مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

شعر الأطفال ماهيته وشروطه (الصياد والسمكة ـ هيّا نلعب يا أطفال) ـــ رضوان الحزواني

بدهيٌّ القول إن شعر الأطفال إنجازٌ فنيٌّ أدبيٌّ لا يستطيع تحقيقه إلا قلّة من الشعراء نظراً لما تتطلبه كتابته من شروط لا نكاد نجدها في سائر ضروب النظم الشعري.

ولاشك أن قيمة شعر الأطفال تنبع من مصدرين اثنين: الأول قلة عدد الشعراء الذين يكتبون هذا النوع من الشعر، الثاني ازدياد الحاجة إلى وجود أدبٍ وشعرٍ يكونان للطفل زاداً أدبياً يمتح منه ويستقي منه المتعة والفائدة معاً.

في مقالي هذا أحاول تقديم دراسةٍ لماهية شعر الأطفال متخذاً من الشاعر (معاوية كوجان) في مجموعتيه الشعريتين الموجهتين للأطفال (الصياد والسمكة وهيا نلعب يا أطفال) نموذجاً تطبيقياً، محاولاً رصد أهداف هذا الشعر التربوية والإمتاعية والشروط أو البنى التي يستند إليها هذا اللون الشعري الهام.

1 ـ الصياد والسمكة:

في الأثر النبوي الشريف: المولود يولد على الفطرة، ويقول مصطفى صادق الرّافعي: "لن تشعر بجمال الطبيعة إلا إذا نظرت إلهيا بعيني طفل"، ويرى إبراهيم عبد القادر المازني أنّ من الظلم أن نفرض أفكارنا وقوانيننا على الأطفال، لأن لهم حياتهم وشخصيتهم وخصوصيتهم، وثمة أقوال وأقوال عن عالم الطفل كلها تشير إلى البون الشاسع بين الكبار وبينهم، من كلّ أولئك ندرك خطورة الكتابة للأطفال دون معرفة طبيعة شخصيتهم واحترام خصوصيتهم.

هذه الحقائق استطاع الشاعر معاوية عبد الله كوجان أن يدركها تمام الإدراك وأن يطوّعها بمهارة واقتدار في مجموعتيه الشعريتين (الصياد والسمكة) و(هيا نلعب يا أطفال).

صدرت المجوعة الأولى (الصياد والسمكة) عن دائرة الثقافة والإعلام ـ الشارقة ـ الإمارات العربية المتحدة بعد أن فازت بالمركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال أدب الأطفال، وقد ضمّت طاقات جميلة من القصائد العذبة وقد وجّه بعضها إلى الأطفال ذوي الأعمار من 7-8 سنوات، وبعضها الآخر إلى الأطفال ذوي الأعمار من 9-10 سنوات، وقسم منها إلى الأطفال ذوي الأعمار من 11-12 سنة.

يرسم الشاعر معاوية كوجان في هذه المجموعة عالما طفولياً من حدائق وأشجار وسماء ملونة وفراشات وعصافير وبحر و... ويؤكد للطفل أن وجوده مرهون بوجودها مرتبط بها ارتباط مودة وألفة، ومن خلالها جميعاً استطاع الاقتراب من نفسية الطفل بل إنه استطاع أن يتغلغل إلى نفسه وروحه فراح يغني بلسانه وجوارحه بفرح طفولي فقد بلغ سن السابعة وبدأ حياة جديدة حياة المدرسة وتكوين صداقات خارج نطاق الأسرة فيقول:

صار عمري اليوم سبعا

يا صحابة

قد دخلت المدرسة

وتعلّمتُ القراءة

وتعلّمت الكتابة

صار عندي أصدقاء

وهاهو ذا يترنّم بحبّ الأم أقرب الناس إلى الطفل بعذوبة ورقّة، ويربط هذا الحبّ بالكون بالشمس بالبحر بالوطن والإيمان بالخالق العظيم، فالأم محور الكون في نظر الطفل، وهل كان العمر والوطن والكون بشمسه ونجومه وبحاره في نظر الأم إلاّ الأم؟ فيقول:

أمي شمسي

 

أمي شمسي

 

بحر حنان

 

بحر حنان

أمّي وطني

 

أمي عمري

نبع أمان

 

نبع أمان

والشاعر يدغدغ حاسة البصر عند الطفل فيجعله ينظر إلى البعيد حيناً وإلى القريب حيناً آخر، يتأمل الكون الرحب تارةً والأشياء القريبة تارة، يقوي عنده دقّة الملاحظة ويؤكد له أنه جزء هام من هذا الكون، يلتفت التفاتة براءة إلى المخلوقات من حوله يتأملها وينظر إليها بودٍّ، إلى فراشة ملونة ترفرف فوق الأزهار، إلى عصفور يشاركه التغني بالحرية، إلى ذلك الصرصور الذي يملأ الليل صفيراً ينام في النهار في علبه الأزهار ويعود للغناء عند المساء، وهو أيضاً ينظر إلى الأشياء والجمادات بمودّة يصادقها ويخاطبها وكأنها كائن حيّ يعقل ويفهم وهي تبادله المحبة وتستجيب له وتطاوعه في كلّ رغائبه إذا كان الكبار لا يستجيبون لها، يقول في قصيدة مظلّتي:

معي تسير كالقمر

 

تحفظني من المطر

أديرها تدور

 

 

أطلقها تطير

والشاعر يتغلغل إلى ذات الطفل ويحلّل نفسيته، فالكبار يعملون على توجيهه تارة يأمرونه بالهدوء والسكينة والطاعة وتارة بالجد والدراسة، في حين أنه ميّال إلى الصخب والحركة، وهو إذ يطيعهم فإنه يفعل ذلك على مضض وعلى غير طبيعته، فإذا ما سنحت له الفرصة انطلق مثل عصفور أفلت من إساره، ولا أحبّ إليه من التحرر من كل هذه القيود، وقصيدة (مكافأة) تعبّر عن ذلك تعبيراً كبيراً، إنها دراجة مكافأة على نجاحه، يركبها صبحاً ومساءً تملؤه فرحاً وحركة وحيويّة وتشبع رغبته في الانطلاق بعد طول جهد وانكباب على الدراسة يقول فيها:

أذهب فيها حيث أشاء

من بيتي نحو المدرسة

تتهادى لحناً في شفتي

فيها أمرح في الأرجاء

ولا يغفل الشاعر الجانب التربوي في مجموعته، ولكنّه يتجنّب التقرير والخطابية والوعظ وإصدار الأوامر والنواهي، إن الخطابات المباشرة والعِبَر ذات الوعظ الشديد لن تجد لدى الطفل أذناً صاغية أو عيناً قارئة أو عقلاً متأملاً في الوقت الذي ينشدّون إلى ما هو أكثر جاذبية وتشويقاً إلى الصور المتحركة على شاشة التلفاز ففي قصيدة (صديق الإنسان) ينبّه فيه العاطفة الإنسانية النبيلة نحو المخلوقات الجميلة فيجعل الطفل ينطق برقة وعذوبة وموسيقى محبّبة، وحوار ساذج بريء بين سمير وهشام فسمير يرغب في القبض على العصفور وهشام يذكره بضرورة الرأفة بالحيوان وحب الحريّة ومن منّا لا يقدر قيمة الحرية وبلوغها وجع عالمي يعانيه الإنسان صغيراً كان أو كبيراً في كل مكان، بقوله:

زكْ .. زَكْ .. زاكْ

 

انظر حطَّ على الشبّاكْ

عصفورٌ حلو الألوان

 

يشدو من أحلى الألحان

ثمّ ينطلق الشاعر في قصيدته (نشيد الفرح) إلى عالم أوسع يصحب الطفل في الصيف إلى البحر يستمتع بالعطلة، لتكون حافزاً لعام دراسي جديد في قصيدته (العودة إلى المدرسة) ثمّ يسمو الشاعر بالطفل إلى أفق أرحب، يسمو به من دنيا المادة إلى دنيا الروح، يحلّق به على أجنحة الأحلام وعلى غوارب الخيال، وينتقل به من العالم المحسوس إلى العالم المجرد متناولاً قضية الحرية مرة بعد مرة بأسلوب شائق رشيق يعبّر عن رغبة الطفل في الطيران إلى عالم الحرية في فرح وسعادة يلهو مع الأطيار ويتنقل على ذرا الأشجار يقتات بالحبوب وينهل من جدول الماء بقوله:

لو كان لي جناح

 

يا أيّّها الصباح

لطرت في السماء

 

أسابق الضياء

ويعمل الشاعر على تكوين العادات السليمة عند الطفل كالحفاظ على النظافة بعيداً عن لغة التوجيه والإكراه، فالصابونة تتحدّّث بودّ إلى الطفل حديث صديق إلى صديقه فهي عنوان الطهارة ووجه الحضارة وتبعد القذارة والعطر فيها كاللؤلؤ في المحارة وهدفها الأسمى:

وشعاري أبداً تحيا الحضارة

 

 

أبداً تحيا الطهارة

ويستخدم الشاعر أسلوب الأحاجي والألغاز لإثارة فضول الطفل وحب الاستطلاع عنده حين يسأله عمن تحبها الأسنان والعيون ولها شعر لين ويد صغيرة واحدة، وأكبر الظن أنه يقصد بها فرشاة الأسنان:

أنا التي تحبّني الأسنانُ والعيونْ

رفيقيَ (المعجون)

ولي يدٌ واحدةٌ صغيرة

أملك شعراً ليناً

فهل عرفتم من أنا؟

ولا يغيب عن الشاعر أن ييقظ في الطفل الحس الإيماني الصافي ففي قصيدته (يقول الديك) فالديك يستيقظ باكراً يحث على العمل والنشاط ودعاء الخالق الرزّاق أن يمنح الخير والفرح والحكمة:

ربّاه ذكّرنا

 

أن نشكر النعمة

ربّاه علّمنا

 

من نورك الحكمة

ولا يغفل الشاعر عن تناول العلاقات الإنسانية والاجتماعية، فيحبّب إلى الطفل الصداقة والإخلاص ويزيّن في نظره ذلك الصديق الوفي الصادق المجتهد المثابر المؤدب لا ينساه في غيابه ويحفظه ويرعاه وهو أيضاً يبادله وداً بودٍّ فيقول:

أحبّه كثيراً

 

مبتهجاً مسروراً

يحفظ لي وداده

 

أرجو له السعاده

أما قصيدته (في حديقة الحيوان) فإنها تجمع بين الفرح ومتعة الفرجة على أنواع الحيوانات وبين إثراء ثقافة الطفل يتعرّف على الفيل والأرنب والسعدان والبطة والثعلب والطاووس والظبي والأسد والفهد والسنجاب وطبيعة كلّ منها بلغة سهلة وموسيقى عذبة.

وقصيدته (شروق وغروب) تأتي للاستراحة بعد هذه الرحلة الممتعة، وتشد الطفل إلى الاستمتاع بجمال الطبيعة، وهي قصيدة تأمّل وتفكّر في أسرار الكون بأسلوب سهل بعيد عن التعقيد الفلسفي يناسب تفكير الطفل وقدراته العقلية.

ويختم الشاعر مجموعته بقصة شعرية (الصيّاد والسمكة) من قصص ألف ليلة وليلة طالما قرأناها ونحن صغار فأثارت دهشتنا، وداعبت أخيلة بيضاء في عقولنا، وغرست في نفوسنا الرغبة في السعي إلى كسب الرزق الحلال ومحبة الخير والإحسان كما أقنعتنا أن المعروف لا يضيع بين الله والناس وقد استطاع الشاعر أن يصوغها ببراعة ورشاقة في قالب شعري جميل يجمع بين إيقاع الشعر وعذوبة القصّ الجميل، واستطاع من خلالها تحقيق الأهداف التربوية والإنسانية والدينية، وخلاصتها أن صياداً تقياً نشيطاً انطلق للصيد وهو يدعو ربه أن يرزقه وألقى شباكه فإذا به يصطاد سمكة كبيرة لم يرَ مثلها من قبل فحمد الله على هذا الرّزق العظيم، ولكنّ السمكة أخذت تتوسّل إليه أن يعيدها إلى البحر لأنها لا تريد أن تموت، وتساءل الصياد ماذا سيطعم أولاده اليوم وليس عندهم شيء، لكن السمكة أخذت تبكي وتستعطفه، فتتحرك في نفسه عاطفة الشفقة والرحمة، فقرّر أن يطلقها واثقاً أن الله تعالى رزّاق ولا ينسى الصابرين، فألقاها وقال: عودي يابنة البحر وأجري عند ربّي وما كانت سوى بضع دقائق حتى عادت السمكة ونادت:

أيها الصالح هذي لك من عندي هديّة

فإذا عقد من الماس ثمين

بين كفّيه ارتمى

فرح الصيّاد بالرزق الحلال

شكر الله سعيداً

ثم قال

لا يضيع الله أجر المحسنين

لا يضيع الله أجر المحسنين

وبعد، نجد الشاعر معاوية كوجان قد وفّق في عمله أيما توفيق فقد توافرت في مجموعته جملة من السمات كان من أهمّها:

1ــ التمتع بخيال حيّ واسع خصب يثير خيال الطفل.

2ـــ الموهبة الحقيقة فقد استطاع جعل ما كتبه حيّاً في ذهن الطفل.

3ـــ كان العمل منظماً جداً حيث تدرّج بتقديم القصائد للأطفال من سن السابعة حيث بدايات قراءته ومطالعته إلى سنّ الثانية عشرة.

4ــ كان خفيف الظلّ وذا حسّ عالٍ بالدعابة والمرح ممّا يجذب الطفل إليه.

5ــ استخدم لغة تناسب معجم الطفل اللغوي، وأضاف إليه بعض المفردات الجديدة مع شروح مبسطة لها مثل (الصداح، النضارة، غِيلة، يرتاب).

6ـــ أكّد القيم الوطنية والقومية والإنسانية والدينية بأسلوب الإيحاء بعيداً عن الوعظ والإرشاد.

7ــ استخدم أوزاناً رشيقة تصلح للإنشاد فقد استخدم مجزوء الرمل في أربع قصائد ومجزوء الرجز في ثماني قصائد والمحدَث في سبع قصائد واستخدم تفعيلة الرمل في قصته الشعرية.

8ــ جاء إخراج المجموعة غاية في الجمال والجاذبية والأناقة، بطباعة فاخرة وغلاف فنّي رائع، وقد تضمّنت لوحاتٍ داخليّة جاءت معبّرة عن مضمون القصائد تجذب الطفل وتربط في ذهنه الفكرة المجردة بالصورة الملوّنة الجميلة.

2 ـ (هيّا نلعب يا أطفال):

تأتي المجموعة الثانية (هيا نلعب يا أطفال) الصادرة عن دار النهضة بدمشق لعام 2006 تتويجاً لنجاح الشاعر معاوية كوجان السابق، وتأكيداً على استمرارية تقدمه في مجال أدب الأطفال.

ليس سهلاً على كلّ كاتب أن يكتب للأطفال إلا إذا كان قريباً من مرح الطفولة وبساطتها وتفكيرها، ولهذا نجد معظم الذين كتبوا للأطفال كانوا ممن مارسوا مهنة التعليم وخالطوا الأطفال وعاشوا بينهم، جاءت هذه المجموعة نموذجاً ناجحاً لمشروع الكتابة للطفل العربي تناسب الأطفال فوق سن الثانية عشرة، وقد تناولت جوانب اجتماعية وعلمية ومجالات أخرى مثل القيم وذكريات الطفولة والشخصيات والنماذج البشرية، وإذا كانت معظم دور النشر الخاصة والمطابع تفرز الكثير باسم الطفل والطفولة ولا تعني المسألة لها أكثر من ربح وتجارة، فإنّ هذه المجموعة تؤكّد على عناصر أربعة هامة في حياة الطفل العربي وهي الوطنية المحلية، والعربية القومية، والإسلامية الدينية، والإنسانية العالمية، في القصيدة الأولى من المجموعة (نشيد الفرح) يرسم الشاعر لوحة جميلة لعالم الطفولة، فدنيا الأطفال لعب وسحر وجمال وأمل باسم وأشعار حلوة وقفز في الرياض وسباحة مع أمواج البحر يضيف الشاعر إليها جانباً روحياً من الحب والصفاء وتسبيح الله الواحد فيقول:

وحّدنا حبٌّ ووفاء

 

وصفاء فؤاد ونقاء

ونسبّح لله الواحد

 

ما أحلاه صنع الواجد

ومفهوم الوطن عنده يبدأ بالأسرة الأم والأب ويتّسع على امتداد الوطن العربي وما أجمله من وطن أرضاً وسماء وقمماً تصدح فيه الأطيار وتفيض فيه الخيرات جدير أن يفديه ويتغنى به قائلاً:

عشت منيعاً

 

دمت ربيعاً

وطني الغالي

 

سرّ جمالي

وقصيدة (احترام الشيوخ) هي انعكاس واضح للقيم الشرقية ومن منا لا يتمثل دائماً بالأثر الكريم (ليس منا من لا يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا) فالإنسان الحق كنز من العواطف النبيلة، يحب لغيره ما يحب لنفسه، والقصيدة تغرس في نفس الطفل روح المحبة والتعاون بين أفراد المجتمع وتروي قصة الطفل عثمان الذي ساعد شيخاً مرهقاً في حمل متاعه وأعظم مكافأة على صنيعه هو ثناء الأهل ودعاء الشيخ:

أكرمْ بما قد ناله

 

عثمانُ من دعاءْ

لم ينس أن البرّ

 

بالشيوخ والإحسانْ

أجمل ما يفعله..

 

الإنسان للإنسان

وفي قصيدة (حبّ العمل) نجد الكلمة مفعمة بقيم سامية لها تأثيرها المرجو في نفس الطفل، قيم حب العمل وإتقانه وجماله والرغبة في الكسب الحلال من فضل الله الوهّاب والحق والنزاهة حتى لا يرجو الخير إلا من الله:

أنا دهّان.. أنا فنَّانْ

 

أنجز عملي في إتقانْ

أبداً يومي باسم الله

 

لا يرجى أحدٌ إلاّه

ويبدو الشاعر مخلصاً كل الإخلاص للغته العربية الفصيحة فهو لا يكتفي بالاعتماد على معجم الطفل اللغوي بل يعمل على إثراء ثقافته اللغوية في قصيدة (كلمات) فيقدّم له طائفة من الكلمات بأسلوب شائق مثل (الأبلج والعسجد والرفعة والسلسل وأسامة والجلَد والعاني والسور والضنك وقَنَطَ والإحسان) يقول:

وإذا سألوا ما (الإحسانْ)

 

 

قولوا: تكريمُ الإنسانْ

ما أحلى هذي الكلماتِ

 

 

تلمع تسطع كالنجماتِ

كما فعل الشاعر في مجموعته السابقة يستخدم أسلوب الألغاز ليثير فضول الطفل وينشّط خياله فالنسيم يُلقي التحية على الأطفال ويسألهم من يكون:

هل تذكرون من أكون يا صغارْ

 

 

أهبّ في المساء والنهارْ

لأُنعش القلوب في الحقول

 

 

تُحبني الهضاب والسهولْ

والطبيعة كما هي في نظر الشرائع السماوية، لا صراع بينها وبين الإنسان كما هي في الفلسفات المادية، بل هي صديقة الإنسان تعمل على إسعاده وتقدّم له الخير والبركة يبدو ذلك في قصائده (أغنية للمطر ـــ الفصول الأربعة ـ قُبل الثلج ـ أغنية الربيع ـ موعد مع البحر) وفيها يبعث الحياة في كل الموجودات المحيطة بالطفل ويمزج الواقع بالخيال في اختيار يتوسل تفاصيل الطبيعة كي يقذفها في مخيلة الطفل المفعمة بالدهشة والغرابة تتشارك فيها حاسة السمع والبصر ملامساً واقع الطفولة ومستوى أفكارها، وتستطيع معانقة أي شيء باعتباره صديقاً للطفل دون أن يغفل ربط كل أولئك بحبّ الوطن:

فأطلقوا العيونَ يا أطفالْ

 

 

فهذه مواسم الجمالْ!

فكلّ شيء فاتن ينادي

 

 

ما أجمل الربيع في بلادي!

والشاعر يحلق مع الطفل على أجنحة الخيال، من خلال الخيال الشعري الخصب، وليس هذا بعيداً عن خيال الطفولة فالأطفال يقبلون على الصور الخيالية أكثر من إقبالهم على الصور الواقعية، وهذا نابع من نبل مشاعرهم وسمو عاطفتهم وطهارة طويتهم ونقاوة سريرتهم وتصبح المفردة المجازية عندهم ذات مدلول عاطفي دافئ تنمي قدراتهم على الملاحظة الدقيقة مدركين أن وجودهم مرهون بوجود الآخرين والكائنات الأخرى، فالكون يلبس ثوباً من الثلج، وهو يشبه شَعراً شاب من الأيام، والعينان تسافران في مداه وكأنه صباح ذاب في أرجاء الكون:

لبس الكونُ من الثلج ثيابا

 

 

فحكى شَعراً من الأيام شابا

سافرتْ عينايَ فيه عندما

 

 

خِلْتُهُ صبحاً على الأرجاء ذابا

والمجموعة لا تغفل دور المعلّم والأم والمدرسة كغيرها من كتب الأطفال حتى كأنّ هذا صار أمراً تقليدياً فيزيد على الطفل ما يملّه وينفّره، ولكن الشاعر معاوية كوجان يوظّف أدوارهم لأغراض أخرى، فالجديد في قصيدة (عيد الأم) يفرح الطفل بهذا اليوم لأنه يعدّ منذ ليال لأمّة هدية من صنع يديه وهذا أبلغ في إظهار عاطفة الابن نحو أمّه:

أرسم منذ ليالٍ عدّةْ

 

 

قلباً أخضرَ يحضن وردةْ

لوحة حبٍّ صنع يديه
ْ

 

 

سأقدّمها خيرَ هديّهْ

والمعلّمة هي أم ثانية تسقيه رحيق الحب توجهه وتفهمه إذا سألها تكافئه إذا نجح وتفرح لفرحه تقصّ عليه الأخبار والأشعار وتزرع فيه المثل العليا:

وتزرع بي من المُثلِ

 

 

صفات الصدق في العملِ

أحبُّ أحبُّ لقياها

 

 

وعهداً لسْتُ أنساها

وما الأستاذ إلا صديق للأطفال يقوم بدور هام في حياة الطفل في صقل أحاسيسهم وتنمية وجدانهم الفني والمعرفي وتحفيزهم على الإبداع والتأمل الخلاق، يذكرهم بالماضي المجيد، ليبثّ فيهم الروح، والاعتزاز، ويحفز فيهم الرغبة لاستعادة الأمجاد، فيعرفهم على أعلام العرب الذين أضاؤوا الليل بالعلم وبالفكر المنير ومنهم ابن عباس وابن حيان وابن خلدون وابن سينا والمعرّي في قصيدة (أعلام) وفي قصيدة (أبطال) يذكّرهم بحمزة t عم رسول اللهr وخالد سيف الله المسلول وصلاح الدين وعمر المختار وعز الدين القسام، يبث في الطفل العربي روح العزّة والإباء وحب الجهاد والنضال:

ما أعظمهم يا أطفالْ

 

 

رمزَ جهادٍ رمزَ نضالْ

فلنتعلّمْ منهم أبداً

 

 

كيف الوطنُ الغالي يُفدى

ولا يكتفي الشاعر بربط الطفل بالماضي فحسب بل يربطه أيضاً بالحاضر، فيجمع بين ثقافتين الأصالة والمعاصرة، يتفاعل بذكاءٍ مع الحاسوب وينال منه المعرفة ويكتشف المجهول وينقله إلى عالمٍ مثير.

كنزٌ من العلوم

 

تُضيء كالنجومِ

زادت به سعادتي

 

واتَّسعتْ ثقافتي

حاسوبيَ الصغيرْ

 

صديقيَ الأثيرْ

ويتناول الشاعر موضوعاً محبّباً للأطفال ألا وهو الرياضة في قصيدة (الهدّاف) والهدّاف مرتبط بالآلاف ونجاحه نجاح لجماعته:

أنا هدّافٌ أنا هدّافْ

 

 

يهتف لنجاحي الآلافْيهتف لنجاحي الآلافْ

وبعد هذه الجولة مع الأطفال في هذه المجموعة الشعرية يختمها الشاعر بقصيدة (يوم العطلة) وكأنه يريد أن يرتاح الطفل من عناء القراءة والدراسة بالاستمتاع بالعطلة وقضائها في هوايةٍ مفيدةٍ ليتجدّد نشاطه ويستعيد قوته، لقد بدأ الشاعر المجموعة بالفرح وختمها بالفرح، لقد تعامل الشاعر مع الطفل بمودّة، واحترم شخصيته وخصوصياته وقدّم طاقة من أشعاره من خلال الصورة المعبرة الجذابة فالطفل المتلقي قد يصبح مبدعاً أو شاعراً في المستقبل ومن هنا تنبع أهمية الصورة الشعرية، وكانت قصائده أقرب إلى اللوحات التشكيلية مجسدة تجسيداً فنياً باللون، بل إنها كانت صوراً نابضة بالحركة، ناطقة بالإيقاع العذب فالقصائد مصاغة على بحور الخليل القصيرة تسمح للطفل أن يستريح مع كل قافية، فالقافية نهجٌ شعريٌّ تنبع قيمته الفنية من التراث العربي سواءٌ أكانت مركبةً أم بسيطة، والشاعر يوازن بين موسيقى الشعر الخارجية والداخلية مستفيداً من ظاهرة التكرار التي تساعد على تكوين الإيقاع وإيصال الفكرة مع الدلالة الإيمائية.

وأخيراً نؤكد أن الشاعر قد أحسن صنعاً في هذا العمل الإبداعي الجدير بالتقدير قدمه بإخراج حسنٍ وغلافٍ مشوّقٍ وصورٍ داخليةً معبّرةٍ ملوّنةٍ زاهيةٍ تستطيع أخذ الطفل ليحلّق في أجوائها.

وبَعد، كانت تلك محاولة لتبيان ما يجب أن يكون عليه شِعر الأطفال من جمعٍ بين المتعة والفائدة.. بين مزجٍ بين الفرح والمعلومة.. بين التوجيه والترفيه.. من خلال هذه السياحة في هاتين المجموعتين الشعريتين الهامتين اللتين يجدر إعادة طبعهما وتبنيهما من قبل الجهات المعنية وإنني لأدعو إلى اعتماد هاتين المجموعتين في المناهج الدراسية لمرحلة التعليم الابتدائي والأساسي لما يتمتعان به من محتوىً تربويٍّ وتوجيهيٍّ نبيلٍ يتطلع إلى تنشئة جيلٍ من أطفالنا واعٍ يكون أهلاً للآمال التي نؤمل فيه أن يحققها.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244