جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عندما يتحول الرقص إلى شعر مقاربة تطبيقية لقصيدة «كلمات» ـــ د.هايل محمد الطالب(*)

تعتمد شعرية نزار قباني على تقنيات فنية متعددة، لعل في مقدمتها تقنية السرد الفعلي، التي يصبح فيها الفعل البؤرة الأساسية لانطلاق الدلالة، والمشكّل الأساسي لها، لاسيما عندما يتآلف مع السرد المستمد من فن القصة في بناء النص، وعلى الرغم من افتقاد الصيغة الفعلية للزخم الانزياحي الذي تمتاز به الصيغة الإسمية، إلا أن طزاجة اللغة النزارية، وبراعتها في نسج التشكيل اللغوي تمنح الشاعرة قدرة عجيبة على قرع أبواب المخيلة من أقصر الطرق، وهذا ما يمكن ملاحظته تطبيقياً من خلال نص (كلمات)(1) الذي يقوم على اقتناص لحظة شعرية سريعة بمقياس الزمن، هي لحظة الرقص مع المرأة في حفلة ما، وهي صورة واقعية، ولكنها تغني الواقع عبر مدّه بزخم من التعابير التي تعبّر عن التموجات الشعورية التي تعتري الراقصة في لحظة الرقص، تلك التموجات التي قد تنتهي بانتهاء فعل الرقص، ويأخذ الفعل المضارع زمام المبادرة في النص (تكرر ثلاثاً وعشرين مرة)، فهو الذي سيحمل عبء التعبير عن الحركة الراقصة في انسيابية تعبّر عن حركة الرقص، وتنقلها إلى الإطار المحسوس المشاهد (شعرية اللقطة)، تنطلق تلك اللحظة من الفعل المحرّض على السرد، وعلى التخييل الذي يعتري الراقصة، عبر الفعل (يسمعني):‏

يسمعني حين يراقصني/ كلمات ليست كالكلمات‏

ثم سيتوالى إلى الفعل المضارع في رسم المشهد الحلمي الراقص عبر الأفعال (يأخذني، يزرعني، يتساقط، يحملني..) التي تصور تنقل حركة الرقص وتعبر عما يعتري المرأة:‏

يأخذني من تحت ذراعي/ يزرعني في إحدى الغيمات‏

والمطر الأسود في عيني/ يتساقط زخات.. زخات‏

يحملني معه يحملني/ لمساء وردي الشرفات‏

وأنا كالطفلة في يده/ كالريشة تحملها النسمات‏

فالانسيابية والاستسلام الجميل للرجل الشريك في فعل الرقص، أضفى على فعل الرقص صوفية محلّقة ولّدتها الأفعال (يأخذني، يزرعني، يحملني) وهي صوفية تجعل الرقص انعزالاً عن الآخرين وتماه مع الفعل الموصل إلى النشوة، إنها انعتاق من عبء الزمن والآخرين، وستعزز دلالة التحليق في السماء، تلك الدلالة الانتشائية، عبر الزرع في الغيمات، كما سينقل التشبيه انسيابية تلك الحركة من خلال تصوير الحالة التي تعتري الراقصة (كالطفلة، كالريشة) في دلالة على حركة متحررة من الانضباط الحركي الذي يفرضه منطق الرقص التقليدي. زاد من تلك الدلالة الصوفية تحرر هذا الرقص من الإيحاء والإغراء، وتماوج الحركة والسكون التي تولّد انضباطاً روحياً وجمالياً خاصاً، تشتغل المخيلة النبيلة في صياغته بكل ما تحمله من أرستقراطية وترف، فيمسي الرقص مع تلك الحالة رمزاً لجمالية أو قداسة تؤدي إلى أن يسود الحب والأمان والغبطة بين الراقصين، كما أنه سيغذي الذات الراقصة بلذة الطيران التي تطهر الروح وتضفي عليها أجنحة أثيرة زاهية تجعلها تحلق بين الغيوم، أو تطير نحو السماء في حالة نشوة وغبطة لا تخلو من طهر ونقاء، ثم سينقل المشهد إلى تصوير الحالة الشعرية التي يصبح الرجل مصدر شعريتها عبر الكلام المتبادل بين الراقِصَين (الرجل والمرأة)، يكون الرجل هو مصدر الفعل الذي سيعزز من الحالة الحلمية المجسدة في تلك الرقصة:‏

يحمل لي سبعة أقمار/ بيديه وحزمة أغنيات‏

يهديني شمساً يهديني/ صيفاً.. وقطيع سنونوات‏

يخبرني أني تحفته/ وأساوي آلاف النجمات‏

وبأني كنز.. وبأني/ أجمل ما شاهد من لوحات‏

يروي أشياء.. تدوخني/ تنسيني المرقص والخطوات‏

كلمات تقلب تاريخي/ تجعلني امرأة في لحظات‏

وهنا يدخل الكلام كعنصر مكمّل للوحة الراقصة، فكلام الحب بين الراقصين هو جزء من مشهد الرقص الثنائي، الذي يسهم في تكوين الحلم الجميل المحلق عند الراقصة، ويزيد من دلالة التحليق، إذ تصبح الأقمار والشمس والصيف والسنونوات عناصر أساسية في تشكيل تلك اللحظة، وهي التي ستؤدي إلى الانعتاق من عبء الآخرين (تدوخني، تنسيني المرقص والخطوات)، فالتحليق الجمالي هو في لحظة من اللحظات كسر لروتين الانضباط وتحرر يؤدي إلى الانعتاق، لكن الملاحظ هنا أن فعل الرقص منصب في دلالاته كلها على الشريكة فيه، وكأنه فعل أنثوي مقتصر على المرأة على الرغم من أن النص يقدم لنا رقصة ثنائية، طرفاها رجل وامرأة، ولذلك فكل التأثيرات الجمالية، مقدمة على لسان المرأة، فالنص يقوم على ضمير المؤنث في التعبير عن دواخل المرأة وتحولات مشاعرها في الرقص، وبالتالي فالدرامية في النص، ستتحقق من الصراع بين لحظتين، لحظة نشوة واستمتاع بالرقص، الذي سيكون الرجل فيه عنصراً محرّضاً للمشاعر فقط، (إذ لا تبدو في النص تأثيرات الحالة عليه)، وللجماليات الناجمة عن الشراكة في الرقص، ولحظة أسى وفَقْدٍ ستتولّد عند انتهاء فعل الرقص:‏

يبني لي قصراً من وهم/ لا أسكن فيه سوى لحظات‏

وأعود أعود لطاولتي/ لا شيء معي سوى كلمات‏

فلحظات الامتلاء بالحب والنشوة، والقصور الخرافية التي تولّدها كلمات الحب السريعة، وما ينجم عنها من لحظات سعادة، هي لحظات من الوهم الجميل الذي لا يدوم إلا مدة دوام فترة الرقص، والحق أن هذا يذكرنا بالرقص الأرستقراطي، الذي يقدم لنا رقصاً بروتوكولياً يقتضيه الموقف، أو الحالة التي يتقدّم بها الرجل من المرأة ليطلب منها مشاركته في الرقص، فيصبح الرقص طقساً احتفائياً ينقصه الحب، ومن هنا فكل العبارات التي تتداخل مع الرقص، لن تتعدّى الوهم الجميل الذي يتبخر مع تبخر فعل الرقص، بخلاف الرقص المقترن بنشوة الحب الذي سيقدّم نشوة مركبة تجمع بين لذة الرقص، ولذة اقترانه بالحبيب، وهذا ما يعزز فكرة اختلاف الدلالة الثقافية للرقص، باختلاف الموقف، ومن هنا لن نجد هذه الدلالات التشاركية في اللذة مع الرقص الشرقي (الفردي) الذي يحتفي بالإيحاء والإغراء بأقل الحركات، لأن لذّته ستكون مختلفة تبعاً لمتلقيه، في حين أن التشارك مع المرأة في الرقص، يغذي أنانية ونرجسية عالية في الذات الراقصة، تجعل اللذة مقترنة بالراقصين لوحدهما فقط، ومن هنا تأتي متعة التحليق، حتى لو كان الرقص خاضعاً لمقتضى أرستقراطي، وواجب اجتماعي، وهذا ما حدث في نص كلمات الذي أعاد الراقصة بعد سرقة لحظة متعة إلى طاولتها خالية الوفاض، إلا من نشوة تذكّرها بأنوثتها، ومن كلمات كالبخار تنهي الفعل، وإن لم تكن قادرة على إنهاء تأثيره بسرعة.‏

أخيراً، لاشك أن النص يظهر لنا براعة الشاعر نزار قباني في اقتناص موضوعاته بذكاء، وقدرته على التعبير عن طريق الابتعاد عن الترف البلاغي الزائد عن الحاجة، فتقنياته في النص لم تتعدّ الفعل المضارع الذي ولّد الحركة ونقل الصورة نقلاً تسجيلياً محملاً بكم هائل من المشاعر المزينة بتشبيهات بسيطة من ناحية، ومن ناحية أخرى عميقة في التعبير عن الداخل/ النفسي، الذي ترزح فيه الذات في إطار سردي يلف اللحظة بتشويق شفاف.‏

(*) جامعة البعث، حمص، صدر له حديثاً كتاب: قراءة النصّ الشعري لغة وتشكيلاً ـ نزار قباني نموذجاً تطبيقياً: دمشق: دار الينابيع، ط2، 2008.‏

(1) نزار قباني: الأعمال الشعرية الكاملة، الجزء الأول، بيروت: منشورات نزار قباني، د. ت. ص 388ـ389.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244