مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

طرائق تعليم اللغة للأطفال ـــ د.محمود السيد/ تونس

نحاول في هذا البحث الموجز أن نتعرف بعضاً من طرائق تعليم اللغة للأطفال وتعلمها بدءاً من الرياض وانتهاءً بالحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي، آخذين بالحسبان أنَّ ثمة منطلقات تتعلق باللغة والطرائق نعتمدها في هذا البحث وفيما يلي تبيان لما نرمي إليه.‏

أولاً - منطلقات‏

ثمة باقة من المنطلقات تعد مسلمات في رأينا، وقبل أن نبدأ بذكر هذه المسلمات لابد لنا من تحديد بعض المصطلحات الواردة في البحث، فاللغة التي نتحدث عنها هي اللغة الأم " العربية الفصيحة". ولما كانت الأم تلم شمل أبنائها وتحتضنهم وترعاهم وتحوطهم بكل محبة وعطف وحنان كانت العربية الفصيحة هي التي تلم شمل أبنائها وتوحِّد بينهم، ذلك لأن العامية عامل تفريق بين أبناء الأمة، أما الفصيحة فهي عامل توحيد. ومن هنا كان على الأبناء أن يكونوا بارين بلغتهم الأم" العربية الفصيحة" الموحِّدة والموحَّدة، إذ لاشيء أمرُّ من العقوق!‏

والأطفال الذين نتحدث عنهم هم أطفال الرياض ومرحلة التعليم الأساسي، وهي المرحلة الممتدة من الصفِّ الأول حتى التاسع، وهي مرحلة إلزامية ومجانية وتشتمل على حلقتين الأولى من الصفِّ الأول حتى الرابع، والثانية من الصف الخامس حتى التاسع.‏

أما طريقة التعليم فهي مكوِّن من مكونات المنهج التربوي بمفهومه المنظومي الشمولي المتكامل "System" تتبادل التأثير والتأثر ببقية المكونات أهدافاً وخُطّة ومحتوى وكتباً ومناشط ووسائل وتقنيات وتقويماً، ونقصد بالطريقة الأسلوب المتبع في إكساب الناشئة المهارات اللغوية.‏

ويمكن إيجاز منطلقات البحث في الآتي:‏

تُعُّد اللغة مركز الدراسات الإنسانية في عالمنا المعاصر، إذ إنها تحظى بالاهتمام من علماء متعددي التخصصات(1)، ولم يعد الاهتمام بها مقتصراً على اللغويين والتربويين وحدهم، وإنما يعنى بها عالم وظائف الأعضاء والطبيب المختص بالجهاز العصبي، وعالم الصوتيات وعالم الطبيعة والمهندس الكهربائي، وعالم النفس وعالم الاجتماع، وعالم الرياضيات...إلخ.‏

ويتطلب منا هذا التوجُّه من حيث العناية باللغة من علماء في مختلف ميادين المعرفة أن يكون تعليم اللغة مسؤولية جماعية من المعلمين كافة وليس ملقى على كاهل معلمي اللغة وحدهم، ولقد أصدر المجلس القومي لمعلمي اللغة الإنجليزية في بريطانيا قراراً يقضي بأنه يجب على كلِّ معلِّم أن يُعدَّ نفسه لتعليم اللغة الأم حتى لو كان معلماً للتاريخ أو الفيزياء أو الرياضيات أو الاجتماع أو غير ذلك من مواد المعرفة. وفي فرنسا يحُاسَب معلم الرياضيات المتعلم على أخطائه اللغوية على المستوى نفسه الذي يحُاسبَه فيه على أخطائه في الرياضيات.‏

وإذا كانت المهمة الأساسية لمعلمي العلوم تعليم المتعلم الدِّقة والوضوح كان عليهم في الوقت نفسه تتُّبع الغموض والخطأ في لغة المتعلم، وذلك لأنَّ الأغلاط التي يرتكبها المتعلم في الإملاء أو القواعد أو غموض الأفكار وتشويشها هي الأخطاء نفسها التي تتكرر في كتابته إنْ في الفيزياء أو الكيمياء..إلخ.‏

ومن هنا كان التضافر بين المعلمين جميعهم في تتبُّع الأخطاء وملاحظتها وتصويبها أمراً على درجة كبيرة من الأهمية بغية النهوض باللغة والارتقاء بها، آخذين بالحسبان أنَّ اللغة التي يقومون بمراقبتها وتسديدها إنَّما هي اللغة الأم وليست لغة أجنبية.‏

ثمة نوعان من الكلام لدى الطفل في مرحلة الرياض أولهما الكلام المركزي الذات وهو الكلام الذي يتحدث فيه الطفل إلى نفسه غير مكترث بإصغاء المستمع، ولا مبالٍ بتكييف نفسه لوجهة نظره، وثانيهما الكلام المستأنس أو الاجتماعي، وهو الكلام الذي يوجه فيه الطفل الحديث إلى سامعه مراعياً وجهة نظره، ومحاولاً التأثير فيه، أو تبادل التفكير معه، ومن ضروبه الإخبار والنقد والأوامر والرجاءات والتهديدات والأسئلة والأجوبة.. إلخ (2).‏

وعلى رياض الأطفال أن تعنى بتعزيز النوع الثاني من الكلام لأنَّ بقاء النوع الأول لدى الطفل في مستقبل حياته يُعُّد ظاهرة غير صحية.‏

3- يُعدَّ تعليم اللغة حدثاً نفسياً معقداً ينجم عن عوامل مختلفة فيزيولوجية واجتماعية ونفسية(3). وللأسرة دور كبير في سرعة هذا التعليم، إذ إنَّ أطفال الوسط الأسري والاجتماعي ذي المستوى الرفيع يكتسبون الكلام أكثر من غيرهم، ولكن لا يخفى دور المدرسة بعد ذلك لأنها جزء من الوسط الاجتماعي، فدور المعلم أساسي هو الآخر في النهوض بلغة الأطفال والارتقاء بها في العملية التعليمية.‏

وعلى المدرسة أن ترمم الثغرات في لغة الأطفال وأن تغني بيئتها بالمثيرات والأجواء المشجعة على التنمية اللغوية.‏

4- إنَّ اكتساب اللغة لا يختلف عن اكتساب أي عادة أخرى مثل المشي والسباحة والعزف على الآلة الموسيقية... إلخ. ولمَّا كانت هذه العادات لا تكتسب إلا بطرائق التعليم والتدريب الواعي المنظم والممارسة المستمرة كان تعليم اللغة على أنَّه عملية تحفيظ وتسميع ونقل للمعرفة المتمثلة في المفردات والقواعد النحوية والصرفية والبلاغية والعروضية لا يكفي لتكوين المهارة، ونعني بالمهارة اللغوية الأداء المتقن القائم على الفهم والسرعة والاختصار في الوقت والمجهود معاً، فعملية التمهير في تعليم اللغة وتعلهما هي التي تؤدي إلى أن تغدو اللغة عادة لا عملية التحفيظ والتسميع، والمهارات اللغوية نوعان مهارات إرسال وتتمثل في المحادثة والكتابة، ومهارات استقبال، وتتمثل في الاستماع والقراءة.‏

ويتطلب هذا المنطلق العدول عن الطرائق التلقينية في تعليم اللغة وتعلمُّها، والتركيز على تأمين العوامل المساعدة على تكوين المهارات اللغوية من ممارسة اللغة في المواقف الطبيعية والوظيفية في الحياة في جوّ من التشجيع والتعزيز والتوجيه والنقاء اللغوي في منأى عن أي تلوث.‏

5- على الرغم من الخلاف بين أصحاب المدرسة السلوكية في علم النفس في اكتساب اللغة وبين أصحاب المدرسة التوليدية، فإن الفريقين معاً يتفقان على أنَّ اكتساب الطفل للغة إنَّما هو بحاجة إلى جو اجتماعي.‏

وإذا كان السلوكيون يرون أن عملية الاكتساب تتم بطريق المثير والاستجابة والمحاكاة فإنَّ التوليديين يرون أنَّ اكتساب اللغة لا يقتصر على المحاكاة وحدها، وإنما يضاف إليها التوليد بفضل ما يملكه الإنسان من قدرة لغوية على تركيب أنماط لغوية وهياكل جديدة حتى لو لم يكن قد مرَّ بها من قبل.‏

وإذا كان السلوكيون يرون أن عقل الطفل مخزن يجمع فيه المفردات والتراكيب التي اكتسبها من محيطه الاجتماعي حتىّ إذا ما مرَّ بموقف جديد عاد إلى ذلك المخزن فاستعار منه المفردات والتراكيب التي تساعده على التفاعل في الموقف الجديد فإنَّ التوليديين يذهبون إلى أنَّ عقل الطفل مزود بآلية تعمل على توليد مئات لا بل آلاف من التراكيب الجديدة التي لم تكن في خبرته من قبل ولا في رصيده، وإنّما تساعده الإبداعية اللغوية التي زُوِّد بها عقله على تأليف جمل وتقويم أخرى من حيث الصواب والخطأ حتى لو لم تكن من خبرته، إلا أنَّ هذه الإبداعية اللغوية التي زُوِّد بها عقل الطفل لا تعمل إلا في جو اجتماعي. فهو الذي يفجرها ويفسح لها في المجال(4).‏

ومن هنا كان تأمين الأجواء الصحية لغة وتربية في البيئة الاجتماعية التي يحتكُّ بها الطفل ويتفاعل معها يساعد أيما مساعدة على اكتساب اللغة السليمة.‏

6- إذا كان لتمكُّنِ المعلم من مادته أثر كبير في نجاح العملية التعليمية التعلمية فإنَّ لطريقة التدريس أثرًا كبيرًا في تحقيق الأهداف المرسومة للمادة، ذلك لأنَّ المعلِّم لا يعلم بمادته فحسب وإنما يعلم بطريقته وأسلوبه وشخصيته وعلاقاته مع ناشئته وما يضربه لهم من قدوة حسنة ومثل أعلى.‏

7- لا يغيبَنَّ عن البال أنَّ طريقة المعلم في التعليم لا تصنع المعلم وإنما هو الذي يصنعها ويبتكرها ويكيفها وفق المادة والوسيلة والمستويات التي يتفاعل معها. ولا شيء يعمل على تحنيط المعلم وتجميده وشلِّ قواه مثل إلزامه باتباع طريقة معينة على أنَّها هي المثُلى والفُضلى، والمعلم الذي يقولب نفسه في إطار طريقة واحدة يلتزمها في دروسه كافة وأسلوب معين ينتهجه في المواقف كافة محكوم عليه بالإخفاق، إذ يمكن للمعلم أن يستخدم عدة طرائق في الموقف الواحد.‏

وتعتمد التربية المعاصرة حاليًا الأسلوب الانتقائي في التعليم فتختار الإيجابيات من الطرائق وتتلافى السلبيات، على أنْ ينظر المعلم إلى الطريقة المختارة على أنّها وسيلة لتيسير عملية التعليم وتنظيم المجال الخارجي الذي يحيط بالمتعلم كي ينشط ويغيّر من سلوكه إذا فهمنا السلوك بمعناه الواسع معرفةً ووجداناً وأداء. ومن هنا تكون طريقة التدريس جزءاً من نظام متكامل يشمل المتعلم والأهداف والأساليب والمناشط والوسائل والتقويم.‏

8- إن اعتماد المرونة في اختيار الأساليب والطرائق وحرية المعلم في الحركة والتصرف، وخلق المواقف الإيجابية في التعليم، كلُّ أولئك كان مؤدياً إلى الابتكار وتحقيق النجاح في تحقيق الأهداف.‏

وعلى أي حال كان على المعلم عند اختيار الطريقة أن يراعي عنصر الاقتصاد في الوقت والمجهود وعنصر الإمكانات المتاحة، وكلّما حَققت الطريقة أكثر من غرض في وقت أقل مع توفر الفعالية كانت أولى بالاختيار. وكلما استلزمت الطريقة وسائل يسهل الحصول عليها بشيء من المجهود المعقول كانت أفضل، على أن يكون المعلَّم مرنًا في الاختيار في ضوء الأجواء والمستويات والإمكانات.‏

ثانيًا – أهداف تعليم اللغة:‏

تؤدي اللغة للفرد وظائف متعددة تتمثل في التفكير والتواصل والتعبير، وإنَّ أهمية اللغة لا ترجع إلى كونها وسيلة للتخاطب والتواصل بين الجماعات والأفراد أو بين المرء وذاته فقط، وإنما ترجع إلى كونها رمزًا للهوية التي تُميِّز شعبًا عن شعب وتطبع حضارته ودرجة حضوره في مسرح الوجود والحياة، وصولاً إلى الاستدلال على ما في أعماق النفس وتصورات الذهن. وثمة تلازم بين الفكر واللغة، فَمَنْ لا عقل له ولا فكر فلا لغة سليمة لديه، ولا سبيل إلى اعتباره جزءًا ملتحمًا بالكل الذي هو المجتمع (5).‏

وإذا كان الهدف المنشود من العملية التعليمية التعلُّمية يتمثل في بناء الفرد فكرًا ونزوعًا وأداءً فإن أهداف تعليم لغتنا العربية تتمثل في:‏

إكساب المتعلمين المهارات اللغوية محادثةً واستماعًا وقراءة وكتابة.‏

تنمية الثروة اللغوية والفكرية للتمكُّن من الاتصال مع الآخرين والتواصل معهم بلغة عربية فصيحة بكل سهولة ويسر وتلقائية إنْ بطريق المحادثة أو الكتابة.‏

تنمية القدرة على فهم ما يستمع إليه وقراءته بلغة عربية فصيحة، وإفهام الآخرين بلغة عربية صحيحة نطقًا وكتابة وبالسرعة المناسبة.‏

تطوير القدرة على قراءة النصوص الأدبية المختلفة وفهمها وتذوقها وإدراك بعض مواقع الجمال فيها وتحليلها ونقدها.‏

غرس الشغف بالقراءة ومحبتها في نفوس الناشئة بحيث يغدو الكتاب الصديق الصدوق.‏

إكساب الناشئ القدرة على اختيار المادة الصالحة للقراءة.‏

صقل مهارة الكتابة الصحيحة الجميلة في ضوء قواعد الإملاء والخط العربي وتنمية المواهب الفنية في مجال الخطِّ العربي.‏

التمكن من أساسيات اللغة العربية وأحكامها الوظيفية إملاء ونحوًا وترقيمًا ودلالة وصولاً إلى الفهم الصحيح والقدرة على التعبير السليم تعبيرًا وظيفيًا وإبداعيًا وابتكاريًا.‏

تعزيز الميول والأهداف الأدبية وصقلها وتنمية الذوق الجمالي وصولاً إلى الابتكار والإبداع.‏

تنمية القدرة على التفكير العلمي والبحث والتحليل والنقد والحوار من خلال اللغة.‏

الإفادة من التقنيات الحديثة كالحاسوب والشابكة وتقانة المعلومات والوسائل المعينة... إلخ في تسهيل العملية التعليمية التعلُّمية تحقيقًا للأهداف المرسومة.‏

وهكذا نجد أنَّ "الغاية مِنْ تعليم اللغة هي أن نجعل الطفل قادرًا على استعمال اللغة في مختلف الظروف التي يعيش فيها والأحوال الخطابية التي يمرُّ بها ولاسيَّما تلك التي تطرأ في الحياة اليومية، ثم على استعمالها سليمة من كل لحن وعجمة"(6).‏

ثالثًا – طرائق تعليم اللغة للأطفال:‏

نحاول فيما يلي تبيان بعض الطرائق المتبعة في تعليم المهارات اللغوية الأربع محادثة واستماعًا وقراءة وكتابة آخذين بالحسبان التدرج في تعليم المهارات اللغوية، إذ يتم البدء بالتدريب على المحادثة والاستماع في رياض الأطفال قبل الانتقال إلى تعليم القراءة والكتابة في الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي انطلاقاً من أنَّ مرحلة الرياض إنَّما هي تنمية الاستعداد لتعليم القراءة والكتابة في المرحلة التالية.‏

أ- المحادثة والتعبير الشفهي: إنَّ الطفل بطبعه وفي مراحل تعلمه الأولى مقلد ماهر لمعلمه، إذ إنه يدخل إلى الروضة وهو في سن التكوين اللغوي والمثل يقول: "العلم في الصغر كالنقش في الحجر" ويرى علماء النفس اللغوي أنَّ هناك فترة حرجة لاكتساب اللغة فقدرة الطفل على التعلم تبلغ ذروتها في مرحلة الطفولة المبكرة من عمر الإنسان قبل السادسة(7) .‏

وتتسم لغة الأطفال في مرحلة الرياض بأنَّها لغة عامية وتغلب عليها المحسوسات وتجنح إلى التعميم، وتشتمل على بعض الانحرافات من حيث النطق، وهي لغة متمركزة حول الذات(8) ومهمة الروضة معالجة هذه الثغرات فتعمل على تدريب الأطفال على المحادثة ويحقق هذا التدريب نوعين من التهيئة: (9)‏

الأولى صوتية وتتمثل في تذليل صعوبات النطق وتمرين الأطفال على سماع الأداء اللغوي والنبرة الصوتية، فَتأْلَفُ آذانهم اللغة وأنماطها وصيغها.‏

والثانية نفسية: وتعمل على إزالة الخوف، وتكسر حدة الخجل والانطواء عند الأطفال الذين يحسون بالوحشة والعزلة في الشهور الأولى من قدومهم إلى الروضة، وهذا الطريق في تعليم اللغة يساير مراحل الطفولة نفسها، كما يساير المراحل التي مرَّت بها المجتمعات البشرية، إذ من المعروف أنَّ الطفل يفهم بعض الألفاظ قبل أن ينطق بها، فالاستماع يجيء أولاً، ومن تم يأتي الكلام الشفهي ثانياً، وأخيراً يتم الانتقال إلى تعليم مهارتي القراءة والكتابة في المرحلة التالية.‏

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما اللغة التي ندرب عليها في المحادثة؟ وإذا كانت الطرائق الحديثة في تعليم اللغة تلح على ضرورة الانطلاق من لغة المتعلمين لأنَّها لصيقة بحياتهم ومعبرة عن خبراتهم فإننَّا في وطننا العربي نعاني مشكلة ازدواجية اللغة، إذ إنَّ خبرة الأطفال ملتصقة بالعامية، فرصيدهم اللغوي هو العامية في الأعم الأغلب فهل يمكننا الانطلاق من العامية؟ وأي عامية ننطلق منها، وكلٌّ منها يختلف عن الآخر إنْ في أقطار العروبة كلِّها وإنْ في القطر الواحد؟‏

والواقع أنَّ الذين يحاولون تقديم البرامج بالعامية استناداً إلى الانطلاق من خبرة المتعلمين على أنه مبدأ تربوي لا خلاف حوله لا يخدمون اللغة العربية الأم، وهي اللغة القومية، وهاهي ذي الأمم الحية تعنى بلغاتها القومية منذ الطفولة وفي سائر مناشط الحياة موفِّرة لأبنائها المناخات الملائمة لغوياً ليمتصوا منها لغتهم سليمة من غير عناء أو صعوبة.‏

ولغتنا العربية الفصيحة هي اللغة القومية الأجدر بالتعلُّم لأنَّها لغة التراث، وهي الرابطة التي تربط بين أبناء الأمة، فتوحد شملهم، وتجمع كلمتهم لأنها أساس قوميتهم، وإنَّ أيَّ تفريط فيها يؤدي إلى ضياع فكري يباعد بين ماضي العرب وحاضرهم، كما أنَّ تبنِّي العامية يقود إلى التجزئة وتثبيت الانفصال بين أقطار الوطن العربي لاختلاف اللهجات العامية وتباين أنماطها.‏

بيد أنَّ الانطلاق من الرصيد اللغوي للناشئة لا يتعارض مع اعتبار الفصيحة نقطة الانطلاق، إذ إنَّ في هذا الرصيد قدراً كبيراً من الفصيحة يمكن الاعتماد عليه واستثماره، كما أنَّ في ذلك الرصيد قدراً من الألفاظ الفصيحة التي اعتراها التحويل والتبديل وتحتاج إلى جهد بسيط حتى تعود إليها سلامتها فيمكن أن تُعتَمَدَ أيضاً في عملية الانطلاق.‏

ولا يتعارض هذا النهج مع وجوب طبع النشء على العربية السليمة منذ البداية، إذ إنَّ المقصود هو جعل لغة الأطفال منطلقاً لتعليم العربية بتصحيح ما فيها من تحريف، مما يحوّلها من عامية إلى عربية، فالقالب اللغوي الذي يستخدمه الطفل في العامية "بدي آكل" نسبغ علية ثوب الفصيحة فيغدو "أريد أن آكل" وبهذا يتجمع للطفل رصيد لفظي من الفصيحة بأيسر السبل، على أن يزداد هذا الرصيد بما يتفاعل معه الطفل من أقاصيص وأناشيد بالعربية الفصيحة.‏

أما الأهداف التي نبتغيها من تعليم المحادثة والتدريب عليها إن في الرياض أو في مرحلة التعليم الأساسي فهي:‏

أن يتكلم الطفل أكثر ما يمكنه أن يتكلم على أن يوضع في مواقف الكلام بكل حرية فليتكلم عن أيِّ شيء يريد، وكما يشاء، ولمن يشاء، وإذا لم تكن لدية الرغبة في الكلام فلا يجبر عليه، وإنما يؤجل الموضوع حتى تكون هناك رغبة، على أن يقوم المعلم باستثارة الدافعية نحو الكلام وخلق الرغبة في نفوس صغاره بوسائل متعددة، وأن يكفَّ عن التدخل السلبي الذي يزعج التعبير العفوي للطفل، وإذا تدخل فلحث الطفل على متابعة الكلام وتعزيز الحديث.‏

أن يتكلَّم الطفل على الوجه الأفضل فيعمد بعد إجراء المحادثة بين الأطفال على تذليل صعوبات النطق وتقويم الأخطاء الشائعة(10)‏

وتجدر الإشارة إلى أنَّه في مرحلة الرياض والحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي يتم التركيز على استخدام القوالب اللغوية في منأى عن ذكر المصطلحات النحوية، إذ من خلال قالب واحد يمكن أن أعلِّمَ مئات المفردات وأن أستخدمها في التركيب اللغوي الذي يبقى واحداً ففي قولنا: " أريد أن أشرب" يمكنني أن أضع مئات الكلمات مكان "أشرب" ويبقى القالب اللغوي محافظاً على نمطه، ويمكن في هذه المرحلة تعليم الأطفال استخدام الأشكال المختلفة للاستفهام، كما يمكن الأخذ بأيديهم إلى استعمال الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة والضمائر بصورة ميسرة وسهلة مما يرضي اهتمامهم ويلبي حاجاتهم إلى الاستفهام وغيره مما تتطلبه مواقف الحياة.‏

وفي الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي، ومع النمو الفكري للناشئة يتم الانتقال في تعليم اللغة من اللاإدراك إلى الإدراك، فالطفل لا يدرك في استخدام البنية اللغوية أو القالب اللغوي وظيفة الكلمة في الجملة، فيبدأ المعلم بتقريب المفاهيم النحوية من حيث وظيفة الكلمة إلى أذهان صغاره، ومن ثَمَّ يدرِّب على توليد المعاني النحوية من ألفاظ قليلة وذلك باختلاف موضع الكلمة في الجملة وإدراك المعاني الدقيقة للكلمة في السياق على النحو الذي عبّر عنه عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز إذ يقول: فلينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زَيدٌ مُنطلِقٌ، وزيدٌ يَنطلِقٌ، ومنطلقٌ زيدٌ، وزيد المنطلق، وزيد هو المنطلق.‏

ولننظر في الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرجْ أخرجْ وإن خرجْتَ خَرجْتُ، وإن تخرجْ فأنا خارِجٌ، وأنا خارِجٌ إنْ خرجت، وأنا إنْ خرجْتَ خارِجٌ.‏

كما يمكن النظر في الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيدٌ مسرعاً، وجاءني يسرِعُ، وجاءنِي وهو مسرعٌ، وجاءني وقد أسرع"(11) وقد اعتمد تشومسكي هذا المنحى من بعد في نظريته "النحو التوليدي" انطلاقاً من رؤيته أنَّ اللغة هي الاستخدام اللامحدود لموارد محدودة.‏

أما الموضوعات التي يتحدث عنها الأطفال فمتعددة بدءاً من سرد الحكايات والأقاصيص والتعقيب عليها ومروراً بالصور والأفلام ورؤيتهم فيها، والمواقف التي يمرون بها من رؤية الحيوانات والنباتات والأشجار والمعارض والمباريات واللقاءات وانتهاءً بإلقاء الكلمات في المناسبات المختلفة والمناقشات الجماعية للمشكلات التي تصادفهم في بيئتهم وتأدية الأدوار المسرحية...إلخ.‏

وتتخذ المحادثة أشكالاً متعددة فقد تكون:‏

1 ـ بين المعلم والطفل.‏

2 ـ بصورة ثنائية بين طفلين.‏

3 ـ بين الأطفال أنفسِهِم وبإشراف المعلم.‏

4 ـ ندوة مصغرة والتدرب على إدارة الاجتماعات والجلسات.‏

5 ـ بصورة مستقلة في التعبير الشفهي بأنواعه المختلفة الوظيفية والإبداعية والابتكارية.‏

وفي الأحوال كافّة لابدَّ من الأخذ بالحسبان ما يلي:‏

6 ـ أن تكون موضوعات التعبير الشفهي متنوعة ومستمدّة من عالم الصغار وممّا يتفاعلون معه، وتراعي النمو الفكري لهم.‏

7 ـ أن يتم التعبير بالعربية الفصيحة المبسطة.‏

8 ـ أن تسود آداب المحادثة في المناقشة من حيث عدم المقاطعة في أثناء الكلام، وعدم استئثار فرد واحد بالكلام، وتوزيع الأدوار على جميع الأطفال ومراعاة الفروق الفردية بينهم، والحرص على النظام، والابتعاد عن الفوضى في التعقيب.. إلخ.‏

9 ـ أن يسهم المعلمون كافّةً في الارتقاء بالمحادثة والتعبير الشفهي من حيث عملية التقويم وعدم محاصرة التعبيرات الشفهية للأطفال في عملية تسميع الدروس وغيرها عندما يجبر الطفل على التقيُّد بما ورد في الدروس ويحاسب إذا ما خرج عنه، وهذا ما يحول دون أن يحس الطفل بحريته، وينطلق تلقائياً للتعبير عن فِكَرِهِ ومشاعره.‏

10 ـ أن تعتمد طريقة القدح الذهني أو العصف الدماغي في معالجة الموضوعات.‏

ب- الاستماع: ثمة تلازمٌ بين المحادثة والاستماع، ويقصد بالاستماع الإنصات والفهم والتفسير، وتعد مهارة الاستماع من مهارات الاستقبال، ولكن المستمع في عملية التواصل اللغوي ليس متلقياً فقط، وإنما هو إيجابي إذ إنه يبذل مجهوداً أكبر من المجهود الذي يبذله المتحدث، وإذا كان المتحدث يعمل على تركيب الكلام فإنَّ المستمع يعمل على تفكيكه بحثاً عن مضمون الرسالة المنقولة إليه فهماً وتفسيراً وتحليلاً ونقداً.‏

ويُعدَّ الاستماع مرحلة حضانة لبقية المهارات اللغوية، إذ إنَّ المتحدث يعكس في حديثه اللغة التي يستمع إليها، كما أنَّ أداء المتحدث ولهجته وانسيابه وطلاقته تؤثر في المستمع وتدفعه إلى محاكاتها. والدقة في المحادثة تُكتَسَبُ بالاستماع الدقيق إلى المتحدث الدقيق، ذلك لأنَّ نمو مهارات الاستماع تساعد على النمو في الانطلاق في المحادثة.‏

والاستماع في مرحلة الروضة هو الأساس في التعليم اللفظي، والقدرة على التمييز السمعي مرتبطة بالقراءة في المرحلة التالية، والأطفال في المراحل الأولى يتذكرون ما يستمعون إليه أكثر مما يقرؤونه، أما في المراحل التالية فيتذكرون ما يقرؤونه أكثر مما يستمعون إليه.‏

أما طرائق تدريس الاستماع فتتجلى في:‏

1- أن يفسح المعلم في المجال للاستماع مدة لا تزيد على عشر دقائق أو ربع ساعة في المراحل الأولى على أن يقوم المعلم بسرد حكاية على ألسنة الحيوانات لتعلق الأطفال بها، أو أقصوصة قصيرة من البيئة تلائم القدرات العقلية والنمو الفكري لأطفاله، ويستخدم القوالب والمفردات المستمدة من عالم الصغار، ولابد من أن تتطور الأصوات في أثناء سرد القصة بحسب تطور حوادثها بحيث يكون الصوت هادئاً ومسموعاً، ثم يرتفع شيئاً فشيئاً، ويتغير في انخفاضه وارتفاعه بحسب المناسبات والمواقف من حيث الغضب والحزن والاستعطاف والاسترحام. .إلخ وعندما يصل إلى العقدة وحوادثها يعرضها بصوت يُشغِلُ انتباه الصغار، إذ إنّ قوّة انتباههم للقصة تشتد كلما تطورت العقدة وزاد تعقيدها. وعلى السارد أيضاً أن يسرد حوادث القصة بصوت مؤثر يجعل الطفل يتطلع إلى لحظة الحل، وإذا وصل إليها وجب أن تُشْعِر عبارة السارد ونغمة صوته بانتهاء القصة.‏

وعلى المعلم أن يبتعد عن النهايات المحزنة ومشاهد الإجرام والعنف لآثارها السيئة على نفوس صغاره، وأن يركِّز على المشاهد المفرحة والدافعة إلى التفاؤل والمشتملة على بعض القيم، ومن ثم يوجِّه أسئلة يختبر فيها مدى فهم الأطفال لمجريات القصة وتسلسلها.‏

2- تكليف أحد الأطفال في مراحل متقدمة تلخيص قصة وسردها أمام زملائه، وهم يستمعون إليه، ويناقشونه فيما استمعوا إليه بإشراف المعلم.‏

3- تكليف عدد من الأطفال الاستماع إلى نشرات الأخبار والاستماع إلى بعض برامج الأطفال في التلفاز، وتقديم ملخص عنها إلى الزملاء، وإجراء مناقشات حولها.‏

4- الاستماع إلى بعض الأحاديث القصيرة المسجلة على أشرطة أو في المذياع والتلفاز ومناقشة مضامينها.‏

5- مشاهدة بعض الأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزية التي تعالج موضوعات اجتماعية ومناقشتها، ويتم هذا في الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي.‏

6- الاهتمام بقراءة الاستماع في الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي بعد أن يتمكن الناشئة من مهارات القراءة الجهرية.‏

7- الاستماع إلى الموسيقى والتسجيلات الغنائية.‏

8- التدريب على أنواع الاستماع المتمثلة في الاستماع بقصد الاستمتاع، والاستماع بقصد الحصول على معلومات، والاستماع بقصد النقد والتحليل،على أن يراعي المعلم في التدريب مراحل النمو الفكري، إذ إنَّ الاستماع بقصد التحليل والنقد يلائم الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي.‏

9- تلافي المعوّقات التي تحول دون الاستماع الجيّد من معوقات جسمية ونفسية وعقلية وخارجية إلخ وثمة آداب للاستماع كما للمحادثة آدابها,. وعلى المعلِّم أن يدرب على هذه الآداب منذ نعومة الأظفار من حيث الانصراف الكلي إلى المتحدِّث والجلسة الطبيعية وعدم مقاطعة المتحدث، أو عدم الانفعال في أثناء التعقيب، وعدم إحراج المتحدث، والتحلي بالأناة واحترام الرأي الآخر.‏

ج- القراءة: ليست مهارة القراءة من المهارات البسيطة، وإنما هي مهارة مركبة تشتمل على مجموعة من المهارات، وإذا كان المفهوم الحديث للقراءة يتضمن تعرف الحروف والكلمات والنطق بها صحيحة والفهم والربط والاستنتاج والتحليل والتفاعل مع المقروء ونقده وتوظيفه في حلّ المشكلات فإنَّ مهارات القراءة في ضوء هذا المفهوم تتمثل في جانبين أولهما فسيولوجي ويشتمل على تعرف الحروف والكلمات والنطق بها صحيحة والسرعة في القراءة وحركة العين في أثناء القراءة ووضعية القارئ، وثانيهما عقلي ويتمثل في فهم المفردات والمعاني القريبة والبعيدة واستخلاص المغزى والتذوق والتفاعل مع المقروء ونقده وتوظيفه.‏

وتهدف طرائق تعليم القراءة إلى إكساب الطفل مهارات القراءة بصورة تدريجية مع النمو الفكري له على النحو الآتي:‏

1- مرحلة تنمية الاستعداد لتعلم القراءة:‏

وهي مرحلة رياض الأطفال، إذ يتم فيها إجراء تدريبات في الإدراك والملاحظة والتعبيرات الصوتية والأدائية والغناء والرسم والتقليد، وثمة خطر في البدء بتعليم الطفل القراءة وهو غير مستعد لها، وليس لديه دافع. ولقد أثبتت مختلف التجارب أنَّ الأطفال دون السادسة من العمر أيّاً كان وسطهم الاقتصادي يستطيعون تعلَّم القراءة إذا ما وضعوا في بيئة غنية وحافزة ويغتبطون لاكتشاف رموز اللغة المكتوبة اغتباطهم لاكتشاف رموز اللغة الشفهية انطلاقاً من القدرات الهائلة في دماغ الطفل، والتي تحتاج إلى بيئة حافزة حتى تنطلق، وهناك عدة عوامل تؤثر في مدى استعداد الطفل لتعلُّم القراءة ومن هذه العوامل:‏

1ــ جوُّ الأسرة.‏

2ــ مستوى النضج الجسمي من حيث النظر والسمع والبنية.‏

3ــ النضج اللغوي من حيث الوظيفة الرمزية للكلمات ودلالتها والصور التي تعبِّر عنها وأصواتها والحركات والأشياء، ومن حيث الاتصال والمظهر الكمي للغة الطفل متمثلاً في رصيده الشفهي، وأخيراً من حيث مستوى الذكاء.‏

2- مرحلة البدء بتعليم القراءة:‏

وغالباً ما تكون في الصفِّ الأوّل من مرحلة التعليم الأساسي، وثمّة طرائق ثلاث استخدمت في تعليم القراءة للمبتدئين وهي:‏

أ ــ الطريقة التركيبية: وتنطلق من إكساب الطفل الحروف فالمقاطع فالكلمات فالجمل أي تنطلق من الجزء وهو الحرف إلى الكلِّ وهو الكلمة والجملة. وتُعدُّ هذه الطريقة من أقدم الطرائق وتستند إلى نظرية التدريب الشكلي لقوى العقل الإنساني حيث ترى أنَّ تدريب الطفل على قراءة الحروف يقود بالضرورة إلى قراءة الكلمات والجمل.‏

2 ــ الطريقة التحليلية: وتنطلق من الوحدة الكلية ذات المعنى متمثلة في الجملة مروراً بالكلمة والمقاطع وصولاً إلى الحرف، أي تنطلق من الكلِّ إلى الجزء وهو الحرف، وقد تأثرت بنظرية الجشتالت في علم النفس التي ترى أنَّ الأمور الكلية تدرك قبل الأمور الجزئية، ولقد أثبتت تجربة "decroly" أنَّ تذكُّر الجمل يفوق تذكر المقاطع والحروف، إذ عرض على مجموعة من الأطفال خمسة نماذج:‏

ــ ثلاثة حروف منفصلة.‏

ــ ثلاثة مقاطع منفصلة.‏

ــ ثلاثة أوامر.‏

ــ ثلاث جمل.‏

ــ ثلاث كلمات.‏

واستمر العرض عدة أيام وفي فترات متقطعة، ثم قِيسَ مدى تذكر الأطفال فوجد القائمون على التجربة أنَّ حفظ الجمل يفوق حفظ الكلمات، وأنَّ حفظ الكلمات يفوق حفظ المقاطع، وأنَّ حفظ المقاطع يفوق حفظ الحروف.‏

أمَّا الجمل التي تُقدَّم في القراءة فهي الجمل التي دُرِّبَ عليها الطفل في المحادثة، وأصبحت من رصيده اللغوي ومفهومة لديه.‏

ج- الطريقة التوفيقية أو المختلطة: وهي التي تجمع بين التحليل والتركيب، إذ إنَّها تنطلق من الوحدة الكلية ذات المعنى وصولاً إلى الحرف، ولا تقف عنده وإنَّما تُؤلِّف منه مقطعاً فكلمة فجملة.‏

ومن الأمور التي لابدَّ من مراعاتها في إكساب الطفل مهارة القراءة تنمية القدرة على التصنيف من حيث الموازنة والمقارنة والتماثل والتشابه في بعض الكلمات، وتعويد الطفل على التصنيف والمقارنة يُسهِّل عملية تعلُّم القراءة، كما أن تدريبات التصنيف والمقاربة تساعد الأطفال الذين يشكون من بطء في التعلم.‏

ويرى أنصار الطريقة التركيبة أنَّ طريقتهم تساعد على اكتساب الحروف والتمكُّن من القراءة بسرعة، في حين يرى أنصار الطريقة التحليلية أنَّها تنسجم والطريق الطبيعي في عملية الإدراك، وأنها مشوقة لمراعاتها دوافع الطفل وخبراته واهتمامها بالمعنى. أمَّا أنصار الطريقة التوفيقية فيرون أنَّ طريقتهم هي الفضلى لأنها تجمع بين التحليل والتركيب من جهة ولأنَّها تركِّز على الإيجابيات في الطريقتين. والواقع لا يمكن الحكم على فعالية أي طريقة إلا في ضوء التجارب العلمية المنضبطة.‏

3- تعليم القراءة في التعليم الأساسي:‏

من الملاحظ أن شغف الأطفال بالقراءة ينمو نموًا سريعًا في نهاية الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي، ويكون ثمة تقدم ملحوظ في دقة الفهم والاستقلال في تعرُّف الكلمات والانطلاق في القراءة الجهرية وازدياد في نسبة نمو القراءة الصامتة.‏

وفي الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي تزداد سرعة القراءة الصامتة على سرعة القراءة الجهرية، ويستطيع الأطفال قراءة القطع الأدبية السهلة والقصص، وتزداد سرعة كفايتهم في القراءة لأغراض مختلفة، وتتحسن القراءة الجهرية تحسُّـنًا نوعيًا.‏

والسؤال الذي يُثار في التعليم الأساسي: هل يبدأ المعلم في درس القراءة بالقراءة الجهرية أم الصامتة؟ والواقع أنَّ مستوى الأطفال هو الذي يُحدِّد عملية البدء فإذا كان مستوى الأطفال جيدًا في القراءة الجهرية يبدأ بالقراءة الصامتة، أمَّا إذا كان المستوى ضعيفًا فلابدَّ من أن يركِّز على القراءة الجهرية ويبدأ بها من حيث النطق السليم والأداء المعبِّر والسرعة في القراءة والتعرف الدقيق للكلمات.‏

وفي الأحوال كافة على المعلِّم أن يُدرِّب في دروس القراءة في الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي على:‏

أ ـــ الدقة والاستقلال في نطق الكلمات الصعبة في النص