|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نزار قباني والحديقة التي كثرت فيها الطفيليات ـــ أ.د.عبده عبود مع تراجع المشروع القوميّ العربي، وانهيار الشيوعية والإيديولوجيات اليسارية التي انتشرت في الساحة العربية من أواسط خمسينيات القرن العشرين إلى أواخره، برز دور الأديان والمذاهب الدينية، وصعد الإسلام السياسي بتياراته المختلفة، وأخذ الصراع بين الإسلام والغرب يحلّ محل الصراع بيد الرأسمالية والاشتراكية، وبصورة موازية لهذا التطوّر الخطير، الذي قرن الإسلام بالإرهاب، تعالت الأصوات المنادية بحوار الأديان والمذاهب والحضارات، بصفته بديلاً وردّاً على الصراع الدينيّ والمذهبيّ وعلى «صدام الحضارات» الذي بشّر به عالم الاجتماع الأمريكي صموئيل هنتينغتون. وهكذا تقدمت مفردتا «الحوار» و«الآخر» إلى واجهة المشهد الفكري والثقافي العربي المعاصر. وكنت شخصياً أحد المثقفين العرب الذين تفاعلوا بشدّة مع هذا التحوّل. وقد أدّى ذلك إلى ازدياد اهتمامي وحساسيتي لتجليات حوار الأديان والحضارات في الأدب. وعند قيامي بقراءة شعر نزار قباني لفت انتباهي أنّ الشاعر قد عبّر عن هذا الموضوع في قصائد كثيرة. ولا عجب في ذلك، فسورية كانت مهداً لأديان وحضارات مختلفة، وفي دمشق، المدينة التي ولد فيها نزار قباني وترعرع، يتجاور المسجد والكنيسة، وتتداخل الأحياء الإسلامية بالأحياء المسيحية. إن نزار قباني ابن مجتمع تعدّدت فيه الأديان وتعايشت. وأثناء عمله في السلك الدبلوماسي أقام الشاعر في أقطار أجنبية مختلفة، وتعرّف إلى حضاراتها، مما مكّنه من أن يعرف «الآخر» الحضاري عن قرب، بعد أن عرف «الآخر» الديني، ومما يسترعي الانتباه أنه لم يكن لنزار قباني أي مشكلة مع ذلك «الآخر»، باستثناء «الآخر» الصهيوني والاستعماري، بل كانت له منذ بدايات مسيرته الإبداعية مشكلة مع «الأنا» الديني والحضاري، أي مع بني دينه وقومه من المسلمين والعرب. ولم تكن لنزار مشكلة مع الإسلام بصفته ديناً، ولا مع العروبة بصفتها انتماءً قومياً، بل كانت له مشكلة مع الواقع الحالي للمسلمين والعرب، وهو واقع أقلّ ما يمكن أن يقال فيه هو إنه واقع مزرٍ. من المعروف أنّ التناقض بين الشاعر نزار قباني وبين الإسلام التقليدي الذي يمثّله بعض رجال الدين الإسلامي قد ظهر إلى العلن في وقت مبكّر من سيرته الأدبية. فقد رأى التيار الديني المتزمت في شعر نزار قباني دعوة إلى الإباحية وخروجاً على الأخلاق والقيم الإسلامية. ثمّ شكلت قصيدة (خبز وحشيش وقمر) المتضمّنة في مجموعة (قصائد) الصادرة سنة 1956 محطّة أخرى من محطّات ذلك التناقض الذي خرج إلى العلن. إلاّ أنّ التعبير الشعري الأكثر حدّة عن موقف نزار قباني من الإسلام التقليدي يتجلى في قصيدة «الاستجواب» المنشورة سنة 1968. تدور هذه القصيدة حول رجل شاميّ بسيط ومتديّن، أقدم على قتل إمام المسجد، لا لأنّ هذا الرجل مجرم أو عميل قذر أو شيوعي، كما ادّعى مخبرو السلطة التي تقوم باستجوابه، فهو مواطن عاديّ جداً، لم يسرق قمحة، ولا قتل نملة، ولم يدخل يوماً مخفر الشرطة: «يعرفني في حارتي الصغير والكبير، يعرفني الأطفال.. والأشجار.. والحمام.. وأنبياء الله يعرفونني عليهم الصلاة والسلام. الصلوات الخمس لا أقطعها.. يا سادتي الكرامْ وخطبة الجمعة لا تفوتني يا سادتي الكرامْ. من رُبع قرن وأنا أمارس الركوع والسجودْ أمارس القيام والقعودْ أمارس التشخيص خلف حضرة الإمامْ» (الأعمال السياسية الكاملة، ج3، بيروت 1999، ص ص132). فالرجل مسلم شديد التديّن، ترى ماذا جعله يقدم على قتل إمامٍ ظلّ يستمع إلى خطبه ويصلّي خلفه طوال ربع قرن؟ لقد قتله احتجاجاً على تحويل الناس إلى أغنام، وتعطيل عقولهم بخطبه العصماء الحافلة بالبديع والبيان، ولكنها جوفاء فارغة من أيّ مدلول مفيد. لقد انتفض هذا المسلم البسيط ضدّ ممارسة دينية عقيمة لا معنى لها، تحوّلت إلى «طاحونة ما طحنت سوى الهواء». وعلى الرغم من أنه يعرف أنّ الإعدام عقوبة من يقدم على فعلة كفعلته، فإنه يعترف بها: «بخنجري هذا الذي ترونهُ طعنته في صدره والرقبهْ طعنته في عقله المنخور مثل الخشبهْ طعنته باسمي أنا.. واسم الملايين من الأغنامْ قَتَلْت إذ قتلتهُ كلّ الصراصير التي تنشد في الظلامْ والمستريحين على أرصفة الأحلامْ قتلت إذ قتلتهُ كلّ الطفيليات في حديقة الإسلامْ كلّ الذين يطلبون الرزق من دكّانه الإسلامْ قتلتُ إذ قتلتهُ.. يا سادتي الكرامْ كلّ الذين منذ ألف عامْ يزنون بالكلامْ». إنّ الفعلة التي أقدم عليها هذا الرجل ليست موجّهة ضدّ شخص ذلك الإمام، ولا ضدّ الإسلام بحدّ ذاته، فالإسلام يوصف بالحديقة، أي روضة أو بستان، وفي الحديقة تنمو الأشجار والورود، وكلّ ما هو مفيد وجميل من النباتات. ولكنّ الإسلام حديقة كثرت فيها الطفيليات والحشائش الضارّة التي يجب استئصالها وتخليص الحديقة منها. والإسلام تحوّل إلى «دكّانة» يرتزق منها الثرثارون والكسالى والتنابل. إن قصيدة «الاستجواب» ليست دعوة إلى قتل أئمة المساجد وغيرهم من رجال الدين الإسلامي، بل دعوة إلى تخليص الإسلام من تلك الطفيليات التي علقت به وطمست حقيقته وجوهره. ومن نافل القول إنّ «الأنا»، أي المتكلم، في هذه القصيدة ليست نزار قباني بل شخص أدبي متخيَّل. ولكنّ هذه القصيدة تدلّ على عمق الهوة التي كانت قائمة بين الشاعر وبين الفئة التقليدية من رجال الدين الإسلامي، وهي هوّة ظلّت قائمة إلى آخر حياة الشاعر. الآخر المسيحيّ في المقابل نجد لدى نزار قباني انفتاحاً كبيراً على «الآخر» المسيحي. فالدين لا يجوز أن يتحوّل إلى حاجز أو «عقدة» تعيق التواصل الإنساني بين المسلم والمسيحيّ. في اليومية التاسعة عشرة من مجموعة «يوميات امرأة لا مبالية» الصادرة سنة 1968 تقول الفتاة: «خرجتُ اليومَ للشُرْفَهْ.. على الشُبَّاكِ.. جارتُنا المسيحيَّهْ تُحيّيني.. فرِحتُ لأنَّ إنساناً يُحيّيني لأنَّ يداً صباحيَّهْ يداً كمياهِ تشرينِ.. تُلوِّحُ لي.. تناديني.. أيا ربّي! متى نشفى، هُنا، من عُقدةِ الدينِ.. أليسَ الدينُ، كلُّ الدينِ، إنساناً يُحيّيني.. ويفتحُ لي ذراعيهِ.. ويحملُ غصنَ زيتونِ..» (الأعمال الشعرية الكاملة، ج1، بيروت: منشورات نزار قباني، ص613). إنّ جوهر الدين، وفقاً لهذه القصيدة، هو تعامل إنساني يقوم على اللطف والمودّة والرحمة والسلام. «وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين».. تلك هي الرسالة الحقيقية للأديان، وهي رسالة يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا في زمن ازداد فيه التعصّب الديني والمذهبي وانتشرت ظاهرة تكفير الآخر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |