جريدة الاسبوع الادبي العدد 1108 تاريخ 21/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

يوميات الزجاج الأسود ـــ كارين داود

طفلة في أولى سني العمر كانت في حضن والدين عرفا بقدومها معنى الأمومة والأبوة، كانت أول فرحة غمرت قلبيهما مع كل رعشة وصرخة.. وكل حركة وإيماءة.. وكل إشارة أو ضحكة.. مع كل مناغاة أو كلمة..‏

عندما بدأت الصغيرة تنتقل وتلاحق الأشياء بعينيها أولاً، ومع بداية تلفظها ببعض الكلمات، راح الوالدان الشابان يرتابان لخلل ما في سلوك الصغيرة! راقباها، تفحصاها، إلى أن وجد أخيراً أن سبباً ما يعيق بصرها!..‏

وَجِلا للأمر، وراحا يسألان ويبحثان ويستوضحان، ويطرقان أبواب الأطباء طلباً لجواب ما...‏

لماذا تغمض عينيها في الضوء؟.. لماذا لا تتفاعل مع من يلوح إليها من بعيد؟.. لماذا لا تنظر إلى ما نشير إليه حين يبعد أكثر من بضع خطوات عنها؟... لماذا تخطئ في التعامل مع الألوان؟ لماذا.. لماذا؟...‏

وعبثاً راحا يسألان.. فما من مجيب، لا طبيب ولا خبير استطاع أن يعرف علة الطفلة التي لم تبلغ من العمر الخامسة.. حتى إن بعضهم اتخذ منها حقلاً لتجاربه، يجربون فيه بعض العقاقير عديمة الجدوى، أو العدسات التي طالما أعاقتها بدلاً من أن تساعدها.‏

رزق الوالدان بطفلين آخرين دون أن يعوق ذلك رحلة البحث المستمرة عن الجواب المنشود، لعلهما يستطيعان إنقاذ طفلتهما من ألم أو ضعف قد يؤثر على مستقبلها، إلا أن براءة اللاوعي عند الصغيرة كانت تنجيها من الشعور بالنقص أو العجز، فأي نقص هذا الذي تشعر به وهي لا تعرف كيف يرى الآخرون؟ ولم تر يوماً ما يرون! ربما كان بصرها هو القدر المتاح به للبشر..‏

في ربيعها السادس ألحقت بسرب أترابها من العصافير التي تحتضن في المدارس، هناك.. عندما اختلطت بأقرانها بدأت تنتبه إلى الفرق بينها وبينهم، وشيئاً فشيئاً بدأت تدرك أنها لا تبصر ما يبصرون!‏

لم يشكل ذلك لديها أي مشكلة، فبكل براءة كانت تقترب من الأشياء لتراها، أو تقول: (لا أرى اقتربوا مني كي أراكم..).‏

بهذه العفوية استطاعت أن تتجاوز أزمتها التي لم تع بعد أنها أزمة.. استطاعت أن تتأقلم مع الأشياء والأشخاص، لكن ماذا عن الألوان؟ تلك الأشياء المبهمة التي أحياناً تراهم يشيرون إليها، أو يتعاملون معها أو تتحدث عنها معلمة الرسم في المدرسة.. فهمت الكثير مما يدور حولها، إلا أنها لم تفهم بعد موضوع الألوان هذا!..‏

ظنت أنه واحد من الأمور التي تقول لها أمها إنها ستفهمه عندما تكبر، ولصغر سنها وقلة خبرتها في التعبير والتحدث، بقي الأطباء عاجزين أمام حالتها تلك!..‏

أخذت سنوات الطفولة تستأذن بالرحيل معلنة بدء مرحلة الصبا، في وقت أخذت تتضح فيه أشياء كثيرة، فكأنها باتت تدرك أنها إن شاءت فهم تفاصيل مناظر الأشياء والأشكال، فعليها أن تعتمد على ما يرويه الآخرون، الأمر الذي ساعد مخيلتها على تكوين إحساس بالشكل واللون، ربما يتشابه إلى حد ما مع الواقع.. فتعاملت مع الحياة بناء على إحساسها بالأماكن والأشياء والأشخاص والألوان.‏

حينها استطاعت أن تصف وتشرح وتتحدث عما تراه وما لا تراه، وأجابت الأطباء على اختباراتهم، وتجاوبت معهم، وبذلك ساعدتهم على تشخيص حالتها تلك، قالوا: إن عينيها مصابتان بمرض يسمى (عمى الألوان)، يرافقه ضعف عام في الرؤية، وخاصة في الرؤية النهارية، وهي ستمضي حياتها هكذا، فما من علاج لها.‏

لكنهم نصحوها بالزجاج الأسود، لعله يخفف من كمية الضوء الواردة إلى عينيها..‏

لم تجزع.. لم تيأس.. ولم يعرف التذمر طريقاً إلى نفسها.. بل حمدت الله وشكرته، فقد أبقى لديها القليل من البصر، وعوضها بعمق في بصيرتها، مكنها من التأقلم الكامل مع الحياة ومتطلباتها، حتى إنه جعلها تحاول أن تجتث من ضعفها قوة تفجر في داخلها ينابيعاً من المحبة والعطاء، من الإيمان والإصرار، من تحدي الذات والثقة المطلقة بالله، ولأنها أحبت طريق العلم والأدب ـ بل وربيت على حبه ـ اختارته سبيلاً لتمضي في دروبه حياتها وتتسلح منه بما تتغلب على ضعفها.‏

بالصبر، بالإيمان والإرادة.. استطاعت أن تتقبل واقعها وتتأقلم مع حالتها تلك، مثلها مثل أي إنسان خالٍ من العيوب، لكن!.‏

متى يتقبل المجتمع حالتها؟.. متى يتوقف عن تذكيرها بأنها ليست كغيرها؟.. متى تتوقف نظرات الناس عن استغرابها للزجاج الأسود؟... متى يتوقفون عن لومها إن مرت بقربهم ولم تلق التحية لأنها لم ترهم؟.. أو معاتبتها لمخاطبتها إياهم من خلف النظارات السوداء.‏

جميلة هي الحياة عندما يحاول أبناء البشر أن يتفهموا أن الحالات الخاصة قد تحمل إعاقة بصرية ما، لكنه في أغلب الأحيان لا يؤثر على عقل صاحب الإعاقة أو تفكيره أو شعوره إلا!..‏

حين يشعره الآخرون بذلك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244