|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
القباني.. وسطوة النمط ـــ د.سعد الدين كليب ما الذي يمكن أن تقوله مقالة عابرة، في شاعر مقيم كالقباني؟! وما الذي يمكن أن يقال حوله، بعد أن أكمل القولَ فيه خصومه ومحبّوه على السواء، بل بعد أن استقرّ القباني، في الوعي الثقافي والشعبي معاً، في صورة ذهنية نمطية، راحت تحدّد أفق التلقي العام والخاص، النقدي والجمالي جميعاً. بشكل بات فيه من الصعوبة اختراق تلك الصورة وتغيير ذلك الأفق، في المدى الثقافي المنظور على الأقل. ولا شكّ في أن قلّة قليلة من الشعراء والمبدعين عامة، استطاعت، في فترة وجيزة نسبياً، كما حصل مع نزار قباني، أن تتحوّل إلى نمط ثقافي أو إبداعي قائم بذاته، له خصوصيته الفردية والاجتماعية والجمالية على المستوى الثقافي والشعبي، على نحوٍ لا يمكن نكرانه أو إغفاله، بصرف النظر عن منحى القيمة المرتبطة به. فقد تكرّس القباني، على مدى نصف قرن، شاعراً مقروءاً ومسموعاً ومغنًّى، عبر مختلف القنوات، ومستويات التلقي معاً. وهو أمرٌ لا يحصل إلا مع القلة القليلة من الشعراء المبدعين. غير أنّ هذا الأمر الذي لا يحصل إلا قليلاً، والذي هو غاية المبدع، يشكّل إحراجاً للإبداع، من خلال التنميط وإغلاق أفق التوقع والتلقي أحياناً. وهذا ما حصل أيضاً في فترة وجيزة مع القباني، أو بالأحرى مع شعر القباني. فباتت صورته الذهنية النمطية المهيمنة عائقاً ثقافياً، أمام البحث والنقد في محاولتهما الكشف عن عوالم أو جوانب خارجة على تلك الصورة الضاغطة. ما جعل الكثير من الدراسات النقدية يدور في فلك تلك الصورة، وكلُّ همّه التوكيد أو النفي لهذا الجانب أو ذاك، من الصورة المهيمنة. وإذا كان النقد ملوماً، في هذا، فإن ثمة عذراً له في ذلك، إذ إنّ التنميط الحاصل للقباني شاعراً، أقوى من أن يتم التغاضي عنه، أو عدم التأثر به. والنقد، في نهاية المطاف، استجابة عقلية للنص في سياقه الثقافي. لكن هذا لا يمنع من القول بأن النقد الدائر حول القباني، كان له إسهام ملحوظ في تعزيز تلك الصورة الذهنية النمطية. أي، لقد وقع النقد في شرك الصورة التي أسهم في بنائها حول القباني. حتى أصبح النقد بحاجة فعلية إلى مسافة تأملية بينه وبين شعر القباني، كيما يتمكن من معاودة النظر في القباني شاعراً، بمعزل عن سطوة السائد ثقافياً ونقدياً. ولا يكون ذلك إلا بالخروج على تلك الصورة من جهة، والخروج على الطرائق النقدية المتداولة في التعامل مع شعر القباني من جهة أخرى، أي بالخروج على ما أصبح بدهياً حول القباني. لقد تمّ تنميط صورة القباني، في الوعي الثقافي والشعبي، بصورتين اثنتين: الأولى صورة "الدنجوان"، والثانية صورة "الهجّاء" السياسي. وعلى الرغم من أن شعر القباني قد أسهم إسهاماً كبيراً، في إنتاج هاتين الصورتين المتعاقبتين ثم المتزامنتين، على اختلاف في درجة كلٍّ منهما، فإنهما ليستا نتاج القباني فحسب. بل هما نتاج المتلقي الجمالي – الثقافي العام بطبيعته الذوقية والذهنية والاجتماعية. هذه الطبيعة التي تعيد إنتاج النص بما يتلاءم وشرائطها ذوقاً ووعياً وحاجة. فقد يتمّ التركيز، وفق ذلك، على المعلن دون الخفيّ، وعلى السطحي دون الجوهري، أو يتم التركيز على ما يتجاوب مباشرة مع الميل الجمالي السائد، أو يتناغم والرغبات النفسية أو الجنسية أو السياسية المعلنة أو المكبوتة. ما يعني أن التلقي الجمالي – الثقافي العام قد يركّز على ما يتجاوب ويتناغم وطبيعته، كما قد يهمّش ما لا يقوم بذلك، أو يتخالف ويتناقض مع هذا أو ذاك من جوانب طبيعته العامة. ولقد تجاوب شعر القباني، في الكثير من نصوصه والكثير من المستويات، مع الطبيعة الجمالية – الثقافية السائدة، ولا سيما على الصعيد الشعبي العربي. سواء أكان ذلك فيما يتعلّق بالخطاب العاطفي أم بالخطاب السياسي. وهو ما أدى تدريجيا إلى التنميط بصورة ذهنية أولى ضاغطة، وهي صورة الدنجوان، أعقبتها، بعد الخامس من حزيران – ثم صاحبتها- صورة ذهنية ثانية أقل ضغطاً وهي صورة ذهنية ثانية أقل ضغطاً، وهي صورة "الهجّاء" السياسي. وهما صورتان ممدوحتان جداً، في الوعي الشعبي، ومهجوّتان جداً لدى بعض النخب السياسية والدينية. وبصرف النظر عن المدح أو الذم لهاتين الصورتين النمطيتين، فإنه يمكن التوكيد أن سيرورة ذلك التنميط قد همّشت جوانب مهمة من شخصية القباني في شعره. مما فوت الفرصة على شعر القباني من أن يتنفّس في عوالم خارجة على ذلك التنميط، عوالم قائمة فعلاً في شعره، على امتداده الزمني، وبمستويات بادية لا تخطئها العين، وإن أخطأها التنميط. ولا شك في أن مقالة كهذه، لا تستوعب الكلام على تلك العوالم، وأقصى ما تستطيعه هو الإشارة وحسب. ولنا أن نشير، هنا، إلى شخصية الشاعر المجدّد والمتنوّر، وشخصية الشاعر الديمقراطي العلماني، وشخصية الشاعر المثقف المتحضر.. إلخ. هذه الشخصيات أو السمات الثقافية – الاجتماعية نلحظها بقوّة، في مجمل شعر القباني. حتى في بعض القصائد "الغرامية" الصرف، أو السياسية "الهجائية" الصرف أيضاً. فقد ارتفع القباني فوق الانتماءات ما قبل الوطنية والمدنية، من دينية وطائفية وقبلية وإثنية. بل إنه وقف منها موقف الضد، وهاجمها في الكثير من نصوصه الشعرية، بطريقة لم يفعلها إلا قلة من الشعراء، من حيث الوضوح والصراحة. وكذا فقد راح يهجو "أو يهاجم" أشكال الحكم الديكتاتورية محوّلاً إياها إلى مادة كوميدية من جهة، وإلى مادة قبيحة منفّرة من جهة أخرى. إضافة إلى سخريته من استغلال الدين في السياسة، ودعوته الشعرية الصريحة إلى مجتمع حرّ ومتمدّن ومتحضّر... إلى آخر ما هنالك من جوانب في شخصية القباني شاعراً، تمّ التغاضي عنها أو تهميشها لمصلحة النمط. وإذ كنّا لا نبرّئ شعر القباني من ذلك التهميش، ولا سيما في مجموعاته الثلاث الأولى، فإنّنا لا نبرّئ النقد أيضاً في ميله واستكانته إلى ذلك التهميش. حتى استقرّ في أذهان بعض الدارسين والنقّاد أن شعر القباني شعر خاص بمرحلة المراهقة من ذكور وإناث. وعلى الرغم من أن مرحلة المراهقة، في مجتمعنا على الأقل، من أكثر المراحل العمرية قراءة للشعر والأدب عامة، فإن تحديد شعر القباني بمرحلة المراهقة يؤكد ما ذهبنا إليه من أن الصورة النمطية للدنجوان وصلت عند بعضهم إلى حدّ الربط بين شعر القباني والبزوغ العاطفي – الجنسي عند المراهقين والمراهقات. وذلك على اعتبار أن الدنجوان مراهق كبير. ونحن إذ لا ننفي إطلاقاً صفة الدنجوان عن شعر القباني، وشعر الكثير من شعراء الكلاسيكية المحدثة، بدرجات متفاوتة، نؤكد في المقابل أن لهذا الدنجوان مستويات متعددة من الخطاب الجمالي والاجتماعي والثقافي، ولا ينبغي التغاضي عنها تحت سطوة النمط السائد. وفي إطار التنميط نلاحظ أيضاً، على الصعيد النقدي، أن صورة القباني هي صورة الشاعر الغنائي البحت تقريباً –طبعاً لا نقصد فنّ الغناء، وإنّما التعبير الجمالي الذاتي عن الذات الفردية- وذلك على الرغم من أن القباني أنتج الكثير من النصوص الشعرية ذات الطبيعة الدرامية والسردية. بل إن كثيراً من قصائده المغنّاة ذو نفس درامي أو سردي (بدءاً بـ"رسالة من تحت الماء" وانتهاءً بـ "طوق الياسمين")، حتى نكاد نقول: إن فنّ الغناء العربي لم يقترب كثيراً من الدرامية إلا مع قصائد القباني. وواقع الحال أن القباني بوصفه شاعراً كلاسيكياً محدثاً قد خرج على عدد من الأصول الجمالية والفنية للكلاسيكية المحدثة. وذلك حين جعل مفهوم الحرية جوهراً في مفهوم الجمال لديه، سواء أكان ذلك على الصعيد الاجتماعي أم الثقافي أم الفني. وهو ما انعكس في شعره لغةً وصورةً وأسلوباً وخطاباً. فمن موقعه الكلاسيكي المحدث تجاوب مع مفهوم الجمال الحداثي؛ ومن موقعه ذاك تجاوب مع التداخل النوعي للأجناس الأدبية في الأسلوب الشعري؛ ومن الموقع نفسه تجاوب مع تجديد اللغة الشعرية، من منظوره الخاص؛ ومع تجديد الصورة الفنية التي لم تعد المحاكاة أساساً وحيداً فيها لديه. إنّنا نعتقد أن إعادة قراءة القباني بعيداً عن سطوة النمط -وقد فعل قلة من النقاد ذلك- هي ضرورة نقدية وثقافية وجمالية، مثلما هي ضرورة اجتماعية. إنها إعادة يقتضيها الوعي النقدي أولاً، ويتطلّبها شعر القباني ثانياً. هذا الشعر الذي ما يزال مقروءاً ومسموعاً ومغنًّى، وما يزال شاعره مقيماً أو كالمقيم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |