مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ماذا تُقدِّم الكتب المصوَّرة للأطفال؟ ـــ نجيب كيالي

تمهيد:‏

يبدو الكتابُ في البلاد العربية خارجَ دائرة الاهتمام عند الكبار والصغار بصورة شبه عامة، وكأن هذا الكائنَ الورقي عدوّ لنا، أو أننا لا ندرك أهميته القصوى في اجتياز المسافة بين التخلف والتقدم، حتى باتت أمتنا توصف عند الشعوب الأخرى بأنها أمة لا تقرأ مع أنَّ أرضها مهد الأبجديات الأولى كأبجدية أوغاريت وغيرها، وفيها نال أصحابُ الكتب درجات عالية من التكريم، فكانت تُسنَد إليهم المناصب العالية كالوزارة والقضاء ورئاسة الدواوين، وفي بعض العهود كانت كتبهم توضع في الميزان ليأخذوا ما يعادل وزنها ذهباً!‏

وإذا أردنا تصحيح العلاقة مع الكتاب، فلا بد أن نبدأ بالطفولة، فنؤسس عند الصغار قاعدةً سليمة لذلك، ونجعل الكتابَ واحداً من أصدقائهم إنْ لم نستطع أن نجعله خيرَ صديق وجليس كما أراد المتنبي في بيته المشهور:‏

أعزُّ مكانٍ في الدنى سرجُ سابحٍ‏

وخير جليس في الأنام كتابُ‏

الطفل والكتاب:‏

يمكن القول: إنَّ الطفل المولود حديثاً لا يثير الكتاب لديه أيَّ اهتمام، وهو لا يعنيه في شيء. إنه جزء من هذا العالم المبهم المحيط به.. عالم يبعث فيه الحيرة والارتباك والقلق، فيلوذ بصدر أمه حيث الاطمئنان والدفء والألفة.‏

غير أن الكتب المصورة تستطيع أن تجد لها مكاناً- ولو صغيراً- في عالم الأطفال الذين يقتربون من سنتهم الأولى، فتبدأ أولاً بجذب أبصارهم، ثم تعينهم في عملية ( الاستكشاف، وذلك بأن تقدم للطفل صوراً مبسطة وأكثر سهولة في الاستيعاب عن العالم الخارجي) (1).‏

ويرى علماء نفس الطفولة أن المحبة التي يبديها طفل من هؤلاء نحو كتاب مصور ليست مؤشراً كافياً إلى أنه استطاع أن يتعرف مضامينَ الصور الواردة في الكتاب، لكنَّ السبب في الأغلب يتركز في أنه انجذب إلى ذلك الكتاب من خلال الجو الأليف المبهج الذي رآه فيه، كأن يكون في حضن أبيه أو أمه، أو أنَّ الكتابَ ظهر بجانب دمية يحبها، أو أنَّ أخته فتحتْ له صفحاته وهي تداعبه وتبتسم(2).‏

وتدريجياً تتطور العلاقة بين الطفل والكتاب، ويمكنها أن تصعد أو تهبط، وتكون مفيدةً فائدةً عميقة أو سطحية من خلال اهتمام المربين بها وإدراكهم لطبيعة الكتب التي تلائم كلَّ مرحلة عمرية من مراحل الطفولة، وكيف تُقدَّم إلى الأطفال، وكيف نساعدهم في الاستفادة منها، ونزرع في نفوسهم الرغبة في التواصل مع كتب أخرى.‏

أهمية الكتب المصورة ومردودها التربوي:‏

لكي يبني المربون والمربيات علاقةً صحيحة بين الطفل والكتاب لا بد لهم من أن يكونوا مقتنعين هم أولاً في قرارة نفوسهم بما يمكن أن يقدمه الكتاب للطفل، وسأقتصر في حديثي على أهمية الكتاب المصوَّر، لأنه موضوع هذا المقال:‏

1- إنه نافع في عملية استكشاف العالم الخارجي التي سبقت الإشارة إليها. هذا الاستكشاف يكون محدوداً عند الأطفال الصغار جداً، فهو لا يتجاوز بالنسبة إليهم بعضَ الخطوط الأولية لما يرونه في الصور من الأشخاص والأشياء، ثم يتحسن الاستكشاف بعد ذلك، وتنتج عنه معرفة أولية بتمييز الأجزاء وارتباطها بموضوع واحد، فالطفل يستطيع عندئذ أن يلاحظ أن الوجه ـــ مثلاً ـــ فيه عينان وأنف وفم، وهو متصل ببقية الجسد الذي يراه في الصورة، وأنَّ كل جسد يجب أن يكون له وجه وأعضاء أخرى.‏

2- يستطيع الكتاب المصور أن يسهم في تشكيل ودعم مخزون الذاكرة عند الأطفال في مختلف أعمارهم، وقد تبين أنَّ مَنْ هم في مرحلة الطفولة الأولى يفضِّلون- من خلال الكتب – أن يستعيدوا بعضَ ما رأوه خارج البيت وهم في صحبة أمهاتهم من الأشياء والحيوانات والبشر، ويرغبون في أن يتذكروا أسماءها.‏

3- تسهيل عمليتي القراءة والكتابة، فاقترانُ الكلمة بالصورة في الكتب المصورة المخصصة للتعليم يعني ارتباط الدال بالمدلول بشكل واضح، وعند الحاجة إلى استرجاع ما تعلمه الطفل يبدو الأمر هيناً، ولأضرب مثالاً.. فكلمة: (تفاحة) المكتوبة تحت صورة هذه الفاكهة تصبح مفتاحاً لاستحضار الصورة حتى فيما بعد حصة التعليم، وصورة التفاحة أو رؤيتها رؤية واقعية في صحن الفاكهة مثلاً تصبح مفتاحاً كذلك لاستحضار الكلمة، وهذا يخفف على المعلم أو المعلمة عبء التكرار التعليمي من جهة، ويمنح الطفل ثقة بنفسه، لأنه تعلم بيسر من جهة أخرى، ويقال الشيء نفسه في تعليم مبادئ الحساب والعلوم من خلال الكتب المصورة.‏

4- في الأعمار ما بين(3- 7) يتمكن الأطفال بفضل نمو مداركهم من فهم ما تشير إليه الصور من الحوادث، ويمكنهم بالتالي أن يتابعوا (سيناريو) قصة بسيطة، مما يمنحهم تسلية ومتعة جديدة، وينمي لديهم شيئاً فشيئاً قدرات التعبير عن تجاربهم الذاتية، كما أن ذلك يقدم غذاءً أولياً للخيال، وبدايةً لمحاورة الذات.‏

خصائص الكتاب الطفلي المصوَّر:‏

يتصف هذا الكتاب بمجموعة خصائص يجب أن تتوفر فيه ليكون صالحاً للأطفال وقادراً على تحقيق الفوائد المشار إليها في الفقرة السابقة، وتلك الخصائص ثمرة لدراسات نفسية سبرتْ سيكولوجية الأطفال لمعرفة ما يحتاجون إليه في كتبهم المصورة، وهي أيضاً حصيلة للخبرات المتراكمة في هذا المجال عند الدول المتقدمة تربوياً، ومن أهم هذه الخصائص:‏

* جودة الورق المستخدم في الطباعة بحيث تظهر عليه الأشكال والألوان بوضوح من دون ظلال طارئة أو بُقعٍ تفسد الدلالة، وبلغ من اهتمام بعض الدول في هذا الجانب أنهم يخصصون لكتب الأطفال ورقاً يمكن أن تُزال عنه بالمسح مثلاً آثار الأصابع اللزجة الملوثة بدبق السكاكر وغيرها.‏

* اختيار الألوان القادرة على جذب عيون الصغار كالأحمر، والأخضر، والأزرق، وسواها، وقد قيل: إن اللون بحد ذاته هو لغة عند الأطفال، ولا يكفي طبعاً اختيار اللون، وإنما يُشتَرط انسجامه مع الموضوع الذي تقدمه الصورة.‏

* كتابة الكلمات المرافقة للصور ضمن قياس يستطيع الطفل من خلاله ملاحظة اتصال الحروف ودون التلاعب بأشكالها، إذ أن التلاعب لهدف جمالي محض قد يوقع الصغار الآخذين في تعلم القراءة في الحيرة والالتباس، ومن الضروري أن يكون موقع الكلمات من الصور(فوق أو تحت) مناسباً لا يطغى على جزء من أجزاء الصورة، ولو حدث مثلاً أن كلمة حجبتْ عينَ الأرنب في صورة ينظر إليها الصغار لتألموا من أجله كثيراً، لأنهم سيعتقدون أنه فَقَدَ تلك العين!‏

* العناية الفائقة بالإخراج العام للكتاب بحيث يكون جميلاً، أنيقاً، مغرياً جداً للطفل بمجرد وقوع عينه عليه، وفي بعض دول الاتحاد الأوربي وأمريكا واليابان توصلوا إلى ابتكار كتاب جديد يخص صغارَ الأطفال يمكن أن نطلق عليه مصطلح (الكتاب/ اللعبة)، فالطفل مثلاً عندما يفتح صفحته الأولى يقفز في وجهه بلبل ملون مصنَّع من الكرتون بكامل تكوينه، فيضحك الطفل ويبتهج، ويزداد تفاعلاً، وفي الصفحة الثانية يطلع له صديقه الأرنب أو سواه من الحيوانات المحببة إليه.‏

* ومع هذا كله أو قبله يراعى مضمون الكتاب، وما ينطوي عليه من قيم التعليم والتربية والخبرات الحياتية التي يمكن أن يقدمها للصغار، وينبغي الالتفات في تلك الخبرات إلى الجوانب السعيدة المشرقة لتعزيز التفاؤل وحب الحياة في نفوس النشء الصغير.‏

إنَّ الحديث عن خصائص الكتاب الطفلي ضروري لأمرين:‏

الأول: أنه يلفت أنظار الجهات المسؤولة عن طباعة هذا الكتاب في بلادنا إلى الاهتمام بتحسين عملها.‏

الثاني: ينبه المربيات والمربين إلى انتقاء ما يلائم الطفل تماماً أو اختيار أفضل ما يجدونه في السوق أو يكون متوفراً في مكتبة الروضة أو البيت أو المدرسة.‏

واقع التعامل مع الكتاب المصوَّر في بلادنا:‏

أعتقد أنه تعامل يتراوح بين السيء والمقبول في أحسن الحالات، فمعظم الآباء والأمهات لا يعيرون الكتب أيَّ قدر من الاهتمام، والكتب المصورة التي قد تصل إلى أيدي صغارهم تلعب المصادفة الدورَ الأكبر في اختيارها، أو أنَّ الإخوة الأكبر يختارونها حسب أمزجتهم التي لا تنسجم بالضرورة مع أمزجة أشقائهم الأصغر، وهي غالباً لا تلائم احتياجات هؤلاء، بل إنها قد تتضمن ما يلحق ضرراً مبكراً بهم.‏

وفي رياض الأطفال والمدارس تلتفت المربيات والمعلمات إلى الكتب المقررة، ويقوم أغلبهن عند استعمالها بإلقاء الأوامر للأطفال: افتحوا الكتاب على الصفحة كذا، انظروا، اقرؤوا، دون اهتمام بإثارة شغف الصغار بما بين أيديهم من الكتب، ودون لمسة حب تجعل جوَّ التلقي مريحاً حلواً! وبالحب وحده يمكن أن يتعلم الطفل، ويدخل في علاقة مع‏

الآخر(3). وفضلاً عما سبق قلما تستغل المربيات والمعلمات الكتب المصورة غير المقررة حتى لو وُجدت في المكتبة، وقلما يرشدن الأطفالَ إلى ضرورة التواصل معها أو يساعدنهم في اختيار الأفضل منها!‏

أخيراً.. إنَّ قضية الكتاب المصور والكتاب عامة مسألة حيوية تستحق اهتماماً أكبر في حياتنا، ويتطلب تحسين العلاقة بيننا وبين الكتاب في رياض الأطفال والمدارس والثقافة عموماً إلى جهود كبيرة رسمية وغير رسمية وإلى مبادرات خلاَّقة يكمن وراءها الوعي والحب والإيمان بضرورة الانطلاق إلى حياة أفضل.‏

الهوامش‏

(1)(2) نيكولاس تاكر- الطفل والكتاب – ص 47-48‏

(3) جودة علي أبو بكر- التربية والحب- ص 30‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244