|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
القيم المتناقضة في التلمود الأمريكي الجديد ـــ عارف الآغا بعد أن تربعت الولايات المتحدة الأمريكية على سدة الانتصار التاريخي للرأسمالية وأعلنت انتصارها الحاسم والنهائي على أعدائها ولم يعد أمامها ما تنتظره من جديد بعد أن حدث الجديد بانهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفيتي تصورت أنها أغلقت باب التاريخ فلا جديد بعد اليوم ولن يكون هناك حسب زعمها أي تطور أو تقدم فيما يتعلق بالمبادئ والعقائد والمؤسسات. فالنظام الرأسمالي الليبرالي يزحف على بقية أنحاء العالم ويشكل المرحلة النهائية للتطور العقائدي للجنس البشري، وهو النظام الأمثل والأقوى والباقي إلى آخر الزمان، وما على العالم اللاغربي إلا أن يبارك هذا التضليل ويتبناه ويستعد للتكيف معه والخضوع لضروراته ومصالحه الحيوية لما يقدمه للبشرية من قيم كالحرية والديمقراطية واقتصاد السوق. «نحن القوة الأعظم في العالم» هكذا يهتف فوكوياما ومن قبله الجنرال كولن باول بقوله: «علينا أن ننسى ما كنا نقوم به طوال الأربعين عاماً الماضية وأعني بذلك تخطيطنا المستمر لمواجهة أخطار بعينها، فنحن في الواقع لا نملك الآن رفاهية وجود مثل هذه الأخطار حتى نخطط لمواجهتها، نحن الآن القوة الأعظم، واللاعب الرئيس على المسرح الدولي وكل ما يجب علينا أن نفكر فيه الآن مسؤوليتنا عن العالم بأسره ومصالحنا التي تشمل هذا العالم كله». إن هذا التعالي المميت كما يصفه رواد الحضارة الغربية أنفسهم يحمل في ثناياه نذر شر للبشرية جمعاء، وهو في واقع الأمر ليس وليد اليوم فجذوره ممتدة في عمق الفكر والثقافة الغربية. فالتصور العام للبشرية ظل ينسب أولاً وأخيراً إلى أوروبا الصناعية التي أصبحت مقياساً تتم على أساسه غربلة وتصفية باقي التاريخ البشري كله، تماماً مثلما وقعت تصفية المجتمعات اللاأوروبية منذ القرن الثامن عشر على يد الرجل الأبيض، أي مع بداية تأسيس النهب الأوروبي للعالم، والاستعمار كشكل بدائي لهذا التأسيس، أبرز بصورة جلية العلاقة المتوازنة والمتلازمة بين المستوى النظري للتصفية التاريخية للإنسانية نسبة إلى المقياس الأوروبي وبين المستوى التطبيقي، أي التصفية الجسدية للأفراد والبنى الاجتماعية للشعوب المنهوبة، وهذا يتشابه فكرياً مع نظرة ماركس لحق الهند والجزائر في تقرير مصيرهما إزاء استيلاء جيوش فرنسا وإنكلترا عليهما حيث يرى «أن لا حقوق أمام تقدم التاريخ»، أي أن استيلاء بريطانيا على الهند يتماشى والصيرورة التاريخية للإنسان الاقتصادي، ويتشابه راهناً إلى حد بعيد مع تدمير العراق حيث لا حقوق له في السيطرة على ثرواته النفطية التي تشكل عصب النمو الاقتصادي للعالم الغربي. إن قيمتا الديمقراطية واقتصاد السوق وهما على رأس قيم الغرب الأخرى تمثلان الأساس التوأم للحضارة الأمريكية الأوروبية، وهما مرتبطتان إلى حد بعيد بالمفهوم الأساسي للملكية الخاصة وللرأسمالية الليبرالية التي ترى فيهما قوة الدفع وراء العديد من إنجازات الجنس البشري، وينبغي فرض هاتين القيمتين على العالم أجمع، وأصبحتا في الواقع الشرط المسبق لانخراط أية أمة في المجتمع الدولي أو لحصولها على مساعدات مؤسسات المال الدولية. وإذا تجاوزنا حقيقة أن هاتين القيمتين لا تحتملان التطبيق وتواجهان معارضة شديدة في أماكن كثيرة في العالم فهما غير قادرتين على أن تشكلا قيماً حضارية عالمية وتحملان في داخلهما بذور فنائهما، وفيهما من العيوب والثغرات ما يشير إلى واقع تصدع بناء الحضارة الغربية وتفككها تدريجياً وشيئاً فشيئاً تدمر نفسها. فهاتان القيمتان كفيلتان بتقويض بعضهما أكثر من توافقهما ودعم إحداهما الأخرى. إن التناقضات بينهما تنبئ بالتفسخ التدريجي لقوام وبنى تلك الحضارة التي تحمل بذور تدمير نفسها وانهيارها. ومن الواضح أن هاتين القيمتين تنبئان بنذر احتضارهما مهما حاول الغرب ترميم عيوبهما وسد الثغرات في بنائهما وتجاوز تناقضهما. فليس هناك حضارة مهما بلغت قوتها ومهما كان تفوقها قد وجدت لتبقى، فعلى الرغم من كل شيء قد تجد الوسائل والقدرة لإطالة أمد وجودها لكنها ستواجه نهايتها المحتمة. إن التزاوج بين الديمقراطية واقتصاد السوق يعاني من عيوب وإشكالات وتناقضات لا سبيل إلى تلافيها، فالتناقض الأول يكمن في التناقضات المتأصلة بين هاتين القيمتين واستحالة عملهما معاً. إنهما في واقع الأمر تعملان بصورة تصادمية أكثر منها تآلفية، وكل منهما يعمل ضد الآخر ويقوضه. فتبرز جلية تلك التناقضات في طبيعة كل منهما، فالديمقراطية تسعى للارتقاء بالفرد وتعزيز حريته ودوره في الحياة الاجتماعية بينما يسعى اقتصاد السوق في خط معاكس وعلى نحو يهمش الفرد ويسلبه إنسانيته ويحوله إلى سلعة ذات مواصفات معينة يتطلبها السوق الذي يقذف إلى عالم البطالة من ناحية أخرى بالملايين من الأفراد الذين يتمتعون بحق المواطنة لكنهم يعانون الفقر والحرمان والاستلاب. أما التناقض الثاني فيتجلى في جشع اقتصاد السوق القائم على المنافسة والأنانية وتدمير الآخر بينما تستهدف الديمقراطية تعزيز كيان الفرد وإقامة مجتمع قادر على تحسين أداء الفرد داخله عبر مؤسسات حزبية واجتماعية تسعى لتقريب وجهات النظر بين الأفراد لا خلق نزعات أنانية شرسة تعمل على تقويض أسس المجتمع بدل أن توحد أفراده وتحدد دورهم ومسؤولياتهم في إطاره. التناقض الثالث قائم على أساس أن الديمقراطية تنطلق من قبول الأقلية بقرار الأكثرية بينما نرى اقتصاد السوق يمثل طغمة من الأقلية الثرية تتحكم بقرار الأكثرية وتحتكر القرار السياسي حيث تتمركز السلطة في أيدي نخبة صغيرة نسبياً تعمل على إخلال التوازن البنيوي في تنظيم المجتمع وعلى تدمير التوازن النفسي والاجتماعي للفرد في عملية السيطرة والاستلاب. ويكمن التناقض الرابع في هاتين القيمتين في الصراع فيما بينهما الذي يحمل في داخله بذور دمارهما، ذلك لأن كلاً من الديمقراطية واقتصاد السوق يقومان على مبدأ الخيارات المتعاكسة سواء في مجال القادة السياسيين أو البضائع الاستهلاكية أو التكنولوجية أو في المنحى الثقافي. ولا يستطيع المزيج المكون منهما أن يوفر أية أسس لحضارة تدوم، فالصراع المتأصل بينهما يفترض نفي أحدهما الآخر. ومما لا شك فيه أن جميع المؤشرات تدل على تعاظم هيمنة اقتصاد السوق وتأثيره الأكثر دينامية على تعاليم الديمقراطية. والمرجح أن يتحكم اقتصاد السوق بكافة مناحي الحياة العامة بدءاً من حماية الشرطة للمواطنين وانتهاء بانتصار حقوق الاقتصاد الموحد على حقوق الإنسان، وسوف يسهم هذا الانتصار بإضعاف الدولة القومية التقليدية وبظهور الشركات العملاقة والكيانات اللادولية العدوانية والكيانات اللاشرعية كالمافيات وكارتلات المخدرات والأسلحة وما شاكلها والتي ستفتح الباب واسعاً أمام دكتاتورية السوق،وسيعتبر الاستبداد الذي يرافقها الحلقة الأولى في سقوط الحضارة الغربية وانهيارها. أما على المستوى الدولي فهي قيم غير قابلة للتطبيق حتى من قبل دعاتها وممثليها على وجه التحديد. فهل يمكن على سبيل المثال أن يتصور الغرب وعلى رأسه أمريكا أن تطبق الديمقراطية في الأمم المتحدة حيث تخضع الأقلية في الجمعية العامة إلى الأغلبية، وهل يمكن تصور مجلس الأمن دون فيتو الدول الكبرى وتطبق فيه مفاهيم الديمقراطية الغربية؟ وهل يمكن تصور غرب يمارس سياسة مبادئ السوق الحرة في مجالات العدالة وتدعيم القانون الدولي والأمن الوطني؟ أو حتى في الاتصالات وتدفق المعلومات؟ الديمقراطية الغربية آخذة بالأفول وهي تتراجع إلى الخلف مفسحة الطريق أمام آليات السوق والفساد لتحل محلها فتتشكل تلقائياً دكتاتوريات من نوع خاص دكتاتورية السوق التي تحول السياسة والثقافة والتراث وكل القيم الإنسانية النبيلة الأخرى إلى سلع معروضة للبيع والشراء. إن هذه القيم الغربية مشبعة بروح التعالي والعنصرية ومدعومة بسلطان القوة الغاشمة ورأس المال المتوحش. إنها المخالب التي تغرسها في لحم الحضارات والأمم الأخرى لتجهز عليها وتسلبها سيادتها وأمنها وتنهب ثرواتها، إنها قيم المنافسة الشرسة التي يأكل فيها الأسرع الأبطأ والأقوى الأضعف والأغنى الأفقر أو الأقل غنى. إنها قيم دكتاتورية السوق التي تبشر بإمكانية انهيار الحضارة الأمريكية، فعلى المستوى الداخلي تعمل هذه الدكتاتورية على استبدال الإناء الأمريكي المتناغم بمركب هجين وغير فاعل عماده المنفعة الذاتية، وعلى المستوى الدولي لا تخلق المزيد من الكراهية والعداء لأمريكا فحسب بل تعرّض للسقوط الركائز الإيديولوجية التي تسوغ لأمريكا استمرار سعيها للسيطرة على العالم. لم تحن نهاية التاريخ بعد ولن تستمر أمريكا طويلاً لاعباً رئيساً وحيداً على المسرح الدولي ذلك لأن فلسفة التمايز بالقوة وازدراء الآخر والمحافظة على القبيلة البيضاء باعتبارها حقيقة وما عداها وهم ليس سوى تجسيد لصراع قديم يتجدد بصيغ وأشكال ومضامين جديدة ولن يكون التلمود الأمريكي بيت السعادة الإنسانية المطلقة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |