جريدة الاسبوع الادبي العدد 1108 تاريخ 21/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

من أوهام الترجمة ـــ أ.د.عبد النبي اصطيف

ثمة أوهام كثيرة تهيمن على حقل الترجمة في الثقافة العربية المعاصرة، وتؤثر إلى حد كبير في التفكير به من جانب، وفي ممارسات أصحابه من جانب آخر، وفي عمل مؤسساته المختلفة التي يفترض بها أن تنهض، من خلال رعاية عملية الترجمة، بالثقافة الوطنية للمجتمع الذي يحتضنها ويموّلها ويرعاها من جانب ثالث، وبالتالي فإنها تثقل كاهل هذا الحقل المعرفي الخطير، وتحول بينه وبين تأدية الدور المرجو له في تحفيز الإنتاج المعرفي في المجتمعات العربية.‏

وأول هذه الأوهام أن الترجمة لا تعدو كونها نقل نص من لغة مصدر إلى لغة هدف، وأن هذا النقل لا يحتاج، من يقوم به، غير إتقان كل من اللغتين، والمسألة كلها تدور حول دقة هذا النقل، وذلك من خلال اختيار النظير الملائم في اللغة الهدف لما يراد ترجمته في اللغة المصدر من كلمة أو تركيب أو جملة أو مصطلح أو مفهوم.‏

وثاني هذه الأوهام أن الترجمة هي الوسيلة الوحيدة للحاق بركب "الآخر" “The Other” وهو هنا "الغرب" المتقدم الذي سبقنا في مختلف وجوه المعرفة والعلم والتقانة بمراحل لا يمكنها تجاوزها إلا بترجمة ما أنجزه في هذه الوجوه واستيعابه، ومن ثم مجاراته في مسيرته المظفرة.‏

وثالث هذه الأوهام أن الترجمة ممارسة Practice وليست معرفة نظرية أو حقلاً معرفياً له تاريخه ومناهجه وحدوده وصلاته وآفاقه وتطلعاته، ولذلك فإن المعوّل فيه هو على هذه الخبرة العملية التي يكتسبها المترجمون بالتدريج ومن خلال ممارستهم، أما ما يتصل بما بات يعرف اليوم بعلم الترجمة Traductologie، أو "دراسات الترجمة" “Translation Studies”، فهو ترف لا نطيقه ولا حاجة لنا به.‏

ورابع هذه الأوهام أن المترجم حر، مطلق الحرية، فيما يقوم به. وهو لذلك لا يخضع، لا هو ولا عمله، لأية مساءلة، فلا يسأل عما يختار لما يودّ ترجمته من نصوص، ولا يسأل عن أدائه لعمله الترجمي، ولا يسأل عما يفعله باللغة الهدف التي ينقل إليها، لأنّه، كما تمضي المحاجة، يقوم بعمل جليل، ولذا فإنه لا تثريب عليه إن أسرف على نفسه في اختياراته، أو أسرف على نفسه في أدائه لعملية الترجمة، أو أسرف على نفسه في اجتهاداته المتصلة باللغة الهدف، فكل ما يأتينا به خير، بل هو كل الخير، ويكفي أنه ينطلق من موقع أخلاقي سام، هو موقع المؤثر للآخرين على نفسه، يخدم غيره على حساب نفسه، فهو الشمعة التي تحرق نفسها وتذوب لتضيء الطريق للآخرين، وهل ثمة إيثار يسمو إلى هذه المنزلة؟‏

وخامس هذه الأوهام أن المترجم، إذ يترجم كتاباً ما في حقل معرفي معين، يصبح بمجرد قيامه بهذا العمل "الجليل" "حجة ثقة" “authority” فيه، بل إنه يرى ذلك حقاً مكتسباً تحقق له بجهده ومعرفته. فإذا ما ترجم كتاباً لفرانز فانون فإنه يغدو حجة في هذا المفكر المابعد استعماري يستطيع أن يقول فيه ما يشاء دون أن يكون قد قرأ كتاباً آخر له؛ وإذا ما ترجم كتاباً لرينيه ويليك فإنه يتوقع أن يتحول إلى مرجع عنه، بل ربما يستغرب ألا يعده الناس كذلك؛ وإذا ما ترجم كتاباً لإدوارد سعيد، أو كتاباً عنه، فإنه يصبح وكيل فكره ونقده وحياته، ويأذن لنفسه بأن يفتي في كل ما يتصل بالرجل وآثاره؛ وإذا ما ترجم كتاباً في الأدب المقارن أو النقد البنيوي أو نقد ما بعد البنيوية فالويل والثبور وعظائم الأمور تنتظر كل من يشكك في خبرته في أي من هذه الموضوعات، أوليس نقله للكتاب فيها كافياً لجعله خبيراً في الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه؟‏

ومن المؤسف حقاً أن الكثرة الكاثرة من المترجمين العرب، على أهمية ما يقومون به من خدمة يؤثرون بها غيرهم، لا يسائلون أنفسهم في أي جانب من جوانب نشاطاتهم ولا يتفحصون ممارساتهم ولا يخضعونها إلى أي لون من ألوان النقد الذاتي، ويفضلون أن ينعموا بالعيش في هذه الأوهام التي تدغدغ نزعة التمركز حول النفس الذي تداخل بعضهم وترضي الشعور الذاتي بالعظمة لدى بعضهم الآخر، وآفة العلم هو الرضى عن النفس والزهو بما اكتسبته، والاكتفاء به، فكيف إذا كان مصدر هذا العلم مجرد كتاب أو أكثر قام مترجم بنقله من لغة إلى لغة أخرى، وغدا ينعم بهذا النقل فردوساً يغنيه عما سواه من العوالم الإنسانية، ويسعد به شرنقة تحميه من التطور.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244