مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أدب الأطفال ـــ فادية غيبور

لأنهم أزهار الحياة و براعم المستقبل كان لا بدّ من إيلائهم الاهتمام اللائق ببرعم يتفتح وزهرة تتأرج على مقربة من قلوبنا وعيوننا، وكان لا بدّ من الدخول إلى عوالمهم من باب الحكاية التي يعشقون منذ أن عمر الإنسان الأرض..‏

من منا لم تحفل طفولته بحكايات الجدّ أو الجدّة؟!.. من منا لم يخترع حكايات وقصصاً خيالية عن عمل قام به فتخيّل حدّ الحكاية أنه ساعد عجوزاً وجمّع له ما تبعثر من نقود على الأرض فكافأه العجوز ببضعة قروش اشترى بها ما لذ وطاب من الطعام والشراب؛ أو أنه أبى أن يأخذها لأن العمل الصالح لا يجوز أن يكون مأجوراً؛ أو أنه وجد عصفوراً جريحاً فاعتنى به حتى استعاد نشاطه؛ وطار إلى عشه؛ وربما تجاوز الواقع فقص على رفاقه الصغار أنه تاه ذات يوم عن بيته؛ وعندما غابت الشمس راح يبكي؛ وفجأة تقدم منه عفريتٌ صالحٌ وسأله عن سبب بكائه، وأشفق عليه فحمله وطار به إلى بيته حيث أهله يبحثون عنه..‏

"كان .. ياما كان يا سادة يا كرام".. هذه العبارة كانت حلم عشيات طفولتنا؛ نسترق السمع من خلف الأبواب والنوافذ إلى سيرة عنترة أوسيرة بني هلال فنفرح ونحزن ونغضب وفقاً لأحداث السيرة، وتشتعل نفوسنا بالأحلام والحكايات فنغدو أبطال ما نسمع أو نتخيل.. ومن ثمّ يتمسرح القصّ ولو في الخيال.‏

وتستمر حكايات الجدة أو الأم في عصرنا الراهن.. وقد أضيف إليها ما أبدعته أقلام الأدباء الذين لم يكتفوا بفن القصة بل أغنوه بجنسين أدبيين هما المسرح والشعر، وتوجهوا إلى عوالم الطفولة ونهلوا منها موادهم القصصية والشعرية والمسرحية؛ فكان ثمة ما اقتبس من عالم الحيوان وثمة ما استوحي من عالم النبات، وكانت أنسنة الطبيعة بما يحرك خيال الطفل ويرسخ في نفسه قيم المحبة والخير والعدالة ؛ هذا بالإضافة إلى ما ورثناه وألِفناه من قصص وحكايات تدور في فلك عالمنا البشري.‏

ولأهمية دور أدب الأطفال في عصرنا الراهن كان هذا العدد الخاص بأدب الأطفال تلبية لرغبة الزملاء في جمعية أدب الأطفال الذين رفدوا مجلة الموقف الأدبي بمعظم مواد العدد؛ أضف إلى ذلك أن إعداد هذا العدد تزامن مع " ندوة أدب الأطفال" التي أقامها مجمع اللغة العربية في دمشق، وقد استجاب القائمون على هذه الندوة ـــ مشكورين ـــ لرغبتنا بإغناء عددنا هذا بنشرنا بعض بحوث الندوة في هذا العدد، وقد اخترنا منها ما رأيناه ملائماً لطبيعة هذا العدد من جهة ولطبيعة عمل جمعية أدب الأطفال من جهة ثانية.‏

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن أول من دعا للاهتمام بالطفولة في وقت مبكر هو الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" الذي قال كلمته الشهيرة (اعرفوا الطفولة)..‏

ولم ينتبه علماء الاجتماع لكلمته تلك إلا في أواخر القرن العشرين حين خصصت للطفولة مواثيق دولية؛ ووضعت دراسات متعددة للطفولة والشخصية؛ وأعدت مؤتمرات دولية للتربية المبكرة؛ وأطلق العلماء ودعوتهم إلى الاهتمام بأدب الطفل، ودعوا إلى الاهتمام بتنمية مواهب الطفل ومنحه حرية الرأي والتعبير وإعداد مناهج تربوية متناسقة وعمره الزمني.‏

وحقّ لنا الآن أن نتساءل عن بدايات الاهتمام بأدب الأطفال ونقله من حالة المشافهة إلى الحالة الكتابية، وبالعودة إلى بعض المراجع وجدت أن بدايات ظهور أدب الطفل في أوروبا يعود إلى منتصف القرن الثامن عشر؛ حيث كان لاختراع الطباعة أثره على أدب الأطفال وتمثل ذلك بإصدار المؤلف الناشر «جون نيوبري» كتباً مصورة للأطفال على ورق ممتاز في إنجلترا، كما قام الشاعر الفرنسي (لافونتين) بنشر حكاياته المشهورة.‏

أما في الوطن العربي فقد بدأ الاهتمام بأدب الطفل في منتصف القرن التاسع عشر إلا أنّ الأعمال الأولى لم تظهر مطبوعة إلا في بداية القرن العشرين، وبدا فيها تأثر الأدباء العرب بالأدب الغربي وسارعوا إلى ترجمة حكايات الشاعر الفرنسي (لافونتين) ومنظوماته الشعرية إلى اللغة العربية..‏

وتذكر بعض المصادر أن الرائد الأول في أدب الطفل العربي هو الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي كان أول من دعا إلى الاهتمام بأدب الطفل بعد عودته من بعثته التعليمية في فرنسا، وعندما تولى مسؤولية التربية والتعليم عمل جاهداً على تنفيذ دعوته فأدخل القصص والحكايات الخاصة بالأطفال إلى المناهج الدراسية؛ وقام بترجمة العديد منها من اللغة الإنجليزية والفرنسية إلى العربية وأشهرها (عقلة الإصبع) التي قرأناها صغاراً..كما نظم العديد من الأناشيد الحماسية والتربوية.‏

وحذا الأديب عثمان جلال حذو رفاعة الطهطاوي فألّف كتاب (العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ) ضم مئتي حكاية مترجمة عن "لافونتين" ووصفها بأنها من أهم أعمال الأدب الفرنسي، وقد كرر عثمان جلال حكايات لافونتين على لسان الخروف والذئب وغيرهما من الحيوانات؛ علماً أنها منظومة على لسان الطيور..‏

أما فيما يتعلق بشعر الطفولة عند العرب فإن الشاعر أحمد شوقي يعدّ رائده بلا منازع؛ وهو أول من كتب شعراً للأطفال.. ثم توالت المحاولات والأسماء حتى بات أدب الطفل جنساً أدبياً بحدّ ذاته؛ له شروطه وأساليبه الخاصة؛ حتى إن بعض النقاد يرونه أكثر دقة وصعوبة من أدب الكبار كونه موجهاً إلى الأطفال.. والأطفال هم المستقبل في كل زمان ومكان. هذا ناهيك عن ضرورة مخاطبته عدة مراحل عمرية من حياة الطفل؛ ومعروف لدينا أن لكل مرحلة عمرية حاجاتها وظروفها وبالتالي فإن شروط الكتابة لكل منها مضمون وخيالٌ ولغة ومستوى تفكير..‏

ولعل الشاعر الكبير سليمان العيسى كان أهمَّ من خصص مساحة رحبة من شعره للأطفال، وأدخلت بعض قصائده في منهاج المرحلة الابتدائية في سورية؛ وصارت أغاني وأناشيد على شفاه الأطفال، هذا بالإضافة إلى مسرحياته الشعرية التي تميّزت بالتركيز على القيم الوطنية والقومية والإنسانية.‏

ولا يمكن أن ننسى في عصرنا الحاضر تطور معطيات الحضارة التقنية تطوراً سريعاً يقدم للطفل الحكاية مشفوعة بالصور الملونة والحركة السريعة؛ مما يضع كتّاب أدب الأطفال في ساحة منافسة صعبة إلى حدّ الأرق؛ وبالتالي يجعلهم يخوضون اختبارات حقيقية لموهبتهم؛ واطلاعهم على علم النفس التربوي كي يقتربوا قدر استطاعتهم من عالم الطفل العربي وطبيعة اهتماماته وحاجاته المتنامية..‏

وثمة أمر آخر لا بدّ من الإشارة إليه والتوقف عنده وهو قصة الطفل المكتوبة من قبل أطفال مبدعين، وهذه القصة الوليدة تستحق الاعتناء بها وبكتابها الصغار لأنها تعبر بصدق وموضوعية عن شخصية الطفل؛ وقد شهدت في مسابقات رواد الطلائع عبر سنوات بذور إبداع حقيقي.. كان يمكن لها أن تنبت وتتبرعم وتتفتح لو تسنى لها الاهتمام والمتابعة.. مع أنني واثقة بأن بعضها لا بدّ مستمر في الكتابة بتشجيع من المنزل أو المدرسة؛ ويقع على عاتق المؤسسات التربوية والإعلامية مسؤولية تشجيع هؤلاء الأطفال الموهوبين من خلال اللقاءات الجادة بهم ومساعدتهم على النشر في دوريات الأطفال( أسامة؛ ماجد؛ أحمد؛ سامر؛ العربي الصغير.. وغيرها) وفي الصفحات المخصصة لهم في بعض الصحف الرسمية.‏

لماذا أدب الأطفال؟!.. لأنهم استمرارنا، ولأننا حظينا بمن قرأ بواكير إنتاجنا وشدّ على أيدينا حتى استطعنا الانطلاق بثقة إلى عالم الحروف الملونة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244