|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الموروث في شعر «نزار قباني» ـــ د.لطفية إبراهيم برهم إن قراءة أولية للأعمال السياسية الكاملة للشاعر «نزار قباني» تظهر لنا عنوانين متمايزين، يتحدد أولهما برفض الموروث سواء أكان هذا الرفض مباشراً أم غير مباشر، ويتحدد ثانيهما بقبول هذا الموروث: التراث ومساءلة العصر، وسنخصص هذا المقال للتوقف عند رفض الموروث رفضاً مباشراً. ـ الموروث والرفض: إن وعي الشاعر أدّى إلى نفاذ رؤيته، التي اخترقت الموروث العام؛ لتصل الماضي بالحاضر معرفياً، لكن الوصل لا يتحصّل، بل يقع في الانقطاع فاتحاً السياق على رفض الموروث المتمثّل في قصيدة (الوصية) بـ(صندوق أبي)، هذا الصندوق المغلق على محتويات فقدت قيمتها، وافتقدت فاعليتها؛ لتعطّل التاريخ، وتجمّده؛ وبذلك يلجم هذا الصندوق التاريخية، أو يلغيها، مجمداً الموروث في داخله حسب الرؤية النزارية: أفتح صندوق أبي... فلا أرى... إلا دراويشَ ومولويهْ وقصة الزير على حصانه وعاطلين يشربون القهوة التركيّهْ أسحب سيفي غاضباً وأقتل المعلقاتِ العشرَ... والألفيهْ وأقتل الكهوف، والدفوف، والأضرحة الغبيهْ...(1). ففتح الموروث يكشف غثاثته أمام العين الشاعرة، البصيرة، الخبيرة، فكانت شاهدت على سقوط الموروث: شعراً، ونثراً، وبلاغة، ونحواً، الأمر الذي حتم على الشاعر رفض الوصية، وبيع الموروث في المزاد، معلناً غضبه؛ ثورته، قاطعاً الرؤوس بقتل إنتاجها قطعاً فكرياً، يقابله تأسيس أو ولادة رؤوس جديدة، أو بالأحرى ولادة تفكير جديد، فالقتل هنا قتل مجازي طال بنية فكرية عربية، لم تنتج معرفة، تفيد إنسان هذا العصر، يقول الشاعر بعد فتح تاريخ أبيه، وأيامه: أبحث عن معرفة تنفعني أبحث عن كتابه تخُصّ هذا العصر... أو تخُصني فلا أرى حولي سوى رمل... وجاهليهْ(2). هذا الوعي أدى إلى الرفض؛ رفض كل ما يمت بصلة إلى الموروث شكلاً ومضموناً، فاتحاً سياق البحث على طرح إشكالية تتحدد معالمها بتحديد علاقة «نزار» بالتراث، هل يرفضه الشاعر رفضاً قاطعاً أم أنه يترك صلة وصل بينه وبين هذا التراث؟، وهل يرفض الشاعر الموروث لمجرد الرفض أم أنه يرفضه؛ لأنه لم يعد يمتلك فاعلية اتجاه القضايا المعاصرة؟، هل يرفض «نزار» جزءاً من الموروث، ويقبل جزءاً آخر يسهم في بناء مملكته الشعرية؟. ـ الموروث والرفض المباشر: تتمحور تحت هذا العنوان الشواهد الشعرية التي يظهر فيها الرفض بدالّه، مسنداً إلى الذات الشاعرة، متعدياً إلى مفعولات متعددة، مؤسساً شبكة دلالية رفضية تمسّ بنية الذهنية العربية شكلاً ومضموناً: الثوب، والعلم، والأدب الرسمي والشفوي...، وتنتمي إلى حقول دلالية متباعدة، تظهر تنوع الموروث، وتمايزه إلى درجة التناقض؛ وبذلك لا يتحدد الموروث بهوية التشابه والتآلف، بل يتحدد بهوية المتعدد، المتباين، ووحدة المختلف الكثير، الذي يرفضه الشاعر بقوله: أرفض ميراث أبي. وأرفض الثوب الذي ألبسني وأرفض العلم الذي علّمني وكلّ ما أورثني من عقد جنسيّهْ أرفض (ألف ليلة)... والقمقمُ العجيب والمارد، والسجادة السحريهْ أرفض سيف الدولة المغرورَ... والقصائد الذليلة الغبيّهْ.. أحرق رسم أسرتي... أُحرق أبجديتي... ومن فلسطين، ومن صمودها من طلقات النار في جرودها من قمحها المغموس بالدمع، ومن وردها أصنع أبجديهْ...(3). الرفض مقرون بالولادة عبر أسطورة الموت والانبعاث متجلية في احتراق طائر الفينيق عندما يدركه الهرم؛ ليتجدد، وبتجدده في سياق القصيدة نتوقف عند الفن الأصيل للشاعر، الذي يقيم جسراً فوق الهوة الكبيرة التي تصل الغد بالماضي، وتتجاوز الحاضر؛ لتحدث قطعاً؛ وبذلك تحقق الأسطورة الفينيقية هدفين، أولهما إنساني؛ إذ يرمز الطائر إلى موقف الشاعر بحرق رسم الأسرة والأبجدية، والآخر كوني؛ إذ ترمز النار إلى النفق الذي يمتد بين الحياة والموت، وهي الوسيلة إلى البطولة والفداء والطريق إلى الخلود بصنع أبجدية أصيلة خاصة بالشاعر أبدعها انطلاقاً من واقعه المعيش، فالفينيق هنا إبداع جديد لأبجدية جديدة تخطُّ حضارةً جديدة يسعى الشاعر إلى تأسيسها بعيداً عن أسرته التي أحرق رسمها؛ أبجدية تسهم في قراءة قضايانا المعاصرة لحلّ مشكلاتها؛ وبذلك يتم الفصل/الوصل بين الشاعر وحضارته من جهة، والشاعر وتجربته الشخصية وعمله الشعري من جهة أخرى. ويتمدد رفض البنية الذهنية العربية في قصائد أخرى خطياً من دون أن يضيف تطوراً دلالياً؛ لأنه يدور حول المحور الدلالي العام للرفض في الرؤية النزارية السابقة، وإن كانت هناك مدلولات إضافية فإنها ـ برأينا ـ غير محورية؛ لأنها تجسد يأس الشاعر من فاعلية رفضه، ومن تبلد إحساس المتلقي بضمير الجمع، الذي يقحمه الشاعر في النص الشعري بتوجيه الخطاب إليه بضمير الخطاب: الكاف، الذي يفترض وجود المخاطَب: القارئ، أو السامع، الذي حدّه الشاعر بالصمت؛ لأنه ختم الحوار بعد الرفض مباشرة بصيغة المضارع الذي يدلّ على الحال والاستقبال انطلاقاً من الماضي، يقول الشاعر: أرفضكم جميعَكم وأختُم الحوار لم يبق عندي لغة أضرمت في معاجمي وفي ثيابي النارْ...(4) ويقول في قصيدة بعنوان (التصوير في الزمان الرمادي): أحاول أن أتبرأ من مفرداتي ومن لعنة المبتدا... والخبرْ..(5). هذا الرفض المؤكد تأكيداً معنوياً بعد نفاد اللغة، وإضرام النار في معاجم الشاعر وثيابه لم يأت من دون مقدمات، بل سبقته محاولات عديدة؛ لإنقاذ المتلقين مما تراه الذات الشاعرة سلبيات يجب تجاوزها: دبق التاريخ، رزنامة الأقدار بدلالتها على الزمن الدائري المكرور، _(قفا نبك) بإحالاتها لا إلى الشعرية العربية فقط، بل بإحالاتها إلى عمود الشعر العربي، الذي سيطر على الشعراء فترة طويلة من الزمن، يقول الشاعر: أرفضكم... أرفضكم... .... حاولت أن أدق في جلودكم مسمارْ يئست من جلودكم يئست من أظافري يئست سماكة الجدارْ...(6). يجسد هذا المقطع عدم فاعلية كل من المبدع والمتلقي؛ لتحول جلود المتلقين، التي من المفروض أن تكون مرهفة الحساسية، إلى جماد لا روح فيه، ولضعف أظافر الشاعر التي لم تعد قادرة على اختراق سماكة الجدار؛ إذ سيطرت صورة اليأس بدلالاتها الجزئية، التي عمّقت الدلالة العامة، التي يرغب الشاعر في تصويرها؛ وبذلك لم يعد للقيم المعنوية وجود في زمننا، فجلودنا ميتة الإحساس، وأرواحنا تشكو من الإفلاس، وأيامنا على مرّ الزمان تدور في حلقة مفرغة من الإنتاج؛ لأنها مهدورة بين ثلاثة أقانيم: الزار، والشطرنج، والنعاس، فهل نحن حقاً خير أمة أخرجت للناس؟ سؤال ينطوي على جوابه، ويدخلنا في دائرة الشك بهويتنا؟، يقول الشاعر في قصيدة بعنوان (هوامش... على دفتر النكسة): جلودنا ميّتة الإحساسْ أرواحنا تشكو من الإفلاسْ أيامنا تدور بين الزارِ... والشطرنجِ... والنعاسْ... هل (نحن خير أمة قد أخرجت للناسْ)؟(7). واللافت للنظر أن الرفض لم يقتصر على الموروث، بل نراه سمة مميزة حاضرة،تسم شخصية «نزار»، الذي يؤكد رفض زمانه وعصره تأكيداً يفتح السياق على عدم الرضا، وعدم الانسجام؛ ليكون الرفض بؤرة دلالية لولادة جديدة، يقول الشاعر: إنني رافض زماني وعصري ومن الرفض، تولد الأشياء(8). فالرفض غير محدد بالموروث، بل هو رفض مطلق؛ رفض لحضارة عصر من أجل ولادة عصر جديد وحضارة جديدة؛ وبذلك تنبئ ثنائية (الرفض والولادة) بولادة زمان وعصر جديدين، يسعى الشاعر إلى بنائهما، علّ الأشياء المولودة الجديدة تسم زماناً وعصراً جديدين لا يميزان المرحلة بقدر ما يميزان إبداع الشاعر الذي أبدعهما؛ ليكون إبداعاً مختلفاً يحمل رؤية «نزار» للعالم وموقفه منه. وهكذا نجد أن الشاعر لا يرفض الموروث لمجرد الرفض، بل يرفضه؛ لأنه لم يعد يمتلك فاعلية اتجاه القضايا المعاصرة؛ وبذلك يكون موقف «نزار» من الموروث موقفاً نقدياً، لا يستعبده، ولا يقدسه، بل يضعه موضع الشك والمساءلة؛ ليحرك الواقع، وينتج إبداعاً معرفياً يتصف بالحيوية، والقدرة على التواصل، والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية. الهوامش: (1) نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة. (بيروت: لبنان: منشورات نزار قباني، الطبعة الخامسة، 1993) م 3/250/، وينظر: م 3/304/398/399/. (2) نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة، م3 /251/. (3) نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة، م 3 /252/. (4) نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة، م 3 /303/. (5) نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة، (بيروت: لبنان: منشورات نزار قباني، الطبعة الثانية، كانون الثاني (يناير) 1999م، م 6 /344/. (6) المصدر السابق، م 3 /307/308/. (7) نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة، م 3 /86/. (8) المصدر السابق، م 3 /412/. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |