جريدة الاسبوع الادبي العدد 1109 تاريخ 28/6/2008
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الكاتب الفرنسي الكبير رومان رولان Romain Rolland عاشق الهند وصديق المهاتما غاندي ـــ د.كمال فوزي الشرابي

مقدمة:‏

ورد في معجم لاروس الفرنسي الصغير عن رومان رولان مايلي: «ولد عام 1866 وتوفي عام 1944، اتجه في البدء إلى تأليف سير لبعض عظماء الأعلام كبتهوفن وتولستوي، كما اعتنق النزعة الإنسانية المسالمة، ثم أصبح مؤيداً للنظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي، وكل ذلك نراه واضحاً في عمله الروائي (جان كريستوف 1904 ـ 1912)، وعمله المسرحي (مسرح الثورة)... أسس مجلة (أوروبا) في العام 1923 حاز جائزة نوبل للآداب عام 1915».‏

زار رومان رولان الهند وأحبها، وعنها ألَّف خمسة كتب قيمة هي: (1) المهاتما غاندي. (2) دراسة حول التصوف والعمل في الهند الحية ـ حياة راما كريشنا(1) ـ (3) حياة فيف كانندا والإنجيل الكوني (4) يوميات من الهند. (5) الرحلة الباطنية.‏

رجل السلام والمحبة:‏

بعد أن اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 انسحب رومان رولان إلى سويسرا حيث عاش وعمل في منظمة الصليب الأحمر الدولية بعيداً عن كوارث الحرب وآلامها معتبراً «أن الفكر الأوروبي قد فقد سمات استدلاله». وأن من الضروري تجديده بوقت عاجل. كيف السبيل إلى ذلك مادامت القوى الإمبريالية قد عملت على تدمير حضاراتٍ بأكملها؟ بلى، هناك طريقة هي الاعتماد من الآن فصاعداً على النخبة الفكرية والنخبة الروحية ممن نستطيع أن نسميهم «الباحثين عن الحقيقة». وكتب في آب 1919، إلى الشاعر الهندي الكبير رابندرانات طاغور: «إن أوروبا تحتاج من أجل إنقاذها إلى الالتفات نحو آسيا وما لديها من ينابيع روحانية غير معروفة جيداً»..‏

مقدمة لكتاب (رقصة شيفا) (2):‏

في العام 1922 كتب رومان رولان مقدمة للسِفْر الهندي (رقصة شيفا) بعد أن ترجمته عن الإنكليزية شقيقته مادلين، في هذه المقدمة يحضُّ فرنسا على التنبه إلى ما سماها «رسالة الهند»، ولكن أية هند؟.. هي الهند الروحانية الحديثة التي تنادي بأنها تفسر، وبخاصة من خلال شيفا ـ إله التدمير والإحياء ـ مكانة الإنسان ومهمته في العالم. إن شيفا هو القوة الإيجابية في انفتاحها على إدراك مدى الهوة التي تفصل الإنساني عن الإلهي، والتي تدفع الإنسان إلى التصعيد.‏

في هذا الكتاب من الدراسات الذي ألفه مستشرق هندي اسمه أناندا كوماراس وامي، وهو في الوقت ذاته عالم لسانيات وفيلسوف ومتخصص بتاريخ الفنون، ما سحر رومان رولان هو اليقظة الداخلية أو الجوانية حين يجريها المرء على نفسه من حيث التضحية بكل النزعات الأنانية، ومن حيث التقشف وما في ذلك كله من مكافأة يحصل عليها، وتتلخص في اكتساب توازن مع الإيقاع الكوني والعثور على الوحدة العضوية مع الكون الكبير.‏

لقاؤه مع المهاتما غاندي:‏

في تلك الحقبة، بدأ إعجابه بزعيم الهند الأكبر المهاتما غاندي وبأفكاره يزداد. ولكثرة ما سحره بسموه الأخلاقي سماه مع بقية البشر «قديس الهند»، معتقداً أن تعاليم هذا الرسول ـ رسول الهيمسا أي اللا عنف الذي لا يفرُّ، ولكنه يقاوم ـ «قابلة لأن تفتدي كل الجرائم التي أثقل بها الغرب كاهله».‏

في العام 1923 رسم له صورة أدبية وسياسية في مجلته (أوروبا) وقد أنشئت حديثاً، ويظهر فيها المهاتما غاندي مناضلاً ومصارعاً لا يجارى، ولعل هذه الدراسة هي من أوائل الدراسات في فرنسا عن الهند الحديثة، تماشياً مع ماكانت تقوم به الطليعة الهندية السياسية المثقفة من دراسات ومقالات في كفاحها الوطني ضد الإنكليز.‏

كتابان جديدان:‏

ثم انصرف رومان رولان إلى تأليف سيرتين ذاتيتين اعتبر صاحيهما مثاليين: الأولى في العام 1929 وعنوانها: (دراسة حول التصوف والعمل في الهند الحية ـ حياة راما كريشنا ـ). والثانية في العام 1930 وعنوانها: (حياة فيف كانندا والإنجيل الكوني)، ماذا تراه أفاد من حكمة هؤلاء البراهمة؟... إنهم يدعون إلى وحدة الإنساني في خلق دائم التجدد، ويرون أن النشوة التي تهدف إليها ممارسة اليوغا، إذا كانت تسمح بأن تؤدي إلى معرفة المايا ـ أي أمنا الطبيعة ـ فإنها لا تؤدي إلى استبعاد الواقع الأرضي بل على العكس إلى فهم هذا الواقع الأرضي فهماً أفضل ومحاولة التأثير فيه.‏

«إذا أردت أن تلقى الإله فساعد الإنسان». ذاك هو التعليم الذي يستمده من الفيف كاننده تلميذ راما كريشنا، وهو أحد أوائل المعلمين في القرن التاسع عشر الداعين لإعادة تخصص النظرية الهندوسية بمحاولة تحويلها إلى نظرية أكثر قبولاً من العالم الذي يسير في طريق التحويل. وهكذا فإن الروحانية الهندوسية تبدو له قادرة على أن تحفز إلى العمل لتساعد في التغييرات السياسية بدلاً من تجمع صفوف معتنقيها في وضع تأملي. وعلى هذا فإن تعليمها يبدو في نظره متناغماً مع نظرية تطالب بثورة في هيكليات المجتمع سواء كانت بناء طبقة اجتماعية أو إقامة نزعة فردية جديدة.‏

الرحلة الداخلية‏

أو الباطنية لديه:‏

في وصيته حول تجارب «حياته الثقافية التي أطلق عليها اسم الرحلة الداخلية أو الباطنية»، وقد أنهاها في أيلول 1940، يأسف رومان رولان لأنه لم يطلع إطلاعاً كافياً على كتابات الفيلسوف الألماني الكبير شوبنهاور «أقرب المفكرين الأوروبيين إلى الهند وأكثر من غذتهم الهند»، على أنه مالبث أن تعزى بسهولة عن هذا «النسيان المثير للحزن»، ذلك لأنه لم يجد في بوذا «الوحي الذي وجده شوبنهور والألوف من الألمان فيه» لقد جذبته البوذية لأنها ظهرت له «قريبة جداً من المسيحية العقلانية ومن البروتستانتية وملأى كثيراً بتشاؤم جذري واعتقاد مبدئي بعذاب الحياة».‏

وإذا اعترف بأنه قد تغذى هو أيضاً من آلام العالم، فإن «إهراءات الشرق» بخاصة قد أغنته، كما يشرح لنا، بما سبق أن حمله في نفسه وأعني الحاجة الصوفية إلى أن يوافق «تنوع الحياة مع ديمومة الإيقاع الذي يقود تيار الكائنات إلى الوحدة». وأن تكون أوروبا منفصلة عن آسيا بينما نجد أن إحداهما قد غذت الأخرى روحياً خلال عصور»، فإن ذلك كان يشكل بالنسبة إليه تشويهاً كان يشعر بأنه جرح شخصي في أعماقه، وعلى هذا انطلق طلباً لـ «مرعى» لا مع قطيع المنتسبين مجدداً والمتحمسين للمبادئ البوذية، بل منفرداً يستمد تعاليم الهند البراهمانية بصرف ا لنظر عن أي اعتناق ديني، آملاً أن يهيئ في أوروبا للأفراد إصلاحاً فكرياً.‏

بعد ست أو سبع سنوات تجلت خيبته واضحة فيما يتعلق بعالمية غاندي: قد يكون اللا عنف فعالاً في تحرير شعوب الهند من نيرها، إلا أنه لا يشكل سوى وهم بالنسبة إلى شعوب أوروبا، وبعد مدة قليلة لم تلبث نجاحات التوافق مع هتلر وموسوليني أن أخرجته من «رحاب حلمه الهندي الكبير»، وهكذا تخلى كل من الفكر الفلسفي الهندي والروحانية الهندية نهائياً عن مضمار مايبغيانه من تطلعات.‏

وفي العام 1933 كتب مقالين عن الهند في مجلته (أوروبا) بدون أي تعليق عقائدي وإنما لكي يفضح «الاستغلال اللا محدود»... الذي تمارسه الإمبراطورية البريطانية وما تلجأ إليه من «أشكال للعنف حقيرة» في سحق كل مطالبة بالاستقلال (2).‏

وهكذا تخلى رومان رولان عن موروثه الثقافي الهندي إلى بعض المغامرين ا لنادرين الذين ظلوا متمسكين بأمل إنقاذ أوروبا من الحركات الفاشية الصاعدة. وشكَّل هذا الموروث طريقاً لإغناء الخيال لدى بعض الباحثين عن المطلق، نذكر منهم الكاتبين بيير مينيه وروجيه فايان، والشاعر رينيه رومان الذي قرر أن يدرس اللغة السنسكريتية لكي يحسن التعمق في فهم النصوص المقدسة. نذكر أيضاً شاعراً فرنسياً ذا نزعة إنسانية هو جوزيف لانزادل فاستو وقد أصدر عن الهند عام 1943 كتاباً عنوانه (الحج إلى المنابع).‏

والواقع أن الهند الروحانية ستكون قبل كل شيء ولمدة طويلة في فرنسا. دليلنا على ذلك هذه المحاضرات التي استمر جوزيف لانزادل فاستو، بلا كلل ولا ملل، في إلقائها مقتفياً أثر المهاتما غاندي ومتأثراً بمثاله ومثاليته. ولقد تمكن هذا المعلم الكبير من أن يجمع حوله عدداً لا يستهان به من مريديه والمؤمنين بفكرة اللا عنف التي استمدها من غاندي. وبقي يرفع لواء الدعوة إلى المحبة والسلام بين البشر حتى وفاته في العام 1981.‏

ولابد من الإشارة إلى أن هذا الشاعر الإنساني كان ينشر تعاليمه بأشكال مختلفة مستمدة من الهند، نذكر منها اليوغا، والهاتايوغا، ويقوم هذا التعليم الأخير على مجموعة من التمارين البدنية والتأملات الذهنية، وقد أنشأه كاهن برهمي في القرن الخامس عشر. والهدف من كل ذلك أن يصل الممارسون لهذه التمارين إلى سيطرة التوازن بين أجسادهم وأفكارهم لينعموا بحياة هادئة ومسالمة وطويلة.‏

خاتمة:‏

وأخيراً، ألا يحق لنا، وقد تحدثنا عن اللا عنف، أن نتساءل: إلى متى تدوم سياسة العنف والإجرام في أماكن متعددة من العالم؟ أما آن لمن بأيديهم مقاليد الأمور في العالم بأسره أن يسلكوا طرقاً أخرى غير طرق الحرب والاحتلال والإرهاب والإفقار والإبادة؟ وأما آن لحمائم السلام أن تنطلق وتحط وفي مناقيرها أغصان الزيتون المباركة لتنعم البشرية بما تتطلع إليه من كرامة وعدالة ومحبة وازدهار؟..‏

هوامش:‏

(1) شيفا: أحد عظماء الآلهة الثلاثة في الديانة الهندوسية مع الإله براهما والإله فيشنو، ويرمز شيفا إلى قوى التدمير وبخاصة منها قوة الزمن التي تزيل أو تفني كل شيء وبذلك تقوم بعملي الأحياء والتجديد.‏

(2) راما كريشنا: كاهن برهمي بنغالي، ولد عام 1816 وتوفي عام 1886، أي أنه عاش سبعين سنة. سلك حياة النسك والزهد والتقشف. ادعى أنه شاهد النبيين عيسى ومحمد عليهما السلام، الأمر الذي دعاه إلى التبشير بوحدة الأديان جميعاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244