بما يقدمه التلفزيون الذي يفرض نفسه بكل هذا الظرف فيجمع العائلة حوله.‏

كيف أرتقي بالفن في مجتمع تنجح فيه دراما التسلية‏

في حين كشف الكاتب فؤاد حميرة عن الأخطاء الكثيرة داخل العملية الفنية والمشكلات التي تعاني منها وهي بحاجة لحلول لكي يقوم الفن بدوره في الارتقاء بالمجتمع فأشار إلى ضرورة التحرر من سيطرة الشركات الخليجية المسيطرة على الدراما السورية والتي تفرض شروطها وما تريده وقال: للأسف أن الدراما السورية في معظمها تقوم على تحقيق لمطالب الخليجيين لأنهم يدفعون المال وأنا كاتب أبيع نصوصي لمن يدفع وفي سورية لا يدفعون والجوع كافر، وتساءل كيف يمكن أن أرتقي بالفن في مجتمع كل ما يقدم فيه فن دراما تسلية مصيرها النجاح؟! وعاد ليكرر أن من يمتلك المال يمتلك الثقافة والتغيير والمثقف الجائع موضة قديمة لذلك رأى ضرورة أن نتحدث عن أولويات المبدعين التي يجب أن تتوفر لهم ليكونوا قادرين على التأثير، وذكر التأثير الكبير لنانسي عجرم وهيفاء وهبي حيث أكد أن وراءهما مثقفين كباراً تنهال عليهم الأموال لتسويق الفن الهابط لأن الجمهور استساغ ما تقدمانه.‏

لذلك رأى حميرة أن المجتمع هو الذي يرقي الفن، وليس العكس وذكر أن هتلر غير ملامح ألمانيا كلها ولم يكن فناناً والمطلوب برأيه وهو ما اتفق عليه الجميع في أن لا نحمل الفن أكثر من مهمة وتساءل ماذا يفعل الفن في مجتمع أصبح فيه مسلسل كباب الحارة من أفضل المسلسلات رغم أنه يكرس الأمية ومؤشر للأمية التي تعم مجتمعنا العربي.‏

الفن نوع من التنفس الروحي‏

واللافت للانتباه في هذه الندوة الدور الذي قامت به الفنانة جيانا عيد التي لم تكتف بدور مديرة الندوة بل كان لها مشاركة فعالة في إدارتها والمشاركة فيها فهي في البداية أعربت عن إعجابها بعنوان الفعالية «اقرأ وارتق» وهو عنوان يتخذ روح الدعوة في ظل طرحها للعديد من الأسئلة فتساءلت عيد من وحي هذا العنوان: هل القراءة في قرننا الجديد هذا هي نفسها في القرون السابقة بمعنى هل اختلف مفهوم القراءة والارتقاء في عصرنا عن المفهوم التقليدي بل ما هو المطلوب من القراءة الآن وكيف يجب أن تكون لتحقق الارتقاء المطلوب، وتساءلت لماذا يجلس المتلقي لساعات المشاهدة ما يعرض على الأجهزة المرئية ولا يستطيع الثبات على قراءة مادة مكتوبة فهل هو خلل في المكتوب أم جذب في المرئي وختمت تساؤلاتها: حل هذه الدعوة ستؤدي إلى الارتقاء الحتمي لكل من يقرأ وهل ستصل بالمتلقي إلى أن يكون مشاركاً في فعل الارتقاء وقد تخلى عن سلبيته وقد عدت المبدعين الفنانين المنتدين وكان لهم لإبداعاتهم وقراءاتهم الفنية المصطفاة في الفن المرئي الدور الكبير في الارتقاء الاجتماعي: كما أكدت عيد في مداخلتها على أن الفن عامل أساسي في الإنسان أفراداً وجماعات فيه يصرح الإنسان عن أعماقه ويغدو أكثر فهماً لذاته وأوعى، وبه يصبح العالم أوضح وترى أن الفن هو نوع من التنفس الروحي الذي يشبه التنفس الطبيعي الذي لا غنى عنه لجسدنا والإنسان كما تشير تواق إلى أن يختبر ويُقدر بواعث أعماله ولكن ما نفع أن يعرف إذا لم يؤثر على ما هو كائن وعلى ما سيكون كي يصوغ الحاضر والمستقبل وتؤكد أنه لكي يتحقق له ذلك يقتضي أن يميز بين الجيد والذميم وبين ما هو جميل وما هو دميم وهذا ما يسمى بالمعرفة الواعية وتعتقد هنا أن لا شيء أفضل من العمل الفني وسيلة للدخول إلى أعماق الإنسان وذهنه وخلق الحلم الذي يدفع الإنسان إلى الارتقاء وتحري الجودة ولا وسيلة برأيها أفضل من الفن لإعلاء كل فكرة إلى مستوى الجودة والفعل الراقي لخلق الجمال لأن الجمال والارتقاء برأيها جناحان للفن يحلق بهما حيث يريد واستوقفني هنا كثيراً ما قدمت به ضيوف الندوة وخاصة المخرج حاتم علي حيث قالت: من كان في قمة كقمة الجولان لا يقبل أن يكون إلا قمة في عطائه ومن جاء من جنة من جنان الله على الأرض لا يمكن أن يكون إلا جميلاً يتحفنا بين فترة وأخرى بتحفة فنية مكرساً عمق امتداده من أعلى قمة في سورية إلى كل الوطن العربي وكانت آخر تحفة شاهدناها له الملك فاروق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244