جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

طبيعة الشعر عند نزار قباني ـــ خليل الموسى(*)

اعتاد الشعراء أن يقدّموا تصوّراتهم عن الشعر، واختلفوا اختلافاً كبيراً، فمنهم من ذهب إلى أن الشعر وحي، وأول من ذهب إلى ذلك أفلاطون في الباب العاشر من «الجمهورية»، وتبعه في ذلك الرومانسيون وأهل التصوف، ولهذا الرأي نجد معظم الشعراء يتعالون على سواهم من مبدعي الأجناس الأدبية الأخرى، حتى إن هذه العدوى انتقلت إلى عدد من نقاد الشعر، وفي طليعتهم جان كوهن الذي ذهب إلى أن على الشعر أن يظلّ سلطاناً أو يتنحى، ومن الشعراء من ذهب إلى أن الشعر صناعة وجهد وعرق وخبرة، وربما كان أرسطو المعلّم الأول في هذا المجال، وهذا يعيدنا إلى قوله: «على الشاعر أن يكون صانع حكايات قبل أن يكون شاعراً»، كما يمكننا أن نجد هذا التيار عند شعراء الحوليات والكلاسيكيين وأصحاب الشعر الصافي والرمزيين وخاصة عند ملارمه في مقولته «الشعر كلمات» وتلميذه بول فاليري الذي ذهب إلى أنَّ الشعر رقص والنثر مشي، وربما كان إليوت واحداً من تلامذة الرمزيين الفرنسيين النجباء في هذا المجال.‏

ونزار قباني شاعر اتفق الناس حول شاعريته وشعره، ومن الطبيعي أن تختلف نظريته للشعر، وهو الذي ظلّ ينتجه قرابه ستين عاماً، وقد مر بمراحل مختلفة، سواء أكانت اجتماعية أم ثقافية، ثم إنَّ الأحداث التي عاشها نزار وعاشتها الأمة في هذه المرحلة الطويلة مختلفة ومتسارعة، بدءاً من استقلال سورية إلى التحوّلات الخطيرة في المجتمع العربي في سورية وجوارها بعد الاستقلال إلى النكبة فالنكسة والحرب الأهلية في لبنان وسواها، ممّا أثر في طبيعة شعره تأثيراً بالغاً.‏

كان نزار في الأربعينيات قريباً من البرناسيين الذين تعبدوا في محاريب الفنون والجمال، ولنقل: إنه كان قريباً من أعلام المدرسة الشعرية اللبنانية (إلياس أبو شبكة، يوسف غصوب ـ صلاح لبكي ـ أمين نخلة ـ بشارة الخوري ـ سعيد عقل..)، وقد اعترف نزار في كتابه «قصتي مع الشعر» بأنَّه تتلمذ على شعرهم، ولكن لكل من هؤلاء الشعراء أسلوبه وطريقته، فقد غلب بعضهم الشكل على المحتوى، وغلَّب بعضهم المحتوى على سواه، وهو ليس بعيداً أيضاً عن مفهوم الشعر عند الشعراء العرب الفحول، فقد كان الشعر عنده صياغة لا يُدرك أسرارها سوى قلة من الموهوبين، ولذلك كانت حصيلة للمدارس الشعرية التي توافدت على المشهد الشعري العربي في الربع الثاني من القرن العشرين، وفي قصيدته نصيب من هذه المدرسة وآخر من تلك، ومع ذلك فهو يحدّد الشعر تحديداً قريباً إلى الرومانسية في البيتين اللذين استهلّ بهما مجموعته الأولى:‏

قلبي كمنفضة الرمادِ.. أنا‏

إنْ تَنْبُشي ما فيه تحترقي‏

شعري أنا قلبي.. ويظلمني‏

من لا يرى قلبي على الورقِ‏

فالشعر تجربة وعاطفة وشخصية أو تعبير عن الذات المتكلمة، ولكننا إذا انتقلنا إلى العتبة الثانية «ورقة إلى القارئ» وجدنا الشاعر يتقلّب بين الرومانسية والبرناسية، فهو شاعر العفوية والحبّ من جهة، وهو شاعر الجهد والعرق من جهة ثانية، وهو لا يطلب من شعره أن ينقله إلى عالم الخالدين كما هي الحال لدى شعراء الرومانسية، ولكنَّه يكتفي بأن يكون الشاعر الحسّاس، ثم هو يدرك أيضاً بأنَّ الخلود نتيجة حتمية لمن يتغنّى بالجمال ويغرّد له:‏

