جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أحلام صغيرة ـــ عبد الغني حمادة

لم يكن يدري أن للغربة أنياباً تنهش لحمه، إلا حين مرّ من كوة الجوازات، وخرج من باب المطار، تسبقه أحلامه فلم يجد يداً تلوح له، أو صديقاً ينتظر وداعه، ولا منديلاً يجفف دموع المغادرين إلى دنيا جديدة، وعالم آخر فيه الكثير من الآمال والوعود والأحلام.‏

تذكر أن الحياة لا تعطي لمن يطلبها إلا العذاب والمهانة، تغاضى عن آلام الغربة، وقرر أن يطمر نفسه في هذه الأرض التي ساقته قدماه إليها.‏

دخل أول مكان لتناول ما يبل به فمه الجاف، وأخذ يرشف القهوة بلذة تعقبها حسرة في القلب، ثم يليها نشيج في الحلق بطعم العلقم، على عكس قهوته الصباحية مع زوجته بعد ذهاب أولاده إلى المدرسة، تلك القهوة كان يحس بطعمها اللذيذ.‏

ثم يخلو له الجو ليقرأ لتوأم روحه شيئاً من الشعر الدافئ، وينشرحان في الآمال والوعود، فيفتح النافذة ويلوح للسحب الشاردة، ثم يرمي بفتات الخبز للعصافير المسترخية على أغصان الحديقة القريبة.‏

ـ نحن بحاجة إليك، أنت الماء والهواء لنا، ألا تحس بذلك يا عبد الودود؟!‏

يضمها إلى صدره ويعبث بشعرها، فتشتعل النار في الروحين، وتشرئب عناقيد الجسد، ثم تخبو بعد ذلك شيئاً فشيئاً.‏

كان يعود إلى بيته مطرقاً، صامتاً، ساهماً في الواجهات والمحلات الغاصة بكل ما يحتاجه بيته، ويتمناه لأولاده وتتحسر عليه زوجته، يمد يده إلى جيوبه يتحسس رأسه فتتكسر الحاجات المعروضة، وتتناثر أمام عينيه، يدق الأرض بقدمه، ويبتهل إلى الله في سره، وكعادته، يصل متأخراً، فتقول له ابنته الصبية:‏

ـ سأترك المدرسة لألتحق بدورة لتعليم الخياطة.‏

أما الصغرى، فتتعلق بكتفه لتطبع قبلة على خده، فيرد لها بقبلتين على الجبين، يمسح شعر ابنه النائم، لئلا يوقظه، فتتململ زوجته وتخبره:‏

ـ لقد نام أيمن وهو يبكي، فابن عمه استرد لعبته منه.‏

يزفر صامتاً في حين كانت الزوجة تصب له الشاي، وتسرد له ما يحتاجه البيت من مؤونة وألبسة.‏

ينفث الدخان في الغرفة ويضطجع لينام.‏

سرح بعيداً، نسي نفسه، وهو يحتسي فنجان قهوته، وراح ينظر باستغراب إلى الوجوه الغريبة التي تبعثر أموالها دونما رحمة أو حساب.‏

سرقه النادل من شروده، وهو يقدم له ورقة الحساب، دفع ما عليه بورقة نقدية غريبة، وقام يتلمس طريق الخلاص من كوابيس الغربة، ومخالب الفقر، ثم همس في نفسه:‏

ـ أنت غريب يا عبد الودود، في بلد غريب، وهواء غريب.‏

حمل حقيبته واختار فندقاً متواضعاً لينام فيه، ريثما يجد عملاً يحقق به بعض أحلامه التي رسمها، وأقسم بأنه لن يعود إلا محملاً بما جاء من أجله.‏

مرّت الأيام دون جديد، يفيق باكراً، يجلس على شرفة صغيرة، يحاول احتساء فنجان القهوة، يرشف بعضه على مضض، ويهرول مسرعاً إلى سوق العمل، ينتظر بذلّ، من يطلبه لإنجاز عمل ما، يمنّي النفس بأحد رجال الأعمال يشير له أو يجره من يده ويسوقه أمامه، أو خلفه لا فرق، رضي أن يقاد كالبعير، ولم يتحقق له ذلك الذل...‏

وفي الصباح الباكر، كانت يده المرتجفة تطرق الباب بخجل، اندفع نحوها، احتضنها شم الشوق الذي فقده شهوراً، نظر في عينيها وقال بعد آهة طويلة:‏

ـ صدقيني يا أم أيمن، ليس لقهوة الغربة طعم سوى الغصة، أما الهواء فله طعم المرار، ضمته ثم أعدت فنجاني قهوة، وأسدلت ستارة النافذة، فزقزقت عصافير النافذة، وابتسمت شمس ذلك الصباح من جديد فابتسم عبد الودود وراح يحلم بأشياء أخرى، لكنها صغيرة بحجم أصابعه العشرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244