جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كيف اختار نزار قباني أحلى قصائده ـــ د.غسان غنيم(*)

درج الشعراء، والنقاد الكثير منهم، على القيام باختيارات لنصوص شعرية، منذ أقدم عصور الأدب، فما تزال اختيارات الأصمعي «الأصمعيات» وأبي تمام والبحتري «الحماسة»، مقروءة حتى يومنا هذا، بل إن بعض الاختيارات تدل على الشعراء دلالة قوية ظاهرة، من حيث المنهج الفني والأدبي، إضافة إلى الذوق والأسلوب، فالاختيار، حكم نقدي مبطن، فليس ثمة اختيار يأتي عشوائياً، وإنما من خلال مقاييس، غير مكتوبة ـ ربما ـ ولكنها موجودة في الذائقة وفي الأساليب الفنية المفضلة لدى الشاعر أو الناقد الذي يقوم بمثل هذه العملية.‏

وليست عملية الاختيار مقصورة على القدماء، وقد وصلنا منها الكثير ـ بل إن المحدثين قاموا بمثل هذه الاختيارات التي جمعوا فيها مجموعة من النصوص، سواء كانت لهم ـ كونهم شعراء أو مبدعين أم لسواهم، وفق رؤية نقدية معينة، أو وفق ثيمات محددة.‏

ومن ذلك ما قام به بعض المحدثين من مثل الشاعر عبد القادر الحصني في مختارات سماها «أحلى أشعار الحب» والشاعر نزار هنيدي في مختارات من شعره سماها «السيرة الزرقاء» ومنها المختارات التي قدّمها الشاعر فاروق جويدة بعنوان «أجمل قصائدي في الحب، ولا يستثنى في هذا المقام»..‏

الشاعر الراحل «نزار قباني» الذي قدم مختارات من شعره، بعنوان «أحلى قصائدي»(1) تخيّر فيها مجموعة من القصائد «30» قصيدة. لم يوحّدها موضوع واحد على تقارب المضمونات فيها. فقد تناول المرأة ـ غزلاً ـ وحباً. ومشكلات اجتماعية، إضافة إلى الأم والأب، والوطن والغربة، من مثل «اختاري ـ نهر الأحزان ـ قارئة الفنجان ـ الرسم بالكلمات ـ حبلى ـ القصيدة المتوحشة ـ البغي ـ الحب والبترول ـ خمس رسائل إلى أمي ـ أبي ـ غرناطة ـ خبز وحشيش وقمر» وقصائد أخرى.‏

تطغى رائحة الحب، كما تطغى على معظم ديوان نزار قباني... حب يتسم عند نزار قباني بالتعالي أولاً، وبالحزن ثانياً. فكثير من قصائد الحب تتسم بهذه النرجسية التي يحب نزار أن يبدو فيها محبوباً مرغوباً إلى أقصى درجات الحب من قِبل امرأة جميلة معذّبة في هواه، تهتم لأصغر الأشياء لديه، ولأدق التفصيلات، وتكون سعيدة بأن يعيرها التفاتة بسيطة تحملها معها وتعيش عليها أياماً وأياماً؛ ففي قصيدة «شؤون صغيرة» تلاحق المرأة خيوط الدخان التي يطلقها من بين شفتيه دوائر دوائر وتقبّل المكان الذي وضع فيه يده على فستانها ناحية المرفق. يذكر كل هذه الأشياء بتلذذ واضح... وانسحاق واضح للمرأة المحِبة أمام سطوة الشاعر المحبوب:‏

فحين تدخن... أجثو أمامك‏

كقطتك الطيبة.‏

وكلّي أمانْ‏

ألاحق مزهوة معجبة‏

خيوط الدخان‏

توزّعها في زوايا المكان‏

دوائر...‏

دوائر...(2).‏

هذا التعالي الذي يبديه الشاعر تجاه المرأة التي يحبّ... يلون كثيراً من قصائد الغزل في اختيارات نزار قباني... فالمرأة «مرهقة.. وخائفة ويجب أن تختار دون تردد حب الشاعر ـ وهي عاشقة من رأسها حتى قدميها ـ وهي تلميذة لما تعرف عن الرجال وعن الحب... وهي أجيرة لن تطفئ مجد الشاعر، ومن حسن حظها أن الشاعر: أحبها ولو قليلاً».‏

والأمر الآخر الذي يميز هذه المجموعة من قصائد الشاعر التي اختارها بنفسه، هو الحزن؛ فكثيرة القصائدة التي تتحدث عن الحزن، فمن العنوانات مثلاً: «نهر الأحزان ـ قصيدة الحزن» إضافة إلى مجموعة من التعبيرات التي انبثتْ في ثنايا قصائد أخرى، مثل «طوق الياسمين»، «قارئة الفنجان» «إلى تلميذة» «الرسم بالكلمات» وقصائد أخرى.‏

ومما يلفت الانتباه حقاً هذا الحزن الطاغي، فاختيار الشاعر للقصائد المفعمة بالحزن، والتي تؤكد موضوعة الحزن، كونها الإحساس الطاغي، يؤشر إلى بعض معاناة الشعراء.. الذين يستغرقون هذا الإحساس، وكأنه المصهر الذي تتشكل فيه قصائدهم، ونزار في اختياراته.. «لا يملك إلا عيني الحبيبة وأحزانه» «فأنا لا أملك في الدنيا إلا عينيك وأحزاني»(3) ويستمع «لحناً كأيامه حزيناً» (ص34) وقد علمه حب هذه المرأة أن يحزن ويبكي. ويدخل مدن الأحزان. ليعرف أن الدمع هو الإنسان، وأن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان(4) إن اختيار «نزار» لمثل هذه القصائد المفعمة بإحساس الحزن، تؤكد أنه لم يكن شاعراً فرحاً أميلَ إلى الحبور، بل هو ميّالٌ إلى الحزن، ويرى أن الحزن هو الذي يصنع جوهر الإنسان الحقيقي.. ويصهره في بوتقة الإنسانية الحقة. حتى بطلات قصائده، تبدين حزينات معذبات ـ سواء بالحب أو بالقهر الاجتماعي الذي يمارس عليهنّ، أو بالتمييز الجائر الذي يعاملن به أمام المجتمع بالموازنة مع الرجل في مجتمع ذكوري، يصبح فيه الرجل إلهاً.. لا رادَّ لقضائه في المرأة الزوجة أو الأخت أو الابنة.‏

بقي أن نعرج «أخيراً» على الهم الاجتماعي الذي خصّه بنصيب وافر في هذه الاختيارات. وقد تؤشر العنوانات، وهي من العتبات النصية المهمة ـ إلى بعض المضمونات الاجتماعية التي اهتم بها نزار اهتماماً واضحاً. ومن هذه العنوانات ذات الدلالة؛ «حبلى ـ أوعية الصديد ـ رسالة من سيدة حاقدة ـ رسالة إلى رجل ما ـ إلى قديسة ـ إلى إجيرة ـ الخرافة ـ البغي ـ خبز وحشيش وقمر».‏

وهذه القصائد تحمل هماً اجتماعياً واضحاً. قد تكون المرأة هي البطلة الرئيسية فيه، إضافة إلى هموم أخرى... تربوية يراها أثرت في أجيالٍ وأجيال كما جاء في قصيدة (الخرافة).‏

حين كنا...‏

في الكتاتيب صغارا‏

حقنونا بسخيف القول ليلاً ونهارا‏

درّسونا:‏

«ركبة المرأة عورهْ..»‏

«ضحكة المرأة عورهْ»...‏

«صوتها ـ من خلف ثقب الباب ـ عورهْ»(5).‏

أما في «البغيّ» فيلفتُ انتباه المجتمع إلى هذه الفئة المسحوقة من النساء اللواتي ألجأهن المجتمع إلى تجّار اللحم البشري، أو إلى ذئاب كاسرة لا يهمها إلا نهش الأجساد.. ثم رميها إلى مصائر تفيض بالغرائبية... ليلقي في آخر القصيدة بالسؤال القاسي:‏

«وسرير واحد.. ضمّهما‏

تسقطُ البنتُ ويُحمى الرجل؟!»(6).‏

أما في قصيدة «خبز وحشيش وقمر» التي نوقشت في البرلمان السوري إبان صدورها، فيعرض ـ حالة العطالة الاجتماعية في مجتمع مخدّر طوال الوقت. لا يضمّ إلا الكسالى والضعفاء ـ بحسب ما يراه الشاعر ـ يرزحون تحت نير الأفكار الميتافيزيقية، فيلجؤون إلى قبور الأولياء لترزقهم أزراً وأطفالاً. ويرمون بتبعات بلادتهم، من المصائب والنكبات على القدر ويؤمنون بكل ما يؤخرهم ويجعلهم جثثاً تحت ضوء القمر.... كما يقول ـ:‏

في ليالي الشرق... لمّا‏

يبلغ البدر تمامه...‏

يتعرّى الشرق من كلِّ كرامة.‏

ونضال...‏

فالملايين التي تركض من غير نِعالِ...‏

والتي تؤمن في أربع زوجاتٍ...‏

وفي يوم القيامةْ...‏

ولكن السؤال الذي يطرح ذاته؛ هل الاختيار الذي قام به نزار قباني، كان دافعه الوحيد ـ موضوعات القصائد وثيماتها المشّكلة لها...؟! لا أظن شاعراً كبيراً ـ مثل نزار قباني ـ تحركه في اختياراته هذه الفكرة فقط، بل إنه يؤشر في اختياراته إلى منهجه الفني الذي أسس له.. وإلى أسلوبه في الكتابة الشعرية.‏

فالقصائد المختارة ـ على الرغم من أنها لا تخرج عن طريقة نزار في كتابة الشعر ـ إلا أنها تبرز اتجاهه الفني، وتظهر تجديده الأكثر عمقاً الذي أحدثه على مستوى اللغة الشعرية والبنية التصويرية، فاختياراته لا تحيل إلى موضوعات وأغراض جديدة في طريقة المعالجة والرؤية فقط. بل تحيل أيضاً إلى تجربة تتحرر من قيود الشعر القديمة، لصالح العفوية والتعبير الذي يقوم على الفيض، وعلى طرح قيم جمالية تكسر القيم الكلاسية التي سارت عليها القصيدة العربية حتى زمنه.‏

فثبّت لغة الشعر على حال جديدة أطلق من خلالها القوى الرمزية والبدائية كما ثبّت اللغة المعادية غير المفخمة، والبسيطة السهلة القريبة لغة لأجمل القصائد حتى صارت محفوظة على كل شفة ولسان.‏

كما أكد في اختياراته على مسألة الموسيقى في الشعر، فنزار لا يرى الشعر دون موسيقى ـ ظاهرة غالباً. فالملاحظ في قصائده التي اختارها أنها من بين أكثر القصائد احتفاءً بالموسيقى، وأكثرها من القصائد المغنّاة مما يؤكد احتفاء نزار بالموسيقى في الشعر، وهذا واحدٌ من أسباب شيوع. شعر نزار قباني ودورانه على الألسن والشفاه. ومن هذه القصائد على سبيل المثال لا الحصر: «اختاري ـ رسالة من تحت الماء ـ نهر الأحزان ـ قصيدة الحزن ـ قارئة الفنجان ـ إلى تلميذة ـ القصيدة المتوحشة».‏

يتبقى أن نقول إن نزاراً الذي كسر طبيعة العلاقات اللغوية الشعرية التي كانت سائدة آنذاك، وأثبت أن المفردة إنما تستمد شعريتها من السياق الذي تنتظم به، وليس من ذاتها، فاخترع قاموسه الشعري الذي بات مؤشراً مهماً على شخصيته الشعرية، وهذا ما هيّأ شعره للوصول إلى صور مختلفة بل مفارقة كل المفارقة للصور المدرسية الملصقة التي كان يعجّ بها الشعر الكلاسي قبل نزار، لتصبح الصورة لديه ـ بالإضافة إلى الأنماط التقليدية، صوراً تأخذ مفرداتها من حقول معنوية ووجدانية متباعدة لم يألف الشعر العربي الكثير منها..‏

«قدماكِ في الخفِّ المقصبِ‏

جدولانِ من الحنين»(7).‏

إضافة إلى طريقة نزار الآسرة في كتابة الشعر التي تعتمد البساطة والانسياب، والقص أحياناً مما يأخذ معه المتلقي ويأسره في ثنايا القصائد لغة وصوراً.. وموسيقى وإيقاعاً... ومعنى...‏

هذا نزار قباني الذي حاول أن يقدّم نفسه في مختاراته التي أرادها أن تدلّ عليه، وعلى منهجه، وأسلوبه وطريقته، واهتماماته، على الرغم من اعترافه ـ ونحن معه ـ أن هذه الاختيارات التي تشبه أضمومة من الورد.. قد تظلم البستان، وقد لا تمثل حقيقة الغابة.. ففكرة المختارات راودته كثيراً.. ولكنه كان يؤجلها ويخشى منها: «الاختيار كان دائماً يعذبني. والتمييز بين هذه القصيدة وتلك كان دائماً وجعي الأكبر»(8).‏

وهو يدرك ـ ونحن معه ـ «أن ذوق الشاعر، على أهميته، يبقى ذوقه الخاص، وارتباطه الشخصي ببعض قصائده، والظروف التاريخية والنفسية والإنسانية التي كتب تحت تأثيرها هذه القصائد، تلعب دوراً رئيسياً في لعبة الاختيار..»(9).‏

إن الاختيار، كان وما يزال مؤشراً مهماً على عقلية من يختار ونفسيته فمن يختار شعر الفروسية، فهو محب للبطولة والانتصارات.. والحركة ومن يختار شعر الحب، هادئ رقيق القلب، حساس... سامي المشاعر. ومن يختار قصائد الحزن، أميل إلى الطبيعة والمزاج السوداويين الحزينين وربما المتشائمين... ومن يختار قصائد الوطن... تغريه مشكلاته وأزماته والهموم العامة... كل هذا على التغليب وليس على الإطلاق، فالنفس الإنسانية غابة كلما غصنا في أعماقها، اكتشفنا اتساعها وعمقها...‏

ومختارات نزار قباني قد تؤشر إلى اهتماماته من الناحية المعنوية أولاً، وإلى أسلوبه المفضل في كتابة الشعر ثانياً، وهذا ما حاولت التدليل عليه من خلال مختاراته التي عنونها بـ «أحلى قصائدي..».‏

(*) أستاذ الأدب العربي الحديث والمعاصر في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دمشق، عضو جمعية النقد الأدبي في اتحاد الكتاب العرب.‏

(1) قباني ـ نزار: أحلى قصائدي ـ منشورات نزار قباني ـ بيروت 1971.‏

(2) قباني ـ نزار: المجموعة. ص 24.‏

(3) قباني ـ نزار: المجموعة ص21 ـ 22.‏

(4) قباني ـ نزار: المجموعة ص 38 ـ 39.‏

(5) قباني ـ نزار: المجموعة ص 97.‏

(6) قباني ـ نزار: المجموعة ص 119.‏

(7) قباني ـ نزار: المجموعة ص 33.‏

(8) قباني ـ نزار: المجموعة. المقدمة ص «ج».‏

(9) قباني ـ نزار: المجموعة. المقدمة ص «أ».‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244