جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشراكة المتوسطية... إلى أين؟ ـــ أ.د.حسين جمعة

تظهر بين الفينة والأخرى مشروعات إقليمية لدول المغرب العربي أو لدول المشرق العربي، أو لهما معاً... ولعل آخر ما يروج له اليوم ما يسمى (الاتحاد المتوسطي ـ أو الاتحاد من أجل المتوسط) ويضم دول الاتحاد الأوروبي (27) دولة، ودولاً مطلة على شاطئ المتوسط والإدرياتيكي وهي (13) متوسطية (الأردن ـ سورية ـ تركيا ـ ألبانيا ـ الأراضي الفلسطينية ـ إسرائيل ـ ليبيا ـ تونس ـ الجزائر ـ مصر ـ المغرب ـ موريتانيا ـ لبنان) وأربع دول أخرى هي (كرواتيا ـ البوسنة ـ مونتينيغرو ـ موناكو)...‏

فمجموع الدول (44) دولة ستشترك في مشاريع مستقبلية؛ وتنفذ أي مشروع ترغب في تنفيذه.. أي إن هذا الاتحاد ـ وفق ما هو مرسوم له ـ منظمة دولية تتيح تحصيل المنافع لدول شمال المتوسط وجنوبه من خلال الندية في التعاون وتنمية دوله ولاسيما دول الجنوب فضلاً عن الاندماج من أجل قضايا الأمن والبيئة والطاقة المتجددة والحماية المدنية والهجرة والتعليم والثقافة وتمويل المشاريع والوصول إلى استغلال الموارد الطبيعية بأيسر السبل وتحرير تبادل المنتجات الزراعية لدول الجنوب وإنقاص الرسوم الجمركية..‏

وكانت فكرة الاتحاد المتوسطي قد أثيرت في مؤتمر (روما ـ 2007م) بيد أن الرئيس الفرنسي (نيكولا ساركوزي) قد دفع بها إلى النقاش وتبادل الرأي منذ عشرين شهراً، ومازال يجري وراءها حتى عَقَدَ في الشهر الماضي اجتماعاً في (ليبيا) حضره خمس دول هي (سورية ـ ليبيا ـ تونس ـ الجزائر ـ جيبوتي) وانفض الاجتماع عن رفض الرئيس الليبي للمشروع المطروح.. وتحفُّظ بقية الدول. ولكن ساركوزي لم يقنط فدعا إلى اجتماع الدول الأربع والأربعين في باريس يوم (13/7/2008م) قبل العيد الوطني لفرنسا بيوم واحد ليكون مؤتمراً تأسيسياً للاتحاد....‏

ولست معنياً بالحديث المفصل عن الاتحاد ذاته ولكنني أريد توضيح أمور عِدَّة تتعلق بالدول العربية والكيان الصهيوني عامة وبالعلاقات الفرنسية السورية خاصة، في إطار الهدف الأوربي، مذكرين بأن أسباب إخفاق مؤتمر (برشلونة ـ من أجل المتوسط) الذي عقد عام (1995م) لم تتغير موضوعياً وعملياً..‏

فالدول العربية ولاسيما سورية ترى في الاتحاد من أجل المتوسط أنه تطبيع مجاني مع الكيان الصهيوني قبل تحقيق السلام، فالسلام مازال غائباً، ولاسيما أن القضية الفلسطينية تعيش في نفق مظلم... ما يعني أن الكيان الصهيوني سيدخل في إطار تعاون مع الدول العربية دون أن يعيد الحق إلى أصحابه... ما يشي بفرض التطبيع في العلاقات بين العرب والكيان وإقامة من المشاريع بينهما.. فإذا أهملنا فكرة تشتت الدول العربية في التفاوض على قضايا أخرى، إذ لا يوجد لديها تنسيق ـ وإن تعاطفت فيما بينها ـ مثل طلب الجزائر من فرنسا الاعتذار عن جرائمها التي ارتكبتها إبان الاستعمار... أو مثل منع الهجرة إلى دول الشمال ولاسيما (إيطاليا وإسبانيا وفرنسا) نقول إذا أهملنا ذلك فإن دول الاتحاد الأوروبي تدخل في الاتحاد المتوسطي موحدة قوية وهي تملك من التنمية ما لا تملكه دول الجنوب...‏

وأياً كان الشأن فإن الرؤية الفرنسية المستقبلية للاتحاد المتوسطي تستند إلى ما سيقوم به من عناية ببيئة المتوسط وجعلها نظيفة آمنة تكافح الإرهاب، وتمنع الاتجار بالهجرة غير الشرعية، وتشجع على حوار الثقافات و...‏

وإذا كانت الدول العربية قد فطنت لما وراء تلك الأهداف والوظائف المقدمة للاتحاد من أجل المتوسط فإنها قدمت تحفظات شتى؛ فهي تدرك أن اختلال توازن التنمية والموارد هو السبب وراء الهجرة من دول الجنوب إلى دول الشمال... ولا يجوز أن تغدو مهمة الدول العربية مهمة بوليسية، بل عليها أن تحرص على حقوق الإنسان والسعي إلى تطبيق الديمقراطية المنشودة... هكذا تكون مساعدة دول الشمال لدول الجنوب...‏

بل إن دول الجنوب ستصبح سوقاً استهلاكية لدول الشمال ما دام التوازن الصناعي والزراعي والتقني و.. مختلاً.‏

وإذا كان اشتراك الكيان الصهيوني في الاتحاد من أجل المتوسط لم يعد يشكل أزمة للدول العربية بحجة أن هذا الاتحاد اتحاد دولي مثله مثل الأمم المتحدة ـ ما يفيد بأن العرب خرجوا في ظل الإصبع ـ فإنهم أصروا على حصر الاجتماعات والمؤتمرات في أوربا، لئلا تكون اللقاءات خارجها.. علماً أن ذلك ليس إلا ذراً للرماد في العيون.‏

أما الحديث عن التقارب السوري الفرنسي، وعلاقة هذا التقارب بالاتحاد المتوسطي فكلنا يعلم قدرة السياسة السورية وتأثيرها في أحداث المنطقة، فلا حلَّ بغير سورية... وثبت ذلك في اتفاق الدوحة بشأن الأزمة اللبنانية.. ولعل انتخاب رئيس الجمهورية ميشيل سليمان قد أكد ذلك.. وهو ما دعا فرنسا إلى اتباع سياسة جديدة مع سورية، سياسة الإغراء لتغيير مواقفها تغييراً جذرياً... لهذا أوفدت فرنسا السيدين (كلود غيان) الأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية، و(جان دافيد ليفيت) المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي إلى سورية واستقبلهما السيد الرئيس بشار الأسد قبل ظهر الأحد (15/6/2008م) وبحث معهما العلاقات السورية ـ الفرنسية، وعملية السلام على المسار السوري، ومبادرة مشروع (الاتحاد من أجل المتوسط)... وقد وُجّهت الدعوة للسيد الرئيس لحضور الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي، يوم (14/7/2008م) فوعد سيادته بتلبية الدعوة.. ولسنا الآن في معرض ما تتناقله الصحف ومحطات الأنباء عن عدم حضور الرئيس الفرنسي السابق (جاك شيراك) مادام السيد الرئيس بشار الأسد سيحضر الاجتماع... ولكننا في معرض التركيز على ذوبان الجليد في العلاقات السورية ـ الفرنسية، إذ اعترفت فرنسا بفاعلية سورية في الأحداث، وفق ما أكده اتفاق الدوحة... وهو ذوبان يتيح الحديث بصراحة وموضوعية عن الاتحاد المتوسطي من دون أن يعني حضور وفد سوري للمؤتمر التأسيسي أي نوع من أنواع التطبيع مع الكيان الصهيوني، لأن موقف سورية في هذا الشأن واضح ودقيق وفق ما بيّناه قبل قليل ما يثبت أن تصريح (كوشنير) غير صحيح دبلوماسياً وبروتوكولياً، إذ روَّج لاجتماع السيد الرئيس مع (أولمرت) والجلوس على طاولة واحدة في باريس.‏

وأياً ما يكن شأن اللقاء في المؤتمر التأسيسي للاتحاد من أجل المتوسط فإننا نذهب إلى أن مصيره سيكون المصير الذي انتهى إليه مؤتمر (برشلونة ـ 1995م)، لأن الأسباب التي أدت إلى إخفاقه هي هي ذاتها موجودة في الاتحاد المتوسطي، ولاسيما ما يتعلق بغياب تحقيق السلام بين العرب والكيان الصهيوني وفق ما أكدته سورية وتؤكده دائماً... فإذا كان من حق فرنسا أن تسترد مكانتها باعتبارها قوة متوسطية كبرى، وأن تحدّ من أثر الامتداد الأمريكي في دول المغرب العربي خاصة فإنه ينبغي علينا ـ نحن العرب ـ أن نحرص على عدم تغلغل الكيان الصهيوني في الجسم العربي من جهة، وألا نكون سلعة للبيع والشراء بيد أمريكا أو فرنسا لتحقيق مصالحهما في منطقة البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى... وما يقال عن الاندماج في التنمية الاقتصادية والمالية لدول جنوب المتوسط بدول شماله ليس بصحيح؛ لأن حجم المبادلات التجارية لدول الجنوب مع دول الشمال لا تزيد على 3%... ما يعني أن هناك مشروعاً إقليمياً جديداً يكون فيه العرب تابعين لدول الشمال فضلاً عن الأهداف المتعلقة بدمج الكيان الصهيوني بدول الاتحاد المتوسطي. وفي هذا المقام علينا ألا ننسى موقف فرنسا الداعم ـ على الدوام ـ للكيان الصهيوني وتنميته اقتصادياً وعسكرياً منذ إنشائه، وهي التي شجعت ـ وما تزال ـ الأقليات الإثنية والمذاهب الدينية والطوائف على مواقفها التعصبية والانفرادية، فضلاً عن مواقف أخرى عالجها الدكتور (علي محافظة) في كتابه (فرنسا والوحدة العربية ـ 1945 ـ 2000م) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية... ويرى أن فرنسا دون غيرها هي التي خلقت للمغرب العربي المشكلة الأمازيفية، وجعلتها مناقضة للثقافة العربية... وفرنسا لم تعترف ـ من قبل ـ بالجمهورية العربية المتحدة، وكانت أكثر عداء للوحدة العربية على مر التاريخ من أي دولة عظمى... ما يجعلنا نتمهل في كل خطوة نخطوها... ونتساءل: إلى أين يمكن أن تتجه الشراكة المتوسطية؟!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244