|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نزار قباني: الشعري والسياسي ـــ أ.د.وفيق سليطين(*) انطلاقاً من التبصّر النقدي المعني بالكشف عن الخاصيات النوعية المقومة للفن عموماً، وللأدب خصوصاً، يمكن القول إن الفكري والسياسي يشكلان علاقة داخلية في «الأدبي». فإذا كانت السياسة تحكم العلاقات الاجتماعية عامةً، فإن حضور السياسي في الأدبي هو حضور نوعي خاصّ يتحدّد بالطبيعة الأدبية ذاتها، بحيث إنه يترشح من عمق خصوصيتها الجمالية التي يكتسب بها الأدبي هويته الذاتية، فتتميّز من غيره ويستقلّ. وبخلاف ذلك فإن التوظيف السياسي المباشر يهدّد بنفي الأدبي، إذْ يحوّله إلى ترجمة إيديولوجية وشعارية، تدفع القيمة الجمالية بالمباشرة السياسية، فتضرّ بخاصيات الأدب والفن من جهة، وتنمو من جهة أخرى منحى ابتذال السياسي بإفراغه من عمقه الحيوي وتحويله إلى سطح لفظي يفتقر إلى حرارة التجربة وخصوبة الفن. في ضوء ما سبق، سنلقي نظرة كاشفة عن واحد من مستويات شعر نزار قباني، هو ما يشار إليه عموماً بـ«شعره السياسي». ونمثّل لذلك بقصيدته: «تقرير سرّي جداً من بلاد قمعستان»(1). ـ بلاد «قمعستان»: محدداتها، وملامحها العامة: مع الإشارة الافتتاحية، يجري التحديد السلبي لبلاد قمعستان بافتقاد القيمة الرمزية، وتلاشي المثال، وانحسار المعنى، واضمحلال الوجود في بعديه: الروحي والجسدي. ولذلك كانت بلاد قمعستان تتعرف بكونها متحفاً بشرياً ينغلق على الهياكل العظمية الماثلة فيه. وهي، بهذا المعنى المتحفي، آية زمانية لم تجرِ عليها حركة التاريخ، فبقيت تعيش خارجه، أو تدور بخلافه على هدي ناموسها الطبيعي الثابت وحركتها الذاتية المتسرمدة. وعلى هذا الوفاق يتوالى التحديد السابق بالإشارة إلى التباس الجغرافيا، وموت التاريخ، أو إلى تعطّل مجرى القيمة في هذا المتصل بين ماضي الذات وحاضرها: ـ لم يبقَ فيهم لا أبو بكرٍ.. ولا عثمانْ جميعُهم هياكل عظمية في متحف الزمان ....... ـ ما كان يُدعى ببلاد الشام يوماً صار في الجغرافيا.. يُدعى «يهود ستان».. ....... ـ لم يبقَ في دفاتر التاريخِ.. لا سيفٌ ولا حصانْ. بين هذه الإشارات وغيرها تحتشد التفصيلات وتتلافى على تقديم صورة وصفية لأرضية قمعستان، وشعبها، وحكّامها المتأمركين الذين أدمنوا الهوان وتصالحوا معه على معاداة رعايا «دويلة الخصيان»، تلك التي تلقي بصفتها على الفضاء، فتطبع بها البشر والحجر، وتحوّل الجميع إلى كائنات هلامية مشوّهة، يوحّد ملامحها القمع، ويلفظ سبيكتها المتجانسة بآلته الدائرة في مصهر عملية الخصاء الشامل. وهذه نبذة نصية عن بلاد قمعستان: هل تطلبونَ نبذةً صغيرة عن أرض «قمعستان» تلك التي تمتدُّ من شمال إفريقيا.. إلى بلاد نفطستان تلك التي تمتدُّ من شواطئ القهر، إلى شواطئِ القتلِ إلى شواطئ السحل، إلى شواطئ الأحزانْ.. وسيفها يمتدُّ بين مدخل الشريان والشريان ملوكُها يقرفصونَ فوق رقبة الشعوب بالوراثةْ ويفقأون أعين الأطفال بالوراثةْ ويكرهونَ الورقَ الأبيضَ، والمدادَ، والأقلامَ بالوراثةْ وأوّلُ البنودِ في دستورها: يقضي بأنْ تُلغى غريزةُ الكلام في الإنسان. إنّ بلاد قمعستان المحدّدة بجغرافيا القهر والقتل والسحل تجري على التقليد الذي يتوارثه ملوكها ـ لا شيء يتغيّر في نظام الاستعادة الدوري، فكلّ بداية هي عودة، وكل حركة هي دوران في إطار الثبات الكلي المعزّز بالتقليد القمعستاني، ولذلك فإن يد البطش والتشويه فيه تنال كل ما يصب ببُعْد المستقبل، وكل ما من شأنه أن ينطوي على إمكانية التغيير. ولهذا كان النظام القمعستاني يدمّر أفق المستقبل، ويفقأ نواة انبلاجه في أعين الأطفال. وكذلك نراه يجتثّ حلم التغيير الممكن باستبعاد وسائله وأدواته المتمثلة هنا بـ«الورق الأبيض، والمداد، والأقلام من خلال التقليد القمعستاني الذي يقتضي مناصبتها العداء والكراهية. وإذا كانت بلاد قمعستان موحّدة الملامح، ممسوحةً قسماتُها بالطابع الشيطاني الذي يُفردها مساحةً للحصار والموت، فإن موجوداتها أيضاً تتشابه، بل تتطابق، من حيث هي نسخ مكرّر بعضها عن بعض. ومن هنا كان شعب قمعستان صوراً متناسخة في صدورها عن قالب واحد، ينتجها حضوراً متطابقاً مضروباً على هيئة ثابتة ونحوٍ أصمّ: لا صوت، ولا رأي، ولا لسان. ما أرادأَ الأحوال في دولة «قمعستان» حيث الذكورُ نسخةٌ عن النساء حيث النساءُ نسخة عن الذكور حيث الترابُ يكرهُ البذور وحيث كلُّ طائرٍ يخافُ من بقية الطيور وصاحبُ القرار يحتاج إلى قرار. في تأمّل الفارق الذي يتبدّى بين حاكمي قمعستان ومحكوميها، يتأكد لنا أنه فارق في المرتبة والمظهر لا في العمق والمَخْبر، وإذا ما تجاوزنا هذا السطح تبيّن جلياً أن ما يسري على بلاد قمعستان وشعبها، يسري بالقدر نفسه، أو بأكثر منه، على حكّامها وملوكها وآلهتها الباطشة. ذلك أن هؤلاء الأخيرين مسكونون بالخوف الذي يزرعونه في البلاد والعباد، فيكون هو نفسه حصاداً لهم. ولاشكّ أن الخنوع الذي يسقونه للرعية بالملاعق الكبيرة قد أدمنوا تشرابه من قبل، بامتثالهم لسلطة المرجع الأعلى في «الخارج»، وتصاغرهم أمامه، خضوعاً وعبادةً له في صورة الغالب القاهر. إنهم في الحقيقة نسخة واحدة تنبعث متكررة على وفاق الأصل، في صورة المقموع الذي يتشبّع بالفعل، ويعيد إنتاجه على غيره في عمليات المناقلة والتدوير، التي تجعل من المقموع قامعاً، ومن الخانع معمماً للخنوع، وحاكماً باسمه، وسلطاناً عليه. في مفارقات النص القمعستاني: عندما يكون المحتوى هو مركز الفاعلية والتأثير في الشعر تترجّح، بالضرورة، خاصيّات الإقناع أو التحريض، ويتنامى نشاط العناصر اللفظية والشعارية، أو تستثار آليات المحاكمة المنطقية، على النحو الذي يسود معه طابع الجفاف في التلقي العقلي، أو طابع الانفعال الآني الحادّ في التوجيه الأيديولوجي. ويعني ذلك أن الشعري في المعادلة يتراجع أمام طغيان الفكري، أو يتنحّى تحت ضغط الإنشاء الإيديولوجي. وفي الحالتين معاً يتعيّن الشكل، بعناصره المختلفة، ناقلاً سلبياً للأفكار والمضمونات. ومن لوازم هذا الأداء، مفهومياً، أنه يزكّي تقدير الشعر بدوره الذي يغدو محل القيمة والحفاوة، ومناط التثمين أو التهجين، ويتلو ذلك أن هذا التوّجه ينتهي إلى إقرار تعريف الشعر وظيفياً، حتى لو كان ذلك خارج طبيعته النوعية، ومثل هذه المفارقة تهدّد باختلال العلاقة بين طبيعة الفن ووظيفته، إذْ تكون الثانية منهما نفياً للأولى، أو إقلالاً منها، على النحو الذي يوهم بأن قيمة الشعر من موضوعه، وفاقاً لما تقتضيه النظرة الوظيفية إليه. وهو ما يحتاج إلى مراجعة دقيقة، واختبار أعمق، يتولّى فحص هذا المتن الواسع من شعر نزار «السياسي»؟ (*) أستاذ الأدب الغربي الحديث في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة (تشرين)، اللاذقية، شاعر وناقد أدبي، عضو جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب. (1) نزار قباني: الأعمال السياسية الكاملة، الجزء السادس، ط2، 1999، ص27-44. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |