|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أخبار الحمقى والمهابيل ومؤجري الطابق الفوقاني ـــ خطيب بدلة تحدثنا في الحلقات السابقة من هذه السلسلة عن بعض الحمقى الذين تناولهم العلامة ابن الجوزي في كتابه الشهير "أخبار الحمقى والمغفلين"، وهو من عيون التراث العربي الساخر الضاحك، وكان من بينهم رجل يدعى ابن الجصاص. وكان لابن الجصاص دعاء شهير يقول فيه: نعوذ بالله من نعمه، ونتوب إليه من إحسانه، ونستقيله من عافيته، ونسأله عوائق الأمور.. حسبي الله وأنبياؤه والملائكة الكرام! ومن دعائه: اللهم أدخلنا في بَرَكة القصور على قبورهم، والبيع والثغور والكنائس، سبحان الله، قبل سبحان الله، بعد سبحان الله! ونظر ابن الجصاص يوماً في المرآة فقال: اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض الوجوه، وسودها يوم تسود الوجوه! والتفت إلى رجل كان معه وقال له: أترى لحيتي طالت؟ قال: أتسألني والمرآة في يدك؟ قال ابن الجصاص: صدقت، ولكن الحاضر يرى ما لا يراه الغائب! وذهب مرة ليعزي صديقه أبا إسحاق ابن الزَجَّاج الذي توفيت والدته، وإذ دخل مجلس العزاء وجده مزدحماً بالناس من الرؤساء والكتاب والأعيان، فتضاحك وقال: الحمد لله، قد سرني والله ذلك يا أبا إسحاق. فدهش ابن الزجاج والحاضرون، وقال أحدهم: ويحك يا هذا، كيف سرك ما غمه وغمنا جميعاً؟ فقال: بلغني أن أبا إسحاق هو الذي مات، وقد جئت أعزيه فوجدته حياً، وعرفت أن والدته هي التي ماتت، فسررت. فضحك الحاضرون جميعاً، وزال الغم عنهم! إن الأمثلة التي يوردها ابن الجوزي في كتاب أخبار الحمقى والمغفلين عن ابن الجصاص الأحمق كثيرة جداً، وقد ذكرنا لكم أطرفها وأكثرها قابلية للفهم. بيد أن بعض الرواة ذهبوا إلى أن ابن الجصاص لم يكن أحمقاً، بل متحامقاً يتخذ من الحمق وسيلة لاتقاء شر الحكام الذين كان يجالسهم كثيراً. ولإثبات ذلك يروي عنه علي التنوخي قصة عجيبة يقول فيها إن أبا الحسن ابن الفرات حينما تولى الوزارة حرض عماله على ابن الجصاص، وأمرهم بأن يفرضوا عليه المزيد من الضرائب والأتاوات، وفوق هذا كان يستهزىء به في مجلسه. وكان ابن الجصاص يمتلك سبعة آلاف دينار، وجواهر كثيرة، وقد سهر الليل بطوله وهو يفكر في طريقة يأمن فيها شر ابن الفرات وعماله، وفي الهزيع الأخير من الليل اهتدى إلى رأي أعجبه، فقام من توه وذهب إلى دار الوزير وشرع يقرع الأبواب، فخرج له البوابون قائلين: من بالباب؟ فقال: أنا ابن الجصاص. قالوا: هذا ليس بوقت زيارة، والوزير نائم. قال: قولوا لحُجابه إني قد أتيت في أمر مهم. وبعد قليل خرج إليه أحد الحجاب قائلاً: انتظر ساعة ويصحو الوزير. قال: الأمر أخطر مما تتصورون. وبعد وقت قصير أدخلوه إليه في مرقده، فوجده جالساً على سرير وحوله الكثير من الفراشين والخدم، وكان مرتاعاً فقد ظن أن حادثة حدثت وأن ابن الجصاص يحمل إليه رسالة من الخليفة، فقام وقال له: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ هل حدثت حادثة، أو معك رسالة من الخليفة؟ فقال ابن الجصاص: لا هذه ولا تلك، بل جئت في أمر يخصني ويخصك، ولا تصح المفاوضة فيه إلا على خلوة. فقال الوزير لحجابه وفراشيه وغلمانه: انصرفوا. وقال لابن الجصاص: هات ما عندك. فقال: لعمري أيها الوزير أني قد اجتهدتُ في إصلاحك بكل ما قدرتُ عليه، وأما أنت فتستقصدني، وتسعى إلى هلاكي وزوال نعمتي، وبهذا كأنك تُطلع روحي، ويا روح ما بعدك روح! هل يوجد كائن أضعف من القِط؟ إذا حاصر البقال القط في زاوية دكانه ولزََّ عليه في زاوية يريد أن يخنقه تراه وثب على البقال فخدش وجهه وجسمه ومزق ثيابه طالباً الحياة بكل ما أوتي من عزم. وحالي معك كحال القط، ولستُ أقل منه بطشاً، فإن لم تجنح للصلح معي أقسم أني سأقصدُ الخليفة، بعد أن أحول له من خزائني ألفي ألف دينار، عداً ونقداً، وأقول له: اعزل ابن الفرات واستوزر بدلاً منه، فإذا سألني أن أذكر له اسم رجل سأذكر له رجلاً مقبولاً ذا لسان عذب وخط حسن، وربما اقترحتُ عليه أحد كتابك، وهو، حينما يرى المال، لن يفرق بينك وبين كاتبك، والكاتب بدوره سينظر إلي نظرة الرجل الصغير إلى رجل رفعه وجعله وزيراً، فيأخذ بيدي ويطلب مشورتي، ووقتها سأقترح عليه أن يفرغ جام غضبه وعذابه عليك، ويغرمك بألفي ألف الدينار، فتصبح، وأنت الغني، فقيراً، ويرجع المال إلي، فلا يذهب مني شيء، وأكون قد أهلكت عدوي، وشفيت غيظي، وصنت نعمتي، وارتفع مقامي عند الناس لأنني أكون إنما أقلتُ وزيراً وعينتُ وزيراً، وهذا ليس بالسهل. سمع ابن الفرات هذا الكلام الخطير من ابن الجصاص المشهور بحمقه فدهش وقال له: - يا عدو الله، هل تُقدم على هذا بالفعل؟ قال ابن الجصاص: لست عدو الله، بل إن عدو الله هو من أرقني وأتعبني وأراد هلاكي وفقري. قال الوزير: فماذا ترى أن نفعل؟ قال ابن الجصاص: تحلف لي الأيمان المغلظة على أنك ستكون معي، لا ضدي، في صغير أمري وكبيره، لا تفرض علي ضريبة، ولا تقف في وجه معاملاتي، ولا تضمر لي سوءاً في الظاهر ولا في الباطن. قال الوزير: وتحلف لي أنت أيضاً بمثل هذه الأيمان على حسن النية والطاعة والمؤازرة؟ قال: أحلف. قال: لعنك الله، فما أنت إلا إبليس لعين، والله لقد سحرتني. واستدعى من يحضر له رقعة وقلماً وعمل من القَسَم نسختين، فحلف هو أولاً، ثم حلف ابن الجصاص، ثم قال له: لقد عظمت في نفسي وخففت ثقلاً عني. ونادى على غلمانه وحجابه وأمرهم بأن يرافقوا ابن الجصاص حتى الباب ففعلوا، وفي اليوم التالي زار مجلسه فوجد فيه ما وجد من الحفاوة والتقدير. (ملاحظة: كما ترون، فهذه القصة تتناقض مع رسم شخصية ابن الجصاص الأحمق، ولكنها قصة طريفة بحد ذاتها، وممتعة). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |