جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

محامي الشيطان: نزار قباني ـــ بقلم: نهلة فيصل الأحمد

أريدك أنثى../ أريدك أنثى لتبقى الحياة على أرضنا ممكنة../ وتبقى الكواكب والأزمنة/ فما دمتِ أنثى فنحن بخير/ أريدك أنثى../ لأن الحضارة أنثى/ لأن القصيدة أنثى/ وسنبلةُ القمحِ أنثى/ وقارورة العطر أنثى/ فباسم الذين يريدون أن يكتبوا الشعر.. كوني امرأة.‏

بهذه القصيدة وبآلاف مثلها. صار نزار قباني رائداً لتيار الأنوثة Femininism بامتياز. فقد أفرد المساحة الأكبر من شعره إن لم نقل كلّه للمرأة، يخاطبها، ويتكلّم على لسانها، واضطلع على مدى خمسين عاماً ونيف بمشروع نسوي نهضوي، طرح من خلاله فهماً جديداً للأنوثة تجلى على المستويين الفكري والأدبي، مشروعٍ لم يكن ليطرحه الشعر العربي على مدارات أزمنة القول كلّها، ولم يختص به شاعر بعينه كما اختص به القباني يقول:‏

«كنتُ محامي الشيطان عنها، بقيتْ المرأة صديقتي وبقيتُ وكيلُها أمام محاكم البداية والاستئناف والتمييز... أقمت دعاوي جنائية بالجملة ضد كلّ الرجال العرب بتهمة تخويفها وتعليبها واستثمارها وإذلالها وابتزازها، ونهب ثرواتها الجسدية والعقلية».‏

انتهج القباني نهجاً حداثياً خاصاً يختلف عن حداثة معاصريه من الشعراء فلم يكتفِ برفض الإرث السلفي من خلال طرح الأسئلة فقط، ولم يسعَ إلى استبدال الرواسي القديمة بأخرى جديدة، ولم يعمل على إحاطة الإنسان بهالة قدسية وتمجيد عقله، ولم يتجه باتجاه الأسطرة والآلهة المعطّلة، بل تجاوز ذلك كلّه إلى طروحات ما بعد الحداثة Postmodernaistion، فعمل على إثارة الإشكاليات ضمن المسلمات، وقام بخلخلة الثقة بما لم يكن من قبل يقبل الشك، وأعاد اختبار الثوابت، والبدهيات «فليس ثمة مرحلة من مراحل التاريخ لم تتم فيها معاقبة نصف صالح من البشرية، وإخضاعه، باعتباره كينونة ناقصة ووضعية غريبة. كما يقول تيري إيغلتون، ويرجع ذلك إلى إيديولوجيا استندت إلى وهم ميتافيزيقي، أفرز نتائج خطيرة، أفضت بمرور الزمن إلى نوع من الثبات، فعززت المنافع المادية والنفسية التي يجنيها الرجال، ورسخت بنية معقدة من الخوف والرغبة والعدوان والمازوخية والقلق». يقول القباني:‏

ثقافتنا../ فقاقيع من الصابون والوحل/ فما زالت بداخلنا/ رواسب من (أبي جهل)/ ومازلنا/ نعيش بمنطق المفتاح والقفل/ نلفّ نساءنا بالقطن../ ونملكهن كالسّجاد../ كالأبقار في الحقل/ ونهزأ من قوارير/ بلا دين ولا عقلِ/ ونرجع آخر الليل/ نمارس حقّنا الزوجي كالثيران والخيل../‏

إن حركة الأنوثة هي المدخل الطوعي لشعر نزار، لم يدخلها خائفاً أو موارباً، بل دخلها مقاتلاً شرساً مع جيش من النساء «فتحرير المرأة على حدّ قوله ـ مثل تحرير فلسطين لا يتمّ بالتبرعات والأدعية وتقديم النذور، ولكنه يحتاج إلى عشرين فرقة انتحارية من النساء» رافعاً شعار: «أن تكوني امرأة أو لا تكوني تلك تلك المسألة» بالمعركة التي أعلنها معركة وجود، رسمت حداً فاصلاً في تاريخ الأنوثة، وعينتهُ بترسيمات جديدة هي: (الأنثى قبل شعر نزار قباني والأنثى بعد شعر نزار قباني.‏

بدا القباني مطّلعاً على تاريخ حركة الأنوثة التي ولدت في مناخ الرأسمالية السياسية والاقتصادية والليبرالية، وصاغ مفهومها تطورُ المذاهب الفلسفية من الوضعية إلى التفكيكية إضافة إلى نتائج علمي النفس والبيولوجيا التي أرست في زمننا هذا تصوراً جديداً للنساء، تقوم الرأسمالية الجديدة (المجتمع المعولم والمستهلك) باستثماره وترويجه، وخاصة مصطلحي (لجندر Gender) الجنوسة أو النوع الاجتماعي وكذلك مصطلح التوجّه الاجتماعي Sexual orientation ولم يكن القباني بعيداً عن إنجازات تيارات الأنوثة كلها الليبرالية والراديكالية والاشتراكية، ولا عن إخفاقاتها بل كان سابقاً لبعض الطروحات إن لم نقل لأغلبها.‏

من خلال قصائده توصل القباني عبر انتهاجه النقد المرتد الميتاتكست (Metatextuality) وعبر الحفر في الأنساق المعرفية إلى أن الثقافة أمر سياسي، وأن المفهوم تصنعه الثقافة عبر الصور والمعاني والرؤى، التي تحدّد من خلالها تعريف معنى «المرأة» والسيطرة عليها، فحدّد القباني بؤر التمركز الذكوري في النسق الممتد على تاريخ طويل، وَحاول عبر تسليط الضوء عليها، وإظهارها وخلخلة النسق وكشف فجوات الخطاب وازدواجية المقولات والممارسات. ولم يستسلم لما يبثّه النسق الفحولي المتجبر عبر أشكاله، وتقاليده السائدة والمهيمنة، والمثقلة بحمولاتها الثقافية، وكان جوهر العمل يتجه إلى الثقافة أولاً وإلى اللغة ثانياً، وإلى الهياكل المادية في سعي لتغيير العالم الداخلي للخبرة الجسدية والاستعمار النفسي والإسكات ثالثاً، فالثقافة متغيرة وفقاً للزمان والمكان ووفقاً لمكوناتهما الإيكولوجية.‏

اشتغل القباني على عناصر مشروعه التفكيكي، فحاول عبر قصائده تنقية مفهوم الأنوثة من رواسب العلاقات الاجتماعية ومن سلطة الأب ومن تجليات التهميش Margimalily، وهدف إلى التحرر الكلّي للأنثى من نظام التصنيف، ومن التراتبية، ومن نظام العلاقات الرمزي، الذي أحكمت حلقته سلطة الذكر المتمدد على مساحة واسعة من العقد المكبوتة، وكأن الأنثى خلقت من عناصر غير التي خلق منها الذكر. يقول نزار على لسان «امرأة لا مبالية».‏

يعود أخي من الماخور/ عند الفجر سكراناً/ يعود كأنّه السلطان من سمّاه سُلطانا؟/ ويبقى في عيون الأهل أجملنا وأغلانا../ ويبقى في ثياب العهر أطهرنا وأنقانا/ فسبحان الذي سوّاه من ضوء../ ومن فحم رخيص.. نحن سوّانا/ وسبحان الذي يمحو خطاياه ولا يمحو خطايانا.‏

عرى القباني التحيز ضد الأنثى وأثبت أن هذا التحيّز هو تحيز لغوي أيضاً، حيث كانت الأنثى تتوضع في المفردات في موضع يكرّس التصور السائد بتفوق الذكر على الأنثى، فتكشف لنا قصائده التي تفيض أنوثة أن التحيزات ليست كامنة في اللغة ذاتها، بل في سياقات إنتاجها واستخدامها، وأن تحصل المرأة على هوية إنسانية أساسية Identity essential humane ness في مجتمع ذكوري فكرة فيها الكثير من اللغة المراوغة والكثير من التفكيك يقول:‏

«إنّي أحبّك../ كي أبقى على صلة/ بالله/ بالأرض/ بالتاريخ/ بالزمن / أنتِ البلادُ التي تعطي هويَّتها/ من لا يحبّك/ يبقى دونما وطن.‏

