|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
وهمان ينبغي أن يُبَدّدا في دراسة نزار قباني ـــ د.عبد النبي اصطيف جامعة دمشق ثمة وهم شائع غاية الشيوع لدى شريحة واسعة من المهتمين بنزار قباني هو أنه شاعر المرأة، وأنه تحدث عنها بما لم يتحدث عنها غيره، وأفصح عما في داخلها على نحو لم يفصح عنه حتى دعاة تحريرها ومتبنو قضاياها، وأن إسهامه في الأدب العربي الحديث كان من خلال موضوع المرأة وما يتصل بها من غزل عمري (نسبة إلى عمر بن أبي ربيعة) في الغالب. وربما كان هذا وراء الصورة التي انطبعت في أذهان مشاهدي مسلسل نزار قباني الذي بثته أكثر من قناة فضائية في الأعوام الماضية. والحقيقة أن حضور نزار في الحياة العربية بجميع وجوهها أكبر مبدد لهذا الوهم لأنه كان لسان حال الأمة العربية في لاوعيها ووعيها، أو لنقل في أحوالها كلها؛ وثمة وهم آخر هو أن نزاراً شاعر فقط، فتن الناس بشعره القادر على الوصول إلى القلوب والأرواح والنفوس قبل ولوجه العقول والأذهان، والحقيقة كذلك أن نثره الموزع في مختلف الدوريات العربية، وزواياه، ومقالاته الأسبوعية التي نشرها طوال حياته في أكثر المجلات العربية انتشاراً وشهرة أكبر مبدد لهذا الوهم أيضاً، لأن هذا النثر هو من الكم والنوع اللذين يسوغان اهتماماً أكبر مما ظفر به حتى الآن. وإسهاماً مني في التنبيه على خطأ هذين الوهمين أود الإشارة إلى بعض مقالاته التي نشرها في أثناء حرب تشرين التي خاضها الجيشان العربيان في سورية ومصر مدعومين بمشاركة فلسطينية ومغربية وأردنية وعربية، عام 1973، وما تلاها من حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش العربي السوري عام 1974، وأجبر فيها الجيش الصهيوني على الانسحاب إلى ما وراء خطوط هدنة عام 1967، وحرر فيها مدينة القنيطرة وأجزاء مهمة من أرض جولاننا الحبيب. ذلك أن هذه المقالات تكشف لنا مدى ارتباط نزار قباني بمختلف وجوه حياة الأمة التي ينتمي إليها، وتوضح أن اهتمامه بالمرأة لم يكن غير وجه واحد من وجوه علاقته العضوية بمجتمعه وأمته. وكذلك فإنها، من ناحية أخرى، تبيّن جانباً مهماً من جوانب إبداع هذا الرجل وقدرته على التواصل مع جمهوره، وهو نثره المتألق والمثير والذي يتجاوز جميع حواجز التواصل مع قرائه ويبلغ قلوبهم ونفوسهم وعقولهم، بل يمازج أرواحهم ويخالطها لما ينطوي عليه من روعة وجمال وسموّ بيان. يكتب نزار قباني في الأسبوع الأول لحرب تشرين: " ربع مليون جندي، كسروا قمقم الصبر أخيراً، وقفزوا إلى الضفة الشرقية لقنال السويس، لكي يستردوا للأمة العربية شرفها الضائع... ومئة ألف جندي سوري ينهمرون كالبرق على مرتفعات الجولان ليضيؤوا من جديد تاريخنا الغارق في العتمة"1 ( ص 110). ويضيف: "إن هذه الحرب مختلفة.. مختلفة.. مختلفة وهي لن تقرر مصير شبه الجزيرة العربية فحسب، ولكنها ستقرر مصير (النوع العربي) كله... فإما أن نربح الجولة ونبقى، وإما أن نخسرها فنندثر... لقد فتح المصريون والسوريون أمامنا الضوء الأخضر، وصححوا صورة المقاتل العربي في ذهن العالم، وثقبوا (بالون) الغرور الإسرائيلي، واستطاعوا خلال الساعات الأولى من المعركة أن يجرحوا الذئب، ويقتلعوا بعض أسنانه.. فعلى الذين لا يزالون في مقاصير المتفرجين أن يشتركوا في مطاردة الذئب.. قبل أن يرتد عليهم.. ويأكل زوجاتهم، وأطفالهم ويحول بناتهم إلى سبايا..." ( ص 111). ويكتب بعدها بأسبوع: "أسحب جواز سفري العربي من جارور مكتبي.. وألثمه... أتأمل جلده، والعقاب الذهبي المرسوم عليه، وتأشيرات الدخول والخروج، وملاحظات القنصليات الأجنبية (مواطن عربي- للمرور دون توقف).. على الصفحة الثالثة، أرى صورتي للمرة الأولى.. أرى قسماتي الحقيقية، وأتأكد من لون عيني، واستطالة أنفي، واستدارة فمي... قبل السادس من أكتوبر 1973، كانت صورتي مشوشة، وغائمة، وقبيحة... " (ص114). ويضيف: "واليوم (6 أكتوبر 1973) يبدأ عمري.. اليوم فقط.. ذهبت إلى مديرية الأحوال المدنية، وأريتهم صك ولادتي التي حدثت في مستشفى عسكري نقال.. يتحرك مع المقاتلين في سيناء والجولان.. فاعتبروني طفلاً شرعياً، وسجلوني في دفاتر مواليد الوطن " ( ص115). ويختم مقالته تلك بقوله: "لا تؤاخذوني إذا ولدت في يوم الغفران.. ولكن الأمر ليس بيدي.. فمشكلتي أنني أصبحت أكبر من رحم الصبر الذي يحملني... وأن مكوثي ست سنوات في قبو الذل والانكسار والفجيعة.. لم يستطع أن يلغي ذاكرتي.. إنهم حقنوا جسد أمي-الأرض بأنواع إبر الإجهاض.. أعطوها حبوباً لمنع الحمل، وقفوا على ظهرها، داسوا على بطنها.. ركلوها.. دحرجوها من أعلى السلالم.. رموها من الطابق العاشر.. ولكن بطن أمي بقي سميكاً كقشرة الكرة الأرضية.. ومتموجاً كبحيرة ملأى بالأسماك.. ونجت أمي من كل محاولات الإجهاض.. ونجوت أنا.. وها أنذا أسبح في مياه قنال السويس كسمكة القرش، وأقطع بأسناني لحم الجنود الإسرائيليين في الجولان.. فلا تؤاخذوني إذا أكلت لحماً في يوم الصوم الكبير.. إن سمك القرش لا يصوم.." ( ص ص116-117). ويكتب في مقالته التي عنوانها بـ"دمشق... تتزوج": "حفلة ألعاب نارية في سماء دمشق.. حفلة زفاف حقيقية.. ومدينتي هي العروس.. منذ حزيران 1967، قررت دمشق أن لا تتزوج إلا على طريقتها الخاصة. رفضت كل الرجال الذين تقدموا إليها.. ورفضت كل الوسطاء، وكل سماسرة الزواج.. ورفضت كل المهور.. * كانت تنتظر فارساً طويل القامة، عربي العيني، عريض المنكبين.. يحمل بارودته على كتفه.. ويجلس على قمة (جبل الشيخ).. انتظرت ست سنوات.. وراسلته ست سنوات.. واحتفظت بصورته في طيات ثيابها، وبين أوراق دفاترها المدرسية.. ست سنوات" (ص ص 122-123). ويكتب كذلك عن الطيار العربي السوري عدنان الحاج خضر الذي فقد ساقيه في أثناء حرب تشرين: "عندما انفتح باب طائرة الصليب الأحمر التي حملت الأسرى السوريين العائدين إلى دمشق.. كان محمولاً على نقالة يرفعها أربعة ضباط من زملائه.. كان اسمه العقيد عدنان الحاج خضر.. وكان بلا ساقين.. ساقاه أصبحتا شجرتي زيتون في أرض فلسطين.. ومع هذا فقد كان رأسه مرتفعاً، وصدره مرتفعاً، وصوته مرتفعاً.. كما لو كان يمتلك غابة من الأرجل.. في اللحظات الأولى خيّم صمت ثقيل، وتفجر الدمع أنهاراً في عيون المنتظرين، ولكن عدنان الحاج خضر حسم الموقف الدرامي بسرعة.. حين صرخ من أعلى سلم الطائرة: "الأرجل. هي لا شيء.. نحن مستعدون أن نخسر أرجلنا حتى يمشي الوطن.. ونفقد أعيننا حتى يرى.. وننزف حتى تمتلئ بحاره، وتفيض أنهاره..." مرة أخرى، أؤكد لكم أن هذا النص الشعري ليس مقتبساً عن أغاني بيليتيس، أو نشيد الإنشاد، ولكنه شعر عربي سوري تقرأونه في دفاتر القنيطرة.." (ص ص 150-151). وعندما توقع سورية اتفاقية فك الارتباط في أيار 1974 يكتب نزار: "منذ أيام النبي العربي.. والشام "بتتكلم" عربي.. ومنذ أيام معاوية، وهشام، ومروان.. حتى أيام حافظ الأسد" 155 "إن صناعة دمشق الأساسية هي العروبة.. وهذه الصناعة الدمشقية قديمة جداً.. ومشهورة جداً.. فكما تصنع كوبا السيجار الفاخر، وكما تنتج مصر القطن الطويل التيلة.. وفرنسا النبيذ الجيد.. وتشيكوسلوفاكيا كريستال باكرا.. والاتحاد السوفياتي الفراء والكافيار والفودكا.. فإن المادة الرئيسية في جدول الصادرات السورية هي (القومية العربية).. * إذن فدمشق من حيث الأقدمية هي الأولى.. وهي الرائدة.. والأستاذة.. وجميع القوميين العربي خرجوا من رحمها وتتلمذوا عليها.. لا أحد يتكلم العربية مثل دمشق... ولا أحد ينطق الحروب العربية على طريقة الغساسنة والمناذرة.. و"نهج البلاغة" والعقد الفريد" و"لسان العربي".. إلا دمشق.. ولا أحد يحمل سلم العروبة بالعرض.. إلا دمشق.. ولا أحد يجيد صناعة السيوف المطعمة بالذهب والفضة إلا الدمشقيون.. والذين يصنعون السيوف يَرِثون أخلاقها.. " ( ص ص 156-157). ويكتب مخاطباً كيسنجر الذي جاء يفاوض نيابة عن العدو الصهيوني: "يا حضرة البروفيسور؟؟ إذا عدت مرة ثانية إلى هذه المنطقة، فحاول أن لا يكون ذلك في شهر رمضان.. لأن رمضان يصيبنا بحساسية قومية من نوع استثنائي.. فكلما انطلق مدفع الإفطار تذكرنا أصوات مدافعنا في حرب التحرير.. وكلما تلألأت أصوات المآذن.. تذكرنا عيون شهدائنا.. وكلمت لمست شفاهنا كؤوس (القمر الدين).. تذكرنا فلسطين.. فاندلق السائل الأحمر على طاولة المفاوضات.. وتبللت الوثائق والملفات... بدم الفلسطينيين... وتبللت ثيابك بهذا السائل الأرجواني الذي نسميه نحن حق الشعب الفلسطيني.. وتسميه أنت: (كوكا كولا)..." ( ص 173). وأخيراً أحب أن أختم بما كتبه نزار مخاطباً من سماه "المرحوم والد الولايات المتحدة" لأنه يفصح غاية الإفصاح عما يدور في خلد كل عربي اليوم عندما يرى القطب الواحد الذي يرى في نفسه سيد العالم، يأمر وينهى، والجميع يقول السمع والطاعة، خلا دمشق التي ستظل أبداً حاملة لواء العزّة العربية: "تتصرف أميركا مع العرب في هذه الأيام الأخيرة كما لو كانوا من مخلفات المرحوم والدها.. ونحن لا نعرف عن المرحوم والد الولايات المتحدة الأميركية، ولا نعرف شيئاً عن حسبه.. ونسبه.. وشجرة عائلته.. ولا نتذكر أنه ترك مالاً أو عقاراً أو ذرية من البنين والبنات في أرض الحجاز، أو في الكويت، أو في كركوك.. كما لا نتذكر أن المرحوم... صاهرنا، أو ناسبننا، أو تزوج أمنا فصار عمّنا.. بحيث يسمح لنفسه بالتدخل في شؤوننا المنزلية، وقضايانا العائلية.. بما في ذلك عدد الأرغفة التي نأكلها، وأجرة المنزل الذي نسكنه، وشكل الزوجة التي سنتزوجها، وأسماء الأولاد الذين سنرزق بهم.. ثم نحن لا نتذكر أن المرحوم والد الولايات المتحدة الأمريكية، كانت له تجارة في قديم الزمان مع عبد المطلب، وهاشم، وقريش، حتى يأتي بعد ألفي عام ليحاسبنا على ثمن الجياد العربية التي ربيناها وأشجار النخيل التي زرعناها.. وبراميل النفط التي بعناها.. لذلك فوجئنا بالرئيس الأمريكي، حين صعد إلى منصّة الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، وأفهمنا بغير مجاز ولا تورية أنه لن يسمح لحفنة من البدو.. ينقعون أرجلهم في بحر من البترول أن يهدموا حضارة العالم" ( ص 199). "إن الإنسان العربي ليشعر بالزهو حين يفتح جريدة (التايمز) اللندنية، ويقرأ فيها هذه الجملة: (إن الأجيال القادمة سوف تتذكر سنة 1973 كتاريخ سيطر فيه العرب على العالم الصناعي...) مئة سنة وأكثر والغرب يلعب معنا (البوكر) ونحن نخسر.. يغش في اللعب.. ونحن نخسر.. يسرق آخر قرش من جيوبنا.. ونرهن محاصيلنا.. وعقاراتنا وضفائر بناتنا.. ونخسر.. فهل تسمح الولايات المتحدة ودول أوربا الصناعية.. أن نتغلب عليها مرة واحدة فقط... ولكن بشرف..." ( ص 203). 1 تشير الأرقام الواردة بين قوسين إلى صفحات كتاب: نزار قباني، الكتابة عمل انقلابي، الطبعة الأولى ( منشورات نزار قباني، بيروت، 1978). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |