جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ظل الهلاك ـــ نصر محسن

لا صوت للقيود، ولا شيء حول معصميّ، ولا حول كاحليّ. هو الخلاص إذاً...! أخيراً يتنبّهون، ربما اكتشفوا أخطاءهم حين انزاحت الغشاوة عن عيونهم ورؤوا بياضي، أُزيلَ الصدأ عن ضمائرهم فاكتشفوا نظافتي.‏

شيء رائع أن تعود إليك حقوقك، وأن تربح بشرف، (هو ربح بعد معاناة)، هزائم كثيرة تمضي لتعود منتصراً في النهاية، أجل يا «ممتاز السعد» ها أنت تشعر بالانتصار، بالحرية، بالانعتاق.‏

يا ألله. ما أجمل الحياة دون قيود...! ما أروع الأصابع وهي تنفرد..! واليدين وهما تتأرجحان وتصفّقان...! والقدمين وهما تتباعدان...! فتنفتح الخطوات وتختصر المسافات.‏

لم أعد مجبراً على الزحف ولا عاجزاً عن النهوض، كنت مجبراً وعاجزاً، بلى... كنت أتنقّل زحفاً حين أضطر لتبديل مكان ركوني، لئلا أهترئ. أدمنت رائحةَ العفونة مثل سكّير كسول، وصمت الزنزانة مثل أبله أصمّ، وصراخ الرقيب كأغنية صباحية. لم يغب شيء عن عيني قطّ، الماضي المشرّف والمربك، والغد المنتظر وقد آن بزوغ صباحه مع فك قيودي. أدمنت كل تلك الأشياء، بحلاوتها ومرارتها، حلاوة ذكراها، ومرارةِ ما أنا فيه. الآن... بإمكاني اجتياز المسافات الشاسعة في زنزانتي سيراً أو هرولة أو ركضاً، سأنهض وأمشي.‏

الظلام حولي يملأ المكان بكثافة، والصمت جلاد. حلوة هي القيود، الآن أقول لك، كانت مسلية، أحارب الصمت بقرقعتها، فتصدح أصواتها جارحة فضاء المكان كصرخات قادمة من غياهب بعيدة.‏

رفعت نظري باحثاً عن النافذة في الأعلى، لم ألمح أثراً لها، لفَّتْ عيناي مساحة مظلمة مجهولة الأبعاد. كنت أرى الضوء هناك، في الأعلى، فأتيقّن أن وجه الأرض ما زال قريباً، حيث الشوارع والناس والبيوت، الأشجار والعصافير والشمس. أمي هناك اللبؤة الحنونة. كم اشتقت إليها...! ليتني أطعتها وعقلت، لكن كل شيء كان قد انتهى حين نصحتني وهي تزدري رفاقي المغادرين. لمحت في عينيها عداوة، خشية وريبة تركها الرفاق على وجهها، حاولت الهروب من نظراتها، لكنها شدتني من ذراعي ناصحة ومحذّرة:‏

ـ اعقل يا ممتاز.‏

نظرت إليها وابتسمت بصفاء، كان كل شيء قد انتهى، ولا يجوز التراجع، لكنني استطعت إزاحة كربها وشكّها حين أكدت لها أنني عاقل:‏

ـ اطمئني يا أم ممتاز، ولدك عاقل، بل عاقل جداً.‏

مضت إلى أشغالها والأدعية تتقافز حولها كطيور ترفرف ثم ترمح بعيداً إلى فوق حيث الله يلتقط سريعاً أدعية الأمهات.‏

لا أريد العودة كثيراً إلى الوراء، لكن ذكرى قدومي إلى هنا تقتحم المخيلة عنوة. قلت بثقة أمام رجال ثلاثة: أنا ممتاز السعد. وكم كنت راغباً أن أكمل ما أردت قوله عن نظافتي وهدوئي، لكن القبضات سبقت كلامي، والسياط أخرستني.‏

مؤلمة تلك الذكريات، لا أدري بالضبط كم مر عليها من الأشهر أو السنين، فترة طويلة من الزمن مضت عليّ وأنا هنا، تأقلمت مع هذا المكان حتى أحببته، غرفة كبيرة لا يشاركني فيها أحد، ينساب الضوء من النافذة الصغيرة، تؤنسني الجدران كثيراً وهي تسرد لي حكايات أصدقائها، رواد هذا المكان وقد باتوا أصدقاء، تحكي لي الجدران عنهم، وأحكي لها بحذر عن أصدقائي، وبجرأة عن حبيبتي.‏

أحب هذه السماء السوداء، رغم أن نافذة الضوء غابت، ربما حجبوها بستارة، لكنها سيفتحونها دون شك، وربما يفتحون الأبواب كلها، وقد يعتذرون مني بعدما تأكدوا من براءتي، سأسامحهم، فلا شيء بيني وبينهم يمنع من ذلك. وذاك الرقيب الذي طالما تسلّى بأوجاعي سأسامحه، أجل...، بل أنا الآن أحبّه، اشتقت إليه، أليس هو من فك قيودي؟!.‏

فتحت عيني وأغمضتها مراراً لأتأكد من يقظتي، حاولت النهوض غير مكترث بالآلام المنتشرة في جسدي، لا يهمني ذلك، فما دامت القيود ولّت، والحركة عادت إلى أطرافي، فإن الحياة بدأت من جديد.‏

مددت يدي باحثاً عن الماء، فهم غالباً ما يضعون قربي قليلاً من الماء في إناء بلاستيكي. فتّشت كثيراً، تلمّست يداي المكان بحرية، هنا جدار قريب، انتقلت الأصابع إلى مكان آخر، اصطدمت بجدار آخر. يا ألله... أين أنا..؟ وأين غرفتي الواسعة؟. أين النافذة والجدران وخربشات الأصدقاء..؟ أين كل ذلك..؟ أين...؟‏

لا بد من النهوض. استجمعت قواي ونهضت، ارتجفتْ ساقاي قليلاً ثم هدأتا. انتصبت، أجل.. انتصبت بعد زمن طويل من الركون، نقلت قدمي محاولاً السير، لكن القدم اصطدمت بالجدار، استدرت فصار الجدار، ورائي، ومشيت. شيء لا يصدق..! رفعت ذراعيّ جاعلاً منهما قرني استشعار، تلمّستا جدراناً متقاربة، ارتفعت إحداهما إلى فوق، فلامست سقفاً خشناً. كان أحد الجدران أملس، نقرت عليه، هو باب حديدي مغلق بإحكام، تحسّست الأصابع باحثة عن مقبض. ارتجفت ساقاي وسقطت متهالكاً، صرخت كثيراً، وارتد الصراخ مصعوقاً وخاسراً، اندحر أمام صمت كثيف، لكنه ما زال يتردد، يعود وينصعق:‏

أيتها السماء السوداء الأليفة، أرسلي إلي ضوءاً لأغسل وجهي، أمطري بضع قطرات لأرطّب حلقي.‏

أيها الرقيب، هات سوطك وتعال، تعالى إليّ بكأس الماء، وبوجهك الودود، فإما أن تقنعني بقبضتك وترتاح من صراخي، وإما بوعودك فتفتح لي نافذة الضوء.‏

أيتها البلاد، يا من دفعني حبك إلى هنا، اجمعي أطرافك وتعالي، ادخلي فضائي المعتم، فإما أن تقنعينني بأنني خائن يستحق الموت، وإما أن أقنعك بأنك عاهرة، يعتليك آلاف الرقباء كل يوم.‏

يا ألله...‏

أنا ممتاز السعد، كم أخطأ أبواي باختيارهم اسمي، وكم أخطأت في تقديري للأمور..! كم كنت مجنوناً ومتهوراً، أمي وحدها عرفت ذلك، أدركته بفطنتها أو بأمومتها، دائماً أكذب ودائماً تصدّقني.‏

آمال بالخلاص، أوهام تكسّرت وتبعثرت حولي، تلاطمت صافعة جدراناً خشنة وباباً ناعماً ودافئاً، جلست كتمثال بوذي، أحلم بزمان يجيء، تصير فيه ذراعاي جناحي طائر أسطوري، وعيناي منظارين لرؤية السماء السابعة، يصير هذا العتم غابة، ونداءاتي عصافير، تصير رائحة العفونة عطراً وعطشي ناراً.‏

كل ذلك سيكون، أنا ممتاز السعد، الرجل الصلب، لن أبقى هكذا كائناً رخواً، حلزوناً جافاً على حافة الانحلال يبحث بقرنيه عن نقطة ماء، ويستشعر ضوءاً لن يأتي، ونافذة لن تفتح، لن أبقى هكذا.. سأنهض.‏

ممتاز السعد لا يعرف الاستسلام. نهضت مقاوماً أوجاعي، نشّطت ذاكرتي، وانتصبت كمارد لا ينكسر، بحثت مجدداً عن النافذة التي غابت، عن المكان الذي تقلّص كثيراً، كل شيء في هذه الدنيا يتبدّل، المدن والأصدقاء والزنارين. امتلأت غيظاً، صعد الدم الحار إلى وجهي، قلّصت عينيّ، ومررت سبابتي بهدوء على مساحة الجدار الخشن، رسمت في العتم نافذة مستطيلة، فتحتها، وانكشفت الأشياء أمامي، البلاد كلها انبسطت أمام نظري، نظرت إليها بعتب شديد، شددت جسدي إلى فوق مستنداً على رؤوس الأصابع. انكشفت البلاد أكثر، الجبال والسهول والوديان، الشوارع والأبنية والناس، الأصدقاء والأمهات والحبيبات، صرخت بألم شديد:‏

ـ أحبك أيتها الفاجرة، يا بلاداً تراود الأشياء عن نفسها، أحبك... أحبك يا صديقة المقهورين والشعراء والرقباء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244