عَزَفْتُ، ولم أطلبِ النجمَ بيتاً‏

ولا كانَ حلميَ أن أخْلُدا‏

إذا قيلَ عنّي «أُحِسّ» كفاني‏

ولا أطلبُ «الشاعرَ الجيِّدا»‏

شعرتُ «بشيء»، فكوّنت «شيئاً»‏

بعفوية دونَ أن أقصدا‏

فيا قارئي.. يا رفيقَ الطريق‏

أنا الشَّفَتَانِ.. وأنتَ الصَّدى‏

سألتُكَ باللهِ كُنْ ناعماً‏

إذا ما ضَمَمْتَ حروفي غدا‏

تذكَّرْ وأنت تمرُّ عليها‏

عذابَ الحروفِ لكي تُوجدا..‏

سأرتاحُ ـ لم يَكُ معنى وجودي‏

فُضولاً.. ولا كانَ عمري سُدَى‏

فما ماتَ مَنْ في الزمانِ‏

أَحَبَّ.. ولا ماتَ مَنء غَرّدا‏

وإذا توغّلنا في قراءة قصائد هذه المجموعة (قالت لي السمراء) فإننا لا نجد أثراً للشاعر الرومانسي، فلا دموع ولا آلام، وتغيب المشاعر الذاتية ليحلّ محلّها الوصف الحسّي البرناسي للمرأة، ثم أنتَ إزاء الشاعر الدونجوان القاتل لا الضحية، وهو الشاعر الذي يتباهى بماضيه في المغامرات النسائية والشاعر الذي يستمدّ حضوره من مكانته عند المرأة، وهو يُعيد إلى أذهاننا صورة العاشق المعشوق عند عمر بن أبي ربيعة، ولذلك كانت قصيدة «اكتبي لي» دعوة خادعة للأنثى للتشهير بها من جهة، وإثبات الكينونة الفحولية للشاعر من جهة أخرى، فهو يُغريها للكتابة، ويعدها بأن يكون حريصاً على رسائلها وسرّيتها وعليها، ومع ذلك فهو يحنث بوعده وينشر رسائلها على الملأ في قصيدته، لتكون تلك الرسائل وسيلة لا غاية، وهكذا كانت هذه الأنثى البسيطة ضحيّة الكلام المنمّق المعسول، وإليكَ الأبيات الأخيرة منها:‏

رسائلُكِ الخضراءُ.. تحيا بمكتبي‏

مساكبَ وردٍ تَنْشُر الخيرَ والصَّحْوَا‏

زَرَعْتِ جواريري شذاً وبراعماً‏

وأجْرَيْتِ في أخشابها الماءَ والسَّرْوَا‏

إليَّ اكتبي إمَّا وُجِدْتِ وحيدةً‏

تُدَغْدِغُكِ الأحلامُ في ذلك المأوى‏

ومرَّتْ على لينِ الوسادة صورتي‏

تُخَضّبها دمعاً.. وتغرقُها شَجْوَا‏

وما بكِ ترتابينَ؟ هل من غضاضةٍ‏

إذا كتبتْ أختُ الهوى للذي تهوى؟‏

ثقي بالشَّذا يجري بشَعْرِكِ أنْهُراً‏

رسائلُكِ النعماءُ في أضلعي تُطوى‏

فَلَسْتُ أنا من يستغلُّ صبيَّةً‏

ليجعَلَها في الناس أقصوصةً تُرْوَى‏

فمازال عندي ـ رغمَ كلِّ سوابقي ـ‏

بقيّةُ أخلاقٍ.. وشيءٌ من التَّقْوَى‏

ويختفي الشاعر الرومانسي البائس بعد ذلك من شعر نزار في أعماله اللاحقة من «طفولة نهد» إلى «الرسم بالكلمات»، وربما كان هذا الاختفاء ظاهرياً وسطحياً على الأقل لتعود صورة الشاعر شهريار القاتل القتيل، وقد بنى أهراماً من الحلمات، ومشت عرباته فوق كلّ الأجساد في قصيدة «الرسم بالكلمات»، علماً بأنّه ليس من الضروري أن يكون المتكلم في القصيدة الشاعر نفسه:‏

لم يبقَ نهدٌ.. أسودٌ أو أبيضٌ‏

إلاَّ زرعْتُ بأرضِهِ راياتي..‏

لم تبقَ زاويةٌ بجسمِ جميلةٍ‏

إلاَّ ومرَّتْ فَوْقَهَا عَرَباتي..‏

فصَّلْتُ من جلدِ النساءِ عباءةً‏

وَبَنَيْتُ أهراماً منَ الحَلَماتِ‏

يتعرّض الشاعر إلى مواجهة المشكلة الكبرى التي واجهها شهريار.. صحيح أنَّه بنى أهراماً من الحلمات، ولكنَّه ظلّ مهزوماً من داخله، وبقيت هذه العباءة وذلك الأهرام علامتين على مرضه المزمن الذي لن يُشفى منه، وإذا كان شفاء شهريار في السرد في «ألف ليلة وليلة» فشفاء الشاعر بالرسم بالكلمات:‏

فَمُكِ المطيَّبُ.. لا يحلُّ قضّيتي‏

فقضّيتي في دفتري ودواتي‏

كلُّ الدروبِ أمامنا مَسْدُودةٌ‏

وخلاصُنا.. في الرسمِ بالكلماتِ..‏

وإذا كانت شهرزاد قد تركت من خلال سردها عملاً أدبياً خالداً فإنّ نزاراً قد خلَّف هو الآخر لقرّائه شعراً خالداً وساحراً نتيجة لعلاقاته النسائية وتعامله مع الجمال.‏

وكَتبْتُ شعراً.. لا يشابهُ سِحْرَهُ‏

إلاّ كلامُ اللهِ في التوراةِ..‏

وليس غريباً ألاّ يستقرّ الشاعر في تعريفه لطبيعة الشعر على صورة محدّدة، فهو موزّع بين الصورة الرومانسية والصورة البرناسية، أو هو ضائع فيما بينهما لما تملكه كل منهما من إغراءات، فالشعر جمال مطلق وكلام ساحر مرة، وهو عاطفة صادقة مرة أخرى، ولكنَّ الغريب فعلاً أن يكون الشاعر غير قادر على الاستقرار عند صورة محدّدة للشعر في نثره، فنزار في تقديمه الطويل لكتاب «الكون الشعري عند نزار قباني»(ص7-29) لمؤلفه محيي الدين صبحي يذهب مذاهب مختلفة، وأهمّها أنّ الشعر لا يحدّ ولا يعرّف، وكأنَّه يُعيد على مسامعنا ما توصَّل إليه إلياس أبو شبكة في بيانه الرومانسي «في حديث الشعر» الذي تصدَّر «أفاعي الفردوس»، وإذا كان بيان أبي شبكة أقرب إلى طبيعة البحث والدراسات فإنَّ حديث نزار ظلَّ معلّقاً وشاعرياً وعائماً، فهو مرة الوجه الآخر للإنسان (ص7)، وهو أخرى مادة حسّاسة جداً. كأفلام التصوير. نطبع عليها تفاصيل حياتنا العائلية والعاطفية والقومية (ص8).‏

ويُعيد نزار بأسلوبه الخاص ما قاله سواه في تعريف الشعر من غير أن يُشير إلى مصادره، فهو يكرّر مقولة بول فاليري: «النثر مشي والشعر رقص» حين يقول: «ما أسهل كتابة الشعر.. وما أصعب الكلام عنه.. الشعر هو الرقص.. والكلام عنه هو علم مراقبة الخطوات.. وأنا بصراحة أحبّ أن أرقص.. ولا يعنيني التفكير بحركة قدميّ. لأنَّ مجرّد التفكير بما أفعل يفقدني توازني الشعر رقص باللغة، أعيدها مرة ثانية» (ص8-9)، ثمّ يكرّر التعريف مرة أخرى: «إنني أرقص.. ولا أعرف كيف.. وأكتب الشعر، كما لا تدري السمكة كيف تسبح. والأرنب كيف يقفز.. والنهد كيف يخالف قانون الجاذبية الأرضية»(ص9).‏

ثمَّ يُقدّم نزار لهواة جمع التعاريف (النقّاد) اثني عشر تعريفاً للشعر، ويدّعي بأنّها تعريفات غير جامعة أو مانعة، وليس لها صفة القانون العلمي وثباته وشموليته (ص10-12)، لأنّه إذا اقتنع بواحد منها اليوم غيّر رأيه غداً، فالشعر، عنده لا يُفسّر ولا يُحدّد، وهو حالة غير مستقرّة، متناسياً أنّ هذه التعريفات خلاصات نقدية في أزمنة مختلفة لطبيعة الشعر المتغيّرة، ثم أوقع نفسه في ورطة نقدية حين قدّم عشرة ملامح للشعر الجيّد (ص14-18)، وهي لا تصلح لتعريف الشعر إلاّ من وجهة نظر خاصة وانطباعية وضيّقة.‏

وبعد فإنّ الشاعر أقرب الناس إلى معرفة طبيعة الشعر، وخاصةً إذا كان الشعر تجربة ورؤيا، ولكنّ تعريفه للشعر يظلّ خاصاً بالشعر الذي ينتجه، كالمرأة الوالدة التي لا ترى الولادة إلاّ من خلال معاناتها وطفلها الوليد، ولذلك جاءت تعريفات نزار للشعر، وإن أخذ من هنا وهناك، كتأثره بفاليري الرمزي وأبي شبكة الرومانسي، ولذلك نحن بحاجة دائمة إلى الناقد الحصيف الذي يمدّد القصيدة على المشرحة ليتفحّص أبياتها وحركاتها، أو ليتفحّص شعر مرحلة أو أمة.. نحن بحاجة إلى مبضع جرّاح خبير كأرسطو ليضع الفنّ إزاء المساءلة والاعترافات، ومع ذلك يظلّ كلام الشعراء عن شعرهم وتجاربهم مادة للاستئناس ليس غير.‏

(*) أستاذ الأدب العربي الحديث في قسم اللغة العربية وآدابها بجامة دمشق، عضو المكتب التنفيذي باتحاد الكتاب العرب، شاعر وناقد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244