|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مستقبل الثقافة الإسلامية في ظل العولمة ـــ د.زهير غزاوي إذا جاز لنا أن نعرّف الثقافة بأنها موقف من الحياة في جوانبها المتعددة وأن العولمة هي تجاوز للحدود القومية والثقافية القومية والاقتصاد العولمي، فإن تناولنا للإسلام في جوهره ينطلق من أنه يقارب العولمة في كثير من تعريفاتها كونه أيديولوجيا عالمية تستمر في عالميته عبر الأزمان والأمكنة، يتضمن ثقافة إنسانية شاملة ترتكز على قيم الخير والحق والجمال والسلام. الخطان المتوازيان المتقاطعان أحياناً للإسلام والعولمة يدفعان لتحديد عناصر العولمة الحالية التي نصفها أحياناً بالمتوحشة، فما هي العولمة من أحدث تحليلاتها وماهي الثقافة المواكبة لهذا النظام العالمي المهيمن؟.. أن يكون العالم قرية واحدة، تبعاً لمفرزات التكنولوجيا في مختلف المجالات، يحكمها الأقوى تقانية النابعة من نمطه الحضاري، كما هو حاصل في عصرنا. هيئة الأمم المتحدة أحد مظاهر العولمة، وهي تحولت بفعل الهيمنة الأمريكية إلى أن تصبح تابعة لهذه الدولة العظمى بإتقان المفكرين جميعاً بعيد انهيار توازن القوى الذي ساد العقد الأخير من القرن الماضي، وقد خلص الباحثون إلى حصول غزو ثقافي هائل للعالم الإسلامي لا يعود إلى تفوق تقني وحسب وإنما لأن هذه الهيمنة هي نتاج سلطان جهاز اقتصادي وقوة نظام إيديولوجي واستراتيجية جيش ثقافي متفوق»(1). عند معظم الباحثين في العالم تحولت العولمة مرادفاً لكل ماهو معاد للشعوب الفقيرة سولر على الصعيد الثقافي أو الاقتصادي أو استقلال الإرادة الوطنية بل أنها تحولت كذلك عند باحثين أوروبيين موالين للنظام العالمي الجديد(2). حتى إنه رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون يقول في تقرير له: كوكبنا غير متوازن، فقليلون جداً جداً يملكون كثيراً جداً جداً وكثيرون كثر يعيشون على أمل ضئيل للغاية وثمة اضطراب هائل وحروب كثيرة وهنالك آلام لا حصر لها»(3). ولكن وبالعودة إلى الإنتاج الثقافي للعولمة فإن فرنسا (على سبيل المثال) تتعرض كالعالم الإسلامي إلى الغزو الأمريكي في المجال السمعي والبصري عندما يصرخ الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران، بأننا في خطر فمن مجموع /125/ ألف ساعة بث تلفزيوني فرنسي لا تزيد حصة الإنتاج الفرنسي على /20/ ألف ساعة فقط والباقي أمريكي»(4). لقد اتفق علماء الاجتماع خاصة الفرد باريو على أن التقليد هو المكوّن الرئيسي للانتقال الثقافي أو التلاقح كما يسمى، فالأضعف من الأمم هو الذي يقلد النتاج الثقافي والحضاري للأقوى، ومن الواضح أن القيم الثقافية الأمريكية من خلال هيمنة الإعلام بدأت تهدد بلدان العالم كله، من هويتها الثقافية، وعلى الرغم من مصاعب أمريكا العالمية في ميادين أخرى إلا أن لغتها وقيمها ونتاجاتها الثقافية تتقدم فعلاً، حتى أصبح الحلم الأمريكي هاجس الشباب في العالم كله وليعس من العالم الفقير وحسب، ففي المجال البحثي مثلاً فإن 60% من الباحثين من البلدان الناطقة بالفرنسية يستعملون مصادر إنكليزية، ناهيك عن الموسيقى والفن والفناء والإذاعة والتلفزيون واللباس. ولكن ماهي مكونات ثقافة العولمة أو القيم الأخلاقية السلبية التي تروجها في أرجاء العالم؟ يمكن هنا أن نصوغ حاصرة من أنماط من القيم السلبية، أو الجانب السلبي من القيمة مما روجته العولمة، وقبل ذلك لابد من إعطاء تعريف واضح لمعنى الضحية، حسب ما اتفق عليه من تعريف: تجنب الباحثون في إعطاء تعريف للقيمة الأخلاقية بل يكتفون بوصفها وشرحها، ويتراوح هذا الوصف بين أنها مكونات عاطفية، أو أنها عقلنة للأخلاق، أو أنها الجانب الجيد من ميزات الشخصية، فهي على أية حال الأمور المادية والمعنوية التي تكون موضوع طموح أبناء المجتمع وتقديرهم فيحرك هذا التقدير شعورهم وتفكيرهم ويوجه سلوكهم وسعيهم(5) أو... أنها الحاجات الإنسانية الأساسية التي تتيح إمكانية التنبؤ بشكل نظام التفاعل مع الآخرين، وهي عموماً تتسم بأنها تفي بغرض تفسير نشوء المتطلبات الاجتماعية المتداخلة والمشتركة كونها تمثل البنى الذاتية المعبرة عن الأهداف الثقافية والاجتماعية وما يتصل بها من أفضليات(6). وبالتزامنا أن القيم الاجتماعية هي جوهر عملية توجيه الثقافة، وبعيداً عن دخولنا في تعريف الأخلاق ومدى نسبيتها أو إطلاقيتها وبإصرارنا على أن الدين هو المنبع الرئيس للأخلاق فإن العولمة المهيمنة وهي غربية بامتياز، عندما حطمت الدين فإنها قد استبدلت قيمها المطبقة في مجتمعاتها وبالتالي جوهر ثقافتها بما يمكن أن نطلق عليه (النظام)، وعلى الرغم من أن هذا النظام الذي فرضته النخب السياسية المالية قد حقق تقدماً فعلياً في مجالات متعددة من حياة المجتمعات العربية فإن سيادة الإيديولوجيا البراجماتية كان لها أن يستبدل القيم الأخلاقية بنسيج آخر من السلوك الاجتماعي، وإن لبى متطلبات عصر التقدم التكنولوجي الهائل، فإنه تمكن من إنتاج تغيير في مفهوم الثقافة بإلغاء القيم الأخلاقية ا لمطلقة التي عبر عنها الدين والفلاسفة الكبار في الغرب، وفرض مفاهيم جديدة للتعامل الإنساني والثقافة الإنسانية المرتبطة بالأنسنة والأخوة واحترام الآخر ليتحول العالم إلى (غابة) حقيقية القوى فيها هو الذي يفرض شرعته وثقافته، وفي عصرنا كان التطبيق أبعد ما يكون عن الإنسانية التي ارتبطت مكوناتها من خلال النتاج الحضاري المتفق على إطلاقيته بفكر الحق والخير والجمال، ليتجول إلى عولمة تمجد القوَّة والمال واستعباد الآخر. ومن الجيد ذكره هنا، «بروتوكولات حكماء صهيون» يمكن أن تعطي مثالاً جلياً عن جهود التحالف الغربي المهيض الآن على الثقافة العالمية في سبيل فرض ثقافة العولمة في سبيل تحقيق الهيمنة على العالم وحسب، ومن خلال هذه البروتوكولات يمكن لنا أن نحدد القيم السلبية السائدة والتي جعلت من الثقافة الإسلامية في حالة حرب مع الهيمنة الثقافية الغربية بديلاً من الوصول إلى قواسم مشتركة، وأدت بالتالي إلى بروز نزعات التطركات التدميرية في الفكر الإسلامي وجانب مهم من إنتاجه الثقافي: 1 ـ تسليح المرأة، والواقع أن هذا المكوّن الاجتماعي الذي أصبح جزءاً من ثقافة العولمة أصبح بديلاً عن الجهود الإنسانية كلها لتحرير المرأة، عندما خلقت وسائل الإعلام اتجاهات أساسية لدى شرائح كبيرة من النساء بإمكانية تحويل الجسد إلى سلعة تجلب ربحاً، سواء في الفن أو الإعلان أو الدعارة، إذا لاحظنا أن هذا الأمر جاء في نصوص البروتوكولات وأن مؤسسات الأفلام الجنسية والرقيق الأبيض تساهم بجزء كبير منها شركات صهيونية فإن عصر العولمة يتميز بهذا الجانب الطاغي في مكوناته الثقافية ونعني بثقافة (الجسد). 2 ـ البراجماتية، وهذه الثقافة التي سبقت عصر العولمة الحالي، كانت نتاج الثورة الصناعية تعنى من خلال دراسة جون ديوي: الديمقراطية من خلال الخبرات الاجتماعية وتغليب المصلحة الفردية على الأخلاق والقيم واعتماد مذهب المنفعة للفيلسوف بتنام، تقيم فاصلاً بين الفكر والسلوك الأخلاقي وبين ماهو متوارث من قيم أخلاقية للمجتمع باعتبارها مجرد قلاع في الهواء. فهي شيء بشيء في كل مجتمع على حدة، وتصبح ألفاظ مثل الأمانة والأخلاق والصدق بلا معنى، فالخير مجرد مفهوم يلائم العيش المشترك بالنسبة لمجتمع بعينه(7) يلائم مصلحته هو. هذه الفلسفة وقد أصبحت سمة العصر ومنهجاً سياسياً لكل حكومات العالم ساهمت في تدمير إنسانية الإنسان، وأصبحت مثلاً أعلى للطغاة الذين يهيمنون على العالم، وانهارت القيم في المجتمع الأمريكي والأوروبي، وعبر الإعلام بدأت بتشكيل الاتجاهات المضادة للأخلاق، وتحولت إلى ثقافة النزعة الفردية، ودمرت الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، والعلاقة بين الأفراد، وتحولت الحسابات إلى ما يمكن أن تقدمه القيم من فائدة بديلاً عن فعل الخير لأنه خير للنفس والآخر، حتى أن القيم الوطنية انهارت هي الأخرى عند البشر لتتحول إلى مجرد ممارسة القوة لتحقيق مكاسب الطبعة الميهمنة الحاكمة للعالم [(لجنة هآرتسون وماي) في العشرينات وإعادة تدريس الدين في المدارس]. 3 ـ ثقافة التمييز العنصري وقيم تفوق العرق الأبيض، ولعلّ ذلك شكل في عصر العولمة أبرز مكوّنات اتجاه الغرب نحو استعباد الشعوب الأخرى بل وإبادتها إذا قامت بتحدي هذا الاستعباد، وربما تبدو أفريقيا المثال الأبرز على هذا العصر، ذلك كله دعا مفكري الغرب إلى الحديث عن ضرورة مد يد المساعدة إلى العالم الثالث، تجنباً لثورة عالمية يمكن أن تدمر حضارة العراق الأبيض، وتوقف زحف الهجرة باتجاه أوروبا وأمريكا الشمالية(8). لقد نشرت أمريكا ثقافة القوة واستخدام السلاح الذري والحرب العالمية الثالثة على اعتبار أن شعبها وأوروبا بمنأى عن التدمير، حتى إن دراسات نشرت حول نتائج صراع نووي محتمل يتضمن إمكانية إبادة الشعبين السوري والإيراني وفقط موت أقل من مليون إسرائيلي، ولعلّ هذه الدراسة التي تمجد ثقافة القوة والإبادة ونشر ذلك عبر وسائل الإعلام أبرز مثال على وحشية هذه العولمة، ولا أريد هنا أن أتوسع في هوامش ثقافية أخرى أهمها ثقافة الاستهلاك وذلك لترويج منتجات الغرب العديدة التي لم يتح للعالم الثالث أن ؟؟؟ الثقافة الإسلامية: وهي تستند بالتأكيد على الإيديولوجيا الإسلامية وعناصرها التي كونت حضارة عريقة ترتكز على سلسلة القيم الأخلاقية التي أرسل الله سبحانه الرسل من أجل نشرها، ولعلّ من نافل القول أن نؤكد على العبادات في الإسلام فرضت تثبيت هذه القيم خدمة للبشرية ومن أجل إنشاء مجتمع إنساني تسوده العدالة. الإسلام أيديولونجيا عالمية (كما أشرنا) ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ? [الأنبياء ـ 107]. والرحمة من رأس القيم الإسلامية، وبالتالي عنصر أساسي في ثقافته، ولهذا تبدو هذه الثقافة في موقع الصراع مع ثقافة العولمة التي شرحنا أهم عناصرها. ولأن الإسلام هو الدين الخاتم فمن البديهي القول إن ثقافته لا تتعارض مع الأديان السماوية الأخرى في (جوهرها) ذلك أن كل ما يمكن أن يتعارض مع قيمه الرحمة والخير إنما هو دخيل وتحريف كما هو الحال فيما نقرأه من نصوص من العهد القديم. إن مرجعيات الثقافة الإسلامية تتشابه في مضمونها في مضمونها فن مختلف المذاهب، ونؤكد أنه أية اجتهادات نؤدي للخروج عن منطوق القيم الأخلاقية التي بشر بها الإسلام وكونت ثقافته، وخاصة ما نراه من ممارسات فيها الكثير من التطرف، بما في ذلك ثقافة التعصب والتكفير وإجازة القتل، لا تمت إلى الإسلام بصلة. وبمرافقة هذا التضاد فإن التطور الثقافي للإسلام المعاصر من خلال مجتهديه ومفكريه لا ينكر إيجابيات في الثقافة الغربية وحتى في بعض أنشطة العولمة، [فيقول السيد علي خامنئي إن العالم الإسلامي بحاجة لجهود أكبر من مضمار نشر الثقافة الإسلامية، أو بالأحرى إقناع العالم بصوابيتها كصورة للإيديولوجيا الإسلامية، فليس كافياً اتهام الغرب بالسعي للتدبير ـ وهو ما يقوم به فعلاً ـ إنما المهم هو وضع أسس النهوض، أي البديل، هذا البديل المطروح عملياً من قبل الغالبية العظمى يتمثل في إنشاء المجتمع المدني، وذلك يعني تكوينية حالة من الليبرالية، وعلى التحديد بالنسبة للثقافة الإسلامية، بالمطالبة بالتجديد وعلاقة بالنص التراثي، أي التخلص من سلطة النص. هذا الانقسام يبدو جلياً من اتجاهين: الأول تقديم العولمة على أنها كتلة التقنية في المعرفة الكثيفة والسوق الحرة والقرية العالمية، وتحرر المرأة، دون النظر إلى كل سلبياتها التي أشرنا إليها، فالعولمة بالنسبة إليهم كأنها الترياق لمشكلات العالم الإسلامي (صادق جلال العظم) والثاني يرى في العولمة خطراً على المجتمع الإسلامي، سوف يؤدي حتماً إلى تدمير هذه الثقافة التي هي سمة هذا المجتمع، بمعنى (السيد علي خامنئي) شن الحرب على (الحدود المفتوحة) لحماية الشخصية الإسلامية نظراً لموازين القوى المحتلة. هذان البديلان فيهما مغامرة لم تستطع النخب الإسلامية حساب نتائجها بدقة: فالخيار الأول ـ وأيضاً في ظل انهيار موازين القوى ـ يعني الرضوخ لقوانين العولمة المتوحشة، والاعتماد على الأجيال القادمة لإيجاد البديل، على الرغم من أنها لا تنفي ضرورة المقاومة. أما الثاني فهو يبيح للنظام الإسلامي اتخاذ ما يراه مناسباً لاختيار أدوات الصراع مع العولمة ما يؤدي حكماً إلى الأضرار بالديمقراطية واللجوء إلى أشكال من القمع، بما في ذلك فرض عناصر ثقافية قد تعتبرها الأجيال القادمة قمعاً سلطوياً، وهو على سبيل المثال، أدى في بعض الأقطار الإسلامية إلى خلق التطرف والسلفية، كما رأينا في السعودية وباكستان مثلاً وأفغانستان. وبالعودة إلى الحل الوسط، فإن الجهود الجمهورية الإسلامية في إيران جديرة بالدراسة في سعيها لدمج الانفتاح الثقافي ونشر الثقافة الإسلامية بمكونها الديمقراطي أساساً بمختلف الوسائل، ثم إبراز عنصر التحدي الحضاري والمقاومة معاً، في هذا الأمر، كما نرى مخاطره الكبيرة كما هو من واقعنا الراهن، بما قد يؤدي إلى الصدام مع الهيمنة الأمريكية عسكرياً، فالعولمة المتوحشة بدأت من اعتماد الخيار العسكري دفاعاً عن واقعها الاجتماعي الذي بدأ بالانهيار، وللحروب تكاليفها الباهظة. أما ماذا بعد... فإن الثقافة الإسلامية هي فلسفة التفاؤل، وانتظاراً للانهيار الأخير للعولمة عبر مقاومة الشعوب، وتفكك عناصر الهيمنة (كما حدث للإمبراطورية الرومانية)، فهناك حتمية وحيدة وهي انتصار هذه الثقافة في زمن يعتبر بعضهم أنه ليس بعيداً. الهامش: (1) ـ عزيز الحاج، الغزو الثقافي ومقاومته، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1983، ص20. (2) ـ راجع: جان سرفانتس شرابير، التحدي العالمي، دار المعارف، بيروت، 1985. (3) ـ منير شفيق: تنمية إنسانية، أم عولمة، دار الطليعة، بيروت، 2004، ص 19. (4) ـ السيد علي خامنئي الغزو الثقافي، مؤسسة دار الولاية 1999، بيروت، ص 14. (5) ـ زهير غزاوي: نمو القيم والاتجاهات عند طفل ماقبل المدرسة، دار المبتدأ، بيروت 1993، ص 54. (6)-Kelvin, p(1969) The basis of social behavior, hot rienhart, London, p.12. (7)-Dewey, john (1925), Democracy and education, the Macmillan co.Nevy.ph.02. (8) ـ راجع التحدي العالمي: م.س. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |