|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
توظيف الحواس في تشكيل الصورة في الشعر الموجه للأطفال "الشعر الجزائري للأطفال عينه" ـــ د.العيد جلولي / الجزائر يتصل الطفل ببيئته ومحيطه باستخدام حواسه، فيتعرف على الأشياء باللمس، وعلى الأشكال والألوان بالرؤية، وعلى الأصوات المختلفة بالسمع، وعلى الروائح بالشم وعلى الأذواق المختلفة بالتذوق، ولا يمكن الوصول إلى هذا المتلقي والتأثير فيه إلا عن طريق ملامسة حواسه، لهذا يعمد شعراء الطفولة إلى استثمار طاقاته الحسية فيشكلون الصورة الشعرية معتمدين على حواس الطفل. تتكون الصورة الشعرية في الشعر الموجه للأطفال من جملة من العناصر، هذه العناصر هي التي تجعل هذه الصورة قريبة من المتلقي الصغير، فهو في كل مراحل نموه خصوصاً في المراحل الأولى ينجذب نحو الصورة التي تمور بالألوان، وتموج بالحركة وتدب فيها الحياة، وتكشف عن مكاتم الوجود وأسرار الحياة وبهذه العناصر تنطق الطبيعة وتهمس مظاهرها موشوشة، وفي وشوشتها السحر كل السحر(1). وهذه العناصر المكونة للصورة هي: أ ــ اللون: يعد اللون من الوسائل الفنية المساعدة على عملية الاتصال فاللون يوضح المعنى ويقربه للطفل، كما يشكل حافزاً يلفت انتباه الطفل ويثير اهتمامه ويحبب إليه الصورة المرسومة بالكلمات. وتزخر الألوان بالدلالات والإيحاءات والقيم التعبيرية لهذا يستثمرها الشاعر في تشكيل الصورة ويستعين بها في الوصول إلى هذا المتلقي الخاص، يستعين بالحمرة ــ مثلاً ــ للدلالة على الخطر والخضرة للدلالة على الأمان والسلامة وهكذا لأن "الصورة الأدبية لا تخلو من اللون فيها من أحمر وأخضر وأبيض وغيرها من الألوان المركزة والخفيفة أو من لون نتج من نوعين مركزين فنبع منهما لون آخر يحمل عناصرهما معاً، وليست هذه المقصودة عندي من الألوان فحسب، بل أضيف إليها كذلك ما توحي به بعض هذه الألفاظ من الرموز تدل على لون، أو معنى فيه شبه اللون"(2). ولم يعد استخدام اللون في الأدب الموجه للأطفال عموماً وفي الشعر الموجه لهم خصوصاً مجرد عملية ارتجالية تخضع لهوى المبدع فقط، وإنما أصبح عملية فنية حساسة تخضع لتقنيات الفن التشكيلي ونظريات علم النفس والتربية، فالشاعر وهو يقوم بعملية تشكيل الصورة اللونية إنما "يؤسس لجدلية التلقي البصري من خلال اللغة ويؤكد من خلال الألوان على أهمية ارتباط اللون بالموسيقى الشعرية، حيث الانطباع الذي تخلقه الألوان في النهاية هو انطباع موسيقي، وبذلك يكون استخدام اللون بهذا الشكل مغامرة تجريدية للولوج في تفاصيل الموجودات والواقع"(3). والمتأمل في الشعر الموجه للأطفال خصوصاً عند كبار شعرائه ـ يلحظ تركيز هؤلاء على خطاب الصورة اللونية الأمر الذي أدى إلى خلق وظائف تواصلية إبلاغية بين النظام اللساني ممثلاً في اللغة والنظام غير اللساني ممثلاً في الصورة البصرية" من هنا تكمن أهمية التأكيد على علاقة اللفظي بالبصري، وحول إمكانية قراءة الأعمال الشعرية التي تستخدم اللون قراءة بصرية وأن الموضوع في النهاية قد يكون واحداً، لكن الخلاف في الأدوات فأدوات الفنان في رسم الشجرة ــ مثلاً ــ هي: الخط ــ اللون ــ الضوء، وأدوات الشاعر في وصفها هي المجاز ــ الاستعارة"(4). وتشكل الصورة اللونية ظاهرة فنية عند أصحاب الاتجاه التربوي الجديد وهو ما يشكل تطوراً ملحوظاً في أدب الطفل الجزائري لأن استثمار اللون وتوظيفه في تشكيل الصورة الشعرية مرتبط بالنظريات الفنية والنفسية وحتى التربوية التي تؤكد أهمية اللون في الكتابة للأطفال. فمن الناحية الفنية تؤكد نظرية القراءة أن الشاعر يلون قصيدته كما يلون الرسام لوحته غير أن الشاعر لا يملك الريشة والأصباغ وإنما يملك اللغة وبواسطتها يلون نصه بما شاء من الأصباغ، وأما من الناحية النفسية والتربوية فإن النظريات في هذين الحقلين تؤكد أهمية اللون في هذا المجال فقد "ذهب بعض علماء النفس، وخصوصاً أولئك الذين ينحون منحى مدرسة التحليل النفسي، إلى تأكيد أهمية الألوان في النفس، خصوصاً وأن هناك اتفاقاً على أن الألوان تساعد في تقديم الأشكال بطريقة مؤثرة، نظراً لاتصال اللون بالحس، خصوصاً وأن الإدراك البصري يقوم على وقوع الموجات الضوئية على العين"(5). وتبين من تجارب أخرى أن اللون الأحمر هو المفضل عند الأطفال يليه اللون الأصفر ثم الأزرق فالأخضر، وينفعل الأطفال الذين تقع أعمارهم بين نهاية مرحلة الرضاعة وسن ما قبل المدرسة باللون الأحمر كثيراً، في حين يكون اللون الأصفر أقلها تفضيلاً لديهم، وحين يصل الأطفال إلى العمر المدرسي يصبح اللون الأزرق هو المفضل لديهم أما الإدراك الدقيق للألوان وتميزها فربما لا يرتقي إلا بعد أن يتعلم الأطفال أسماء تلك الألوان وترتقي تسمية الألوان متأخرة مقارنة مع تسمية الأشياء والموضوعات الأخرى المألوفة لدى الأطفال ويكون اللون الأحمر أسرع الألوان في معرفة اسمه بشكل صحيح ثم يليه اللون الأزرق حيث يتعلمون اسمه بصورة مبكرة أيضاً(6). ويبرز التشكيل اللوني بقوة عند الشاعر بوزيد حرز الله ففي قصيدته "انقشاع الضباب" يوظف اللون توظيفاً فنياً ساهم في تقريب دلالات النص إلى الطفل فيقول:
فالشاعر استعان باللون الأخضر في وصف الهوى وفي ذلك دلالة على الأمن والسكينة والهدوء وباللون الأحمر في وصف الثوب للدلالة على الدم وباللون الأسمر في وصف الساعد للدلالة على العمل المثمر الجاد. وفي قصيدة "انتماء" يقول: عربي في انتمائي أبدا فليمت كل حقود كمدا أسمر الجبهة زادي ملتي أحمل الضاد وأبغي السؤددا(8) فهو يستخدم اللون الأسمر في وصف العربي، حتى أصبح هذا اللون مرادفاً للعربي. وفي قصيدة "رايتي" يقول:
فالشاعر وهو يصف العلَم الوطني، لم يستخدم اللون مباشرة ويسميه باسمه وإنما استخدم ألفاظاً دالة على هذا اللون فلا يغيب عن خيال الطفل لون الدم، ولون الثلج، ولون الروضة، وهكذا حتى أصبحت هذه الألفاظ دالة على اللون مباشرة. وممن استخدم اللون ووظفه في تشكيل صورة الشعرية خضر بدور ففي ديوانه "روضة الأناشيد للأطفال والفتيان" يقرب الصورة إلى ذهن المتلقي عن طريق تلوينها مما يضاعف عنصر التشويق والجاذبية. ففي قصيدة "علَمي" يقول:
وفي قصيدة "كلب ليلى" يقول:
وفي قصيدة "لعبتي" يقول:
وفي قصيدة "قطتنا" يقول
وفي قصيدة "النحلة والزهرة" يقول:
وفي قصيدة "حديث زهرة" يقول:
وفي قصيدة: "حكاية رفيق" يقول:
وهكذا شكلت الصور اللونية حيزاً كبيراً في هذا الديوان، الأمر الذي شكل ظاهرة فنية عند الشاعر، فهو يضفي على الأشياء الحية والجامدة ألواناً زاهية أتاحت للطفل "أن يتوحد مع المواقف التي يحملها المضمون الاتصالي دون أن يشعر بأنه يتلقى مواعظ وتوجيهات وإرشادات ثقيلة أو معلومات جافة خصوصاً وأن الطفل شديد النفرة من كل ما يقدم إليه على تلك الشاكلة"(17). ويستعمل الشاعر مع الألفاظ بعض الصفات التجسيمية الملونة ويبتعد عن المدركات الكلية المجردة فهو يقول للطفل: "كلب لونه أبيض، اللعبة لها أشرعة بيضاء وأعلام خضراء، وأجراس فضية وأضواء حمراء، قطتنا بيضاء مثل الثلج، الأحمر لون وهاج، والأصفر ذهب رجراج، والأزرق بحر مواج والأبيض ثلج مغناج..." فالطفل خصوصاً في مرحلة الواقعية والخيال المحدود بالبيئة يكون أقرب لنفسه وإدراكه أن نخاطبه بمثل هذا(18). ويجعل بعض الشعراء من اللون مرتكزاً فنياً فيدخلونه في عناوين دواوينهم وقصائدهم وهذا ما نجده عند الشاعر مصطفى محمد الغماري في ديوانه "الفرحة الخضراء" حيث يشكل اللون الأخضر ظاهرة فنية فيه، وقد ورد في الأمثلة التالية: ــ الفرحة الخضراء (عنوان الديوان) ــ ونحمل أعلامنا الخضر زهواً ـ فيمتد أفق وتخضر بيد(19)
فما هي دلالة اللون الأخضر عند الغماري؟ يحتل اللون الأخضر مكانة متميزة في التراث العربي الإسلامي وله حضور في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي الشريف وفي كتب التراث وقد كثف هذا الحضور اهتمام الشعراء به ليس فقط في الشعر الموجه للأطفال بل وحتى في الشعر الموجه للراشدين وهو ما نلحظه عند الغماري نفسه ففي دواوينه الموجهة للراشدين يحتل اللون الأخضر مكانة رفيعة ويحمل دلالات عميقة لعل أبرزها أنه يرمز عنده للعقيدة الإسلامية(23). فاللون الأخضر عند الغماري تجسيداً فنياً لكل جميل ورمزاً حياً للإسلام والحب والخصب والحياة ووصف الفرحة بالخضرة في الديون يحل كل هذه الدلالات. لقد وظف شعراء هذا الاتجاه اللون في تشكيل صورهم الشعرية فأضفوا على خطابهم الشعري جمالية خاصة تركت انطباعاً جذاباً لدى المتلقي الصغير بغض النظر عن التورية التي يستتر خلفها أو المجاز الذي يحوم حولها، وهكذا اتجه هؤلاء "إلى التصوير باللون فأخذوا ينهلون من سحره ويرسلون من جمالياته طاقات تعبيرية يعجز عنها التعبير التقريري المباشر، ولم تعد الألوان مجرد رموز للحالة النفسية التي تشكلها الصورة الفنية في النص الشعري، بل صارت ركيزة هامة فمن ركائز التعبير الفني والجمالي في الشعر تنطرح في النص بتوظيف فني رفيع، يؤكد تنامي الوعي الجمالي وتطور الذائقة الشعرية"(24). ب ــ الذوق: ويسميه بعضهم (الطعم) وهو عنصر من عناصر الصورة مرتبط بها، يدخل في تشكيلها خصوصاً في الشعر الموجه للأطفال، حيث يستخدم الشاعر ألفاظاً دالة على طعم معين فيشكل بها صورة ذوقية من ذلك لفظة: حلو ــ مر ــ عذب ــ حامض ــ مالح... الخ، وتأتي لفظة حلو ومشتقاتها في طليعة الألفاظ الدالة على الطعوم ولا شك إن استخدامها في النص الشعري الموجه للأطفال يحمل دلالات كثيرة لعل أبرزها أنها توحي بالشيء الجميل الممتع. وترد هذه اللفظة كثيراً في شعر خضر بدور ففي ديوانه "روضة الأناشيد للأطفال والفتيان" وردت في المقاطع التالية:
ج ــ الشم: ويسميه بعضهم (الرائحة) وهو عنصر من عناصر الصورة مرتبطاً بها أيضاً ويدخل في تشكيلها حيث يستعمل الشاعر ألفاظاً دالة على رائحة معينة فيشكل بذلك صورة شمية تساهم في تقريب الصورة إلى ذهن المتلقي، وأكثر الصور الشمية استخداماً في الشعر الموجه للأطفال هي تلك الصور الشمية الدالة على روائح طيبة، أما الروائح الخبيثة أو الكريهة أو المنتنة فلم يعرض لها الشعراء ولعل هذا راجع إلى الهدف التربوي التعليمي لهذا الشعر من جهة ومن جهة أخرى إلى رغبة الشعراء في تحسين صورهم وإظهارها في مظهر جميل، فإذا استخدم الشاعر ــ وقلما يفعل ــ صور دالة على روائح كريهة فإنما يريد تحقيق هدف تربوي أيضاً. ومن أمثلة الصور الشمية قول بوزيد حرز الله في قصيدة بعنوان "حلم الأوراس".
وفي قصيدة "حينا" يقول: أعيش بين أهله لا أعرف الشقاء أعيش فيه نسمة فواحة تعطر الأجواء أعيش فيه نجمة تعانق السماء(38) وفي قصيدة "لك القلب بلادي" يقول:
وفي قصيدة "عطلة نهاية الأسبوع" يقول:
وفي قصيدة "أغنية للأم" يقول:
وفي قصيدة "خماسيات الفرح العائد" يقول:
ومن خلال هذه النماذج يتبين لنا أن الشاعر لا يستخدم إلا الصورة الشمية ذات الرائحة الطيبة فقد ترددت في كل الأمثلة (تفوح عطرا، تعطر الأجواء، تغمر الكون عبير، تعطر أجواءنا، عطرت أجواءنا.... الخ). وهو ما نجده أيضاً عند الشاعر خضر بدور حيث يكتظ ديوانه "روضة الأناشيد" بالصور الشمية كقوله:
د ــ الحجم: وهو ما يتصل بانكماش الصورة أو تمددها وقلتها أو وفرتها، وصغرها أو كبرها وغير ذلك مما يحتاجه المعنى، والمضمون من إطناب أو إيجاز أو مساواة(47)، وما نلاحظه في الشعر الموجه للأطفال هو ميل الشعراء إلى استخدام الحجوم الصغيرة والأشياء الخفيفة والأشكال القريبة من المتلقي الصغير، خصوصاً ما يتصل بعالم الحيوان والألعاب وكل ماله صلة بحياة الطفل وبيئته وعالمه، فالطفل لا يميل إلى الحجوم، لهذا كثر في الشعر الموجه للأطفال استخدام الحجوم الصغيرة، والقصيرة والخفيفة، فمن ديوان الأطفال لمحمد الأخضر السائحي هذه الأمثلة:
ومن ديوان "أنغام للطفولة" لخضر بدور هذه الأمثلة:
ومن ديوان "روضة الأناشيد" للشاعر نفسه:
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||