قام القباني وفق ما يقول بـ (بريسترويكا) نزارية، فهشم النسق اللغوي القديم يقول/ وأشكّل لغةً أخرى/ فيها سرّ النار وسرُّ الماء وأضيء الزمن الآتي.‏

لم يكتف القباني بتأنيث اللغة، بل استخدم هذه اللغة في مواجهة المحرمات المتراكمة، ودعا إلى إظهار ما تم السكوت عنه في الخطاب الأنثوي، إظهار الجسد المغيب إلى السطح، والاحتفاء به عبر التعامل مع الأنثى روحاً وجسداً وتحريرها من عقدة العار والخجل، تحرير جسدها، بعد أن رماه العسف الاجتماعي بالإعاقة وكبّلهُ بالقيد، رامياً من وراء ذلك إلى تكبيل عقلها ووصمه بالقصور ليبعدها عن مركز المشاركة يقول القباني: «إنهم التاريخيون الذين يخافون من سقوط امتيازاتهم الزمنية، ويخافون أن تطبّق عليهم المرأة العربية قانون السن بالسن، والعين بالعين، فيبقون بلا عيون ولا أسنان» ويتابع «يجب أن نتوقف عن اعتبار جسد المرأة هو المعيار الأخلاقي لشهامتنا وشرفنا، فالمسؤولية الخلقية يجب أن توزّع على جسد الرجل والمرأة معاً».‏

عبر التجريب الدائم لقاموسه اللغوي، وعبر عقد علاقات جديدة ومبتكرة بين الدال والمدلول قام القباني بتغذية مخيّلة الرجل والمرأة بصور جديدة، وعلاقات جديدة، ترتكز بادئ ذي بدء على (أشياء المرأة) فكانت قصيدة الملاحم الصغيرة «قصيدة نثريات الحياة» حيث يتربع القباني على عرش الريادة فيها مبكراً، فهو أول من رفع منسوب الجمال في الأشياء وغيّر من النظرة إليها، عبر تركيزه على الأشياء الصغيرة جداً للمرأة (قلم الحمرة، منفضة السجائر، الثوب، الحذاء، السيجارة، الجورب المقطوع، ومن خلال قصائد دواوينه الأربعة الأولى من 1941-1956) وهو يؤنث اللغة والصور والعلاقة بجرأة أعوزت حركة الأنوثة العربية المتشكّلة سنة 1944 وحركة الأنوثة العالمية بأطوارها الثلاثة، كما تذكرها سارة جامبل والتي تحدد بدايتها سنة 1840م وألحق القباني عمله بعمل محوري هو «يوميات امرأة لا مبالية» ويذكر أنه كتبه في عام 1958، ولم ينشره إلا في عام 1968.‏

ويعد هذا الديوان بحق مانفيسو المرأة العربية (manifesto) فهو ثورة على وضع المرأة، وطرح جريء ومبكر لقضاياها بدءاً بالحرية ومروراً بالمساواة ومن ثم طرح قضايا الجسد، هذه القضايا التي راحت تناقشها جماعة النسوة عربياً وعالمياً بعد أكثر من ثلاثين عاماً (كالتكافؤ الجنسي، الحرمان الجنسي وحرية النوع والإشباع الجنسي والعنوسة، والتسامح الديني، وإلغاء كافة أشكال التمييز ضد الأنثى المغيبة واعتبارها كائناً كاملاً له من الحقوق ما يجب إرجاعها له).‏

تقول امرأة لا مبالية:‏

خلوت اليوم ساعات إلى جسدي/ أفكّر في قضاياه؟/ وجنّته وحُمّاه/ لقد أهملته زمناً/ ولم أعبأ بشكواه/ أسفت لأنه جسدي/ رثيت له.‏

ثم ينتقل القباني، بفيض من اللغة الأنثوية الطاغية، لوضع دستور للعلاقات الاجتماعية وإقامة علاقة صحية بين الطرفين، أدان من خلالها كثير من السلوكيات، التي لا يتحمل مسؤوليتها «الذكر» بل تلقى بكاملها على كاهل الأنثى المنهك تاريخياً. ويناقش البغاء والدعارة وتسليع الجسد ولا ينسى أن يناقش عبر «القصيدة الشريرة» «ظاهرة السحاق» فلم تكن قد نوقشت من قبل في الشعر العربي وإن كانت أخذت منحى التقنين في الغرب هي وعموم الظاهرة (الشذوذ الجنسي) مما أفرز ظاهرة الجنس المثلي والجنس الثالث من قصائد هذه المرحلة (البغي، مدنسة الحليب، إلى أجيرة).‏

وإن استخدم القباني ضمير المتكلم فليس لسبب إلاّ لأنه الصيغة الأكثر درامية فقط يقول: «المرأة ليست تشكيلاً ذهنياً ولا فكرة مجردة» ويضيف:‏

«الشهريارية أبداً لم تكن مهنتي. شعري مسرح تحركت عليه ألوف النماذج البشرية».‏

يبتعد نزار عن نبرته الحادة ويطالب بأنسنة العلاقة بين الأنثى والرجل ويعمل على اقتراح الشفافية في التعامل. ويحاول أن يدرب الرجل على حياة جديدة فيها الحنان والحب والشوق ويكتب «كتاب الحب» ولعل الكتابة للحب، هي الكتابة للخلود، وكم شاعر تمنى أن يخلّد كتاب حبّ.‏

ويحاول في ديوان «أشعار خارجة على القانون» أن يبعد موضوع الشهوة ويُنقّي العلاقة بين الطرفين ليبقى الحب الذي لا تقتله الرغبات الآنية بل يقويه الدم المتدفق في الزمن. ولا يخلو الديوان وما جاء بعده من دواوين من اتجاه صوفي ركز عليه نزار في ديوان «أحبك أحبك والبقية تأتي». فيبدأ مرحلة جديدة وهي مرحلة تأصيل الأنثى، ويقرنها بالكتابة معتمداً على إرث فلسفي تفكيكي يعيد المهمش إلى المركز وينقذ بذلك القباني الثقافة من مطب الانقياد إلى ثقافة أحادية تتسع للرجل mankind وتضيق عن ضمير الإنسانية humankind يقول: قولي أحبك/ كي تزيد وسامتي/ فبغير حبك لا أكون جميلاً/ وسينتهي العصر القديم على يدي/ وأقيم مملكة النساء بديلا. ويطلب من الأنثى بعد تمام مشروعه أن تحافظ على أنوثتها وتجلوها لأن كل الأشياء الجميلة في حياتنا أشياء أنثوية وتحلّ المرأة الأصل في الزمان والمكان هي البدء وهي الهواء وهي الختام يقول: في البدء كانت فاطمة وبعدها تكونت عناصر الأشياء/ النار والمياه والهواء/ وبعد عيني فاطمة/ اكتشف العالم سرّ الوردة السوداء/ يطلب من المرأة أن ترافقه دربه تحس وتستمع إلى عذاباته وصهيل أحزانه.‏

وأن تسير معه درب المشاركة والتوادّ فلا يمكنه تجاوز المرأة يقول: «لا أحد تجاوز المرأة إلا تحول إلى إسفنجة أو مسمار أو إلى منحرف جنسي، ولا أحد تجاوزته المرأة إلا ونشفت شرايينه وأخذ شكل القنفذ أو الحردون.‏

ويبقى نزار في ديوانيه الأخيرين (خمسون عاماً في مديح النساء 1993) و«تنويعات نزارية على مقام العشق 1996) يذكّر بإنجازاته الهائلة في حركة الأنوثة.‏

كيف كانت قبله وكيف أصبحت بعده يقول:‏

«إنني حذفت اسمها من قائمة الطعام ووضعته في قائمة الأزهار وحذفته من قائمة العقارات والأملاك المنقولة وغير المنقولة، ووضعته في قائمة الكتب التي تقرأ، وحذفت جسدها من قائمة الخراف، ووضعته في قائمة المتاحف التي تزار، والسيمفونيات التي تُسمع باختصار: كتبتُ تاريخ النساء».‏

الكثير من شعر هذا العصر سينقرض، يقول جبرا إبراهيم جبرا والكثير من الأسماء اللامعة ستُنسى ولكن اسماً واحداً من السهل على المرء أن يجزم ببقائه: نزار قباني.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244