|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
«السفر إلى حيث يبكي القمر» رواية نسوية واجتماعية وتربوية بامتياز ـــ محمود الوهب الرواية إنّها الرواية الأولى للكاتبة سهى جلال جودت وقد صدرت في العام 2004 عن اتحاد الكتاب العرب. بيئة الرواية اختارت الكاتبة موضوع روايتها من عمق البيئة الحلبية على الصعيدين الاجتماعي والشعبي.. وهي بيئة الغالبية العظمى من سكان المدن الكبرى الذين يقع عليهم وحدهم جور المدن وظلمها، على الرغم من أنهم وحدهم، من يمنح تلك المدن روحها ومعانيها..! والبيئة المختارة غنية جداً، إذ تساهم بما تزخر به من فقر وبؤس تسمح بالدخول إلى عوالم النفس البشرية التي تعيش حالات توتر دائمة لكثرة معاناتها مرارة العيش وقسوة الحرمان، وما يمكن أن يستقر في دهاليزها من بؤر للحقد والغضب، قد لا تجد الطرق المناسبة لامتصاصها وتهدئتها، أو هي لا تجد التعبير السليم عمّا يعتريها من هواجس وأحلام لتغيير واقعها على نحو أمثل، فتنعكس تصرفات حمقاء ظالمة يمارسها الإنسان، ربما، ضد أقرب الناس إليه.. وربما ساهمت، أحياناً، نزعة الأنا الفردية، بما تنطوي عليها، من سطوة وتسلط، في زيادة حدتها ووقعها على النفوس البشرية الغضة..! مسارات الرواية وانتماءاتها إنّ القارئ المتذوق، ولا أقول الناقد، يمكنه أن يلحظ بسهولة تخصص الرواية هذه، أو انتماءها إلى نوع محدد من الروايات. فهو يدرجها مباشرة، ودونما عناء، تحت ثلاثة عناوين رئيسة. فهي أولاً رواية اجتماعية بامتياز. إذ لم تخرج من ألفها إلى يائها عن حدثها الاجتماعي الرئيس. وهو الصراع، إن جاز لنا أن نسميه صراعاً، ذاك الذي يجد مناخه المناسب لنموّ الحدث، وتصاعده بيسر في مثل تلك البيئة التي تحيط بأحدث الرواية.. إنّه الصراع الاجتماعي التقليدي بين الحماة والكنة.. الذي لا يمكن له، فيما أتصوّر أنا على الأقل، أن يتسبب، بمآس اجتماعية كبيرة كالتي قادت إليها أحداث الرواية..! إن لم يكن مرتبطاً على نحو مباشر بقضايا اقتصادية ومعيشية، ولعلّ الرواية لم تشر إلى ذلك مباشرة، أو لم تؤكده، على الرغم من إحساس القارئ به من خلال السياقات السردية العامة. لقد كان هاجس الرواية، بل الكاتبة، تسليط الضوء على الأب الزوج المهمل أو المتعمد إهمال أسرته..! لقد ربطت الرواية كلّ مشكلات أبطالها والأحداث التي يعيشونها، وتفرعاتها المختلفة بالأب الزوج الذي يمكّنه دخله من تحقيق حياة مستقرة نسبياً، وإن في حدودها الدنيا، إلى أسرته. لكنّه لم يفعل ذلك بسبب نزواته الجنسية، وربما لأسباب أخرى لها علاقة بزواجه، وبموقفه غير الموضوعي من امرأته، وبتأييده لأمّه في نزاعها مع كنتها. وهذا ما يخوّلنا الدخول، بكل ثقة، إلى عنوان الرواية الثاني القائل بأنّها رواية نسوية بامتياز أيضاً، ليس لأن مؤلفتها امرأة، بل لأن قضية المرأة ومشكلاتها الخاصة جداً حاضرةٌ في الرواية سواء في أسباب الصراع ونشوئه، أم في سياقاته وتفرعاته ونتائجه المستخلصة. إنّ الكثير من التفاصيل التي سردتها الكاتبة لا يلتقطها إلا الحس الأنثوي سواء ما كان له صلة بعلاقة الرجل بالمرأة العاطفية والإنسانية، أم ما كان له علاقة بالأولاد وعالم الأمومة المشبع بالنزعات الإنسانية. أما عنوان الرواية الثالث والأخير فهو الذي يدرجها في إطار الروايات التربوية، لا لأن الكاتبة أيضاً، قد أشارت إلى ذلك في مقدمتها، مستشهدة بقول لابن القيّم الجوزية: «وأكثر الأولاد إنمّا جاء فسادهم من الآباء وإهمالهم لهم...» بل لأن أحداث الرواية قد سلّطت الضوء على علاقة الأب بأسرته، فأنكرت عليه انشغاله بنفسه، وأدانت إهماله بيته وأولاده، ما أدى إلى تفكك الأسرة، وتشرّد بطلها اليافع، ودفعه، من بعد، كلّ مستحقات التشرد بما في ذلك انتهاؤه إلى السجن، فالموت حرقاً، إضافة إلى موت الطفل شقيق البطل الذي ظلت ذكراه ملازمة لمخيلة البطل وروحه مساهمة في تعميق أزمته..! وكل تلك الأحداث وقعت بعد أن هجر الأب زوجته أمَّ أولاده وتركها لمآسيها المريرة..! واقعية الرواية منحتها قوّة إنّ موضوع الرواية بأبعاده الثلاثة هذه قد منح الرواية قوة خاصة أو مزايا كثيرة قادرة على تحريض المشاعر الإنسانية واستثارتها لدى القارئ، ولعلي لا أجافي الحقيقة إن قلت بأنّ موضوع الرواية شديد الصلة بحياتنا، وبحياة الكاتبة ربما. يشير إلى ذلك كثافة الجانب الواقعي وحضوره الطاغي.. وتراجع الجانب التخييلي.. على الرغم من قوة عنصر التشويق الذي بدا من خلال ترابط الأحداث وتناسلها من بعضها على نحو عفوي، وكذلك بالعلاقات القائمة بين الشخوص على اتساع الأمكنة وامتداد الأزمنة، أي أنّ ثمة نسيجاً سردياً محكماً، ما ينمّ عن خبرة عميقة في فن القصّ وبنائه، فالقدرة على تطويع الحدث العادي ونقله إلى المجال الروائي واضحة في أكثر من جانب في الرواية. بعض السقطات السردية على الرغم مما ذكرته ومن المتعة التي تقدمها الرواية إلا أنني كقارئ متذوق للأعمال الروائية يمكنني أن آخذ على الرواية بعض الهنات، إن لم أقل أنّ نوعاً من الضعف، ربما، رأيته يتسلل إلى الرواية، من جانبين اثنين الأول: من البؤرة الرئيسة لبنائها الفكري، هذه البؤرة التي جعلتها الكاتبة، فيما رأيت، أساساً لكل الأحداث الجزئية التي دمرت بطلها في النهاية على نحو فجائعي غريب. وما البؤرة التي أعنيها إلا ذلك الخلاف الذي ينشأ في العادة بين الكنة والحماة كما أسلفت..! وأتساءل هل يمكننا الركون إلى هذا الأمر الغريزي، إن صح التعبير، والتسليم بحقيقة ما يسمى بكره الحماة للكنة من غير أن نربط ذلك الكره بأمور أكثر إقناعاً لولادة تلك الأحداث الهائلة التي أتت جسدتها الرواية على نحو ممتع ومشوق..!؟ إنني، في الحقيقة لم ألمح المبررات الكافية.. المبررات التي يمكننا قراءة جذورها في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. اللهم إذا استثنينا بعض الإشارات منها بخل الأب وعدم تلبيته، على الرغم من مقدرته النسبية، حاجات بيته الضرورية الاجتماعية أو الاقتصادية..! ربما يشفع للكاتبة سعيها الدائم في عملها الروائي هذا نحو تعميق رؤيتها وهي تدين مجتمعنا الذكوري الذي يعج بالمظالم. ولعلي هنا أنقاد إلى رؤية أنّ الكاتبة كانت أمينة فيما يبدو لحدث أو أحداث التقطتها من الواقع المعيش وهذا أمر طبيعي.. لكنّني أتصور أن الرواية كانت ستحلق أكثر لو أنّ الروائية أخضعت ذلك الحدث أو تلك الأحداث إلى كيمياء مطبخها الروائي وأعطت مسألة ما يسمى بالنمذجة استحقاقها المطلوب.. لكنها لم تفعل إذ بقيت ضغط رؤيتها وربما معاناتها قسوة المجتمع الذكوري وتجنيه الظالم.. كما ألمحت إلى ذلك..! أما خلل الجانب الآخر، أو ضعفه، فيكمن في اللغة والأسلوب، بحسب ما أرى، إذ أن عمق شعور الكاتبة بضخامة المأساة التي قامت بتصويرها في الرواية.. جعل لديها هاجساً لغوياً محدداً غايته الوصول إلى جوهر المعاناة وحقيقتها.. لكن بواسطة اللغة لا عبر السرد ونثرياته الحكائية العادية.. الأمر الذي قادها في النهاية إلى عكس ما ذهبت إليه تماماً.. وسوف أورد بعض الأمثلة من الرواية وأبدأ بالعبارة التي تصف معاناة الكنّة من تطاول الحماة وبذاءتها وقد جاءت على لسان البطل اليافع الذي لم يكمل تعليمه الإعدادي بعد: «أمام ذلك التجريح، تنسفح دماء أمي وتنزوي في مطبخها، وهي تمضغ بلوى أحزانها المنطمرة في صدرها..» ص /31/ وأيضاً: «رجوتها بثغاء من دموع ذرفتها عيناي..» ص /57/. كما أنّ الشرح، أحياناً، والإضافات المؤكدة التي جاءت في غير مكانها جعلت القارئ يفتقد متعة التخيل أو التأويل التي تولّدها العبارات الموحية ذات الدلالات البعيدة: «ولولا خوفي من تجريم تلميذ لا يقصد إساءة، لقذفت بنفسي بين أحضانها باكياً..» فلو كانت الكاتبة، هنا، اكتفت بهذه العبارة ذات الدلالة الواضحة التي تشير إلى حرمان الطفل من الحنان، وإلى رغبته الدفينة في البحث عن حضنٍ دافئ يعوضه حرمانه حضن أمه.. لحققت نجاحاً رائعاً.. لكن الكاتبة لم تتوقف، بل استمرت في الشرح لتجرد، ربما دون قصد، عباراتها من إيحاءاتها ودلالاتها التي يتلمسها القارئ الذواق، إذ أضافت: «ألتمس بعض حنان أفتقده» ومثل ذلك موجود في الرواية. إنّ موضوع الرواية الاجتماعي في تفرعات أحداثه وامتداداتها الواسعة إلى أماكن وأزمنة تعجّ بحركة الحياة، وما تتسم بها من صوت وصمت وروائح مختلفة، منح الرواية شرطها الأول، واستطاع الإمساك بالقارئ ذهناً وروحاً، وقاده إلى متابعة الأحداث بشوق ومتعة، وصولاً إلى ما ستؤول إليه في النهاية من نتائج..! فالأماكن الكثيرة المتنوعة كالبيت والدكان والشارع والسطح والمخفر والمقبرة والمغارة والسجن والحديقة والبحر والمطعم والفندق وكذلك الزمن بليله ونهاره ونموِّ الأحداث والأبطال من خلاله، إضافة إلى الصخب بشقيه الداخلي والخارجي وتلك الرائحة المقرفة.. رائحة قويق التي كانت، ربما، رمزاً لحياة البطل البائسة على مدى الرواية.. إضافة إلى الأشخاص الإشكاليين الذين يتحركون بحرية في رحابة ذلك الفضاء الروائي المتسع حقاً، يعطي الرواية أبعادها ويحقق شروطها الروائية. وزلات لغوية إن المتعة التي توفرّها الرواية للقارئ، لن تمنعني من ذكر بعض السقطات اللغوية التي أفقدت الرواية بعض نكهتها وقللت، ربما، من قيمتها الأدبية.. ولعلَّ القارئ الذواق يتأذى كثيراً حين يلمح مثل تلك السقطات فأمّا عن نفسي أقول: إن أكثر من تأذيت منه، أو تأذى ذوقي منه، هو حشر الكاتبة حرف الواو (وللأمانة أقول: إنّ هذا الأمر هو سمة عامة لدى الكثير من الكتاب المعاصرين) على الطالع والنازل، إلى درجة أنني حرت في الموقع الإعرابي لتلك الواو، وخصوصاً حين تدخلها الكاتبة على الاسم الموصول الذي أو التي الواقعين صفة. ناهيك بثقل حرف الواو وبروزه حجر عثرة أمام حركة اللغة وانسيابيتها، ومن ذلك هذه الجملة: «لأنها بقيت محفورة على أفنان الروح المتكسرة، تؤلمني بمرار إفرازات عصارات العلقم، والتي لم أستطع دفنها وما استطعت». ويمكن للقارئ أن يلاحظ أموراً أخرى في هذه العبارة الشاهد، ولكنني قصدت الواو هنا فقط، ومثلها أيضاً: «بشعرها الناعس الدامس والذي كان ينوس على المنكبين..». ويمكنني أن آتي بأمثلة أخرى كثيرة، غير الواو، ربما رغبت الكاتبة بإظهار معان جديدة قد تعطي الرواية نكهة خاصة لكنها في تقديري لم توفق كثيراً ولعلّها أفسدت المعنى والذوق معاً، ولنتمعن في هذه العبارة: «ومن الصدمة المفاجئة هربت الدماء البيضاء من صدرها مما اضطر والدي إلى إصابته بلعنة تنضاف إلى كذا وكذا». لقد أطلقت الكاتبة هنا كلمة الدماء على الحليب فسمت الشيء بما يؤول إليه، فالحليب يصير دماً، كما الخبز أو أي طعام آخر، ولكن لنلاحظ هنا تأثير كل من الكلمتين على ذهنية القارئ نفسه.. إنّ عبارة «حليب الأم» تقود الذهن والخيال أيضاً إلى عوالم الأمومة والطفولة، أما عبارة الدماء البيضاء فأي معنى يمكن أن تعطيه؟! ولست هنا بصدد كلمة «تنضاف» التي أنت بدلاً من تضاف التي هي أكثر خفة وسلاسة ولها المعنى نفسه، أما عبارات: «تستيقظ آلامي الشاعرة بأحزاني» و«حاولت إسكاته وإيقاف رقص الذئب في دقات قلبي الذي صار مثل الوعد» و«أشعر بالانكسار، بالفجوة تضعني في قلب المأساة، بالألم ينضح بالوجع» ومن «خمر معتق وقديم» و«فقد خيّم على إخوتي تردد العويل في أعماقهم داخل هاوية النحيب المغلق!» و«ألقيت خطبة داخل سكون قلق روحي المظلمة». أستطيع بالطبع أن أنقل عشرات العبارات التي أفسدت عليّ متعة تذوق الرواية وأضاعت مني فسحة التأمل بأحداثها. وما أريد الوصول إليه من كلّ ذلك هو: أنّ الرواية ليست بحثاً عن معانٍ في مفردات اللغة مجتمعة، أو منفردة، على ما للغة الأدبية من أهمية في بعض المفاصل الروائية، بل هي حالة من القصّ الحكائي، ينقل أحداثاً واقعية أو متخيلة تستند إلى خبرة حياتية وثقافية، وتعكس جوهر الحياة ونواميسها المؤثرة في الإنسان. لتترك القارئ يستخلص منها ما يريد من أفكار وعبر، وجماليات مختلفة. لا ليقف عند كل كلمة أو جملة ليتفحص موقعها أو تركيبها مدققاً خطأها أو صوابها. وثمة أخطاء نحوية ص 45 «وتتنفان شعراً رأسيهما» وص 64 «سأشتري الضحك عليك». خاتمة وبعد، حسب الرواية «السفر إلى حيث يبكي القمر» أنّها تمنح القارئ متعة ما، وتحيله، بوعي ومعرفة، إلى ما في هذا المجتمع من أمراض وعيوب تفرضها ظروف التخلّف بمجملها، وتزيد في حدة تأثيراتها بعض الطباع الفظة وروح الأنانية المفرطة التي ابتلي بها والد الشاب اليافع بطل الرواية. وأخيراً يمكنني القول إنّ سهى جلال جودت وزميلاتها الكثيرات اللواتي أبدعن في أجناس أدبية مختلفة هاهن أولاء يغمسن بكل قوة أقلامهن في حبر الرواية الذي هو حبر الحياة المدنية ما يشير إلى أنّ المرأة على الرغم من كل الصعوبات والآلام مساهم نشط في صنع حضارة الحياة الجديدة التي ننشدها..! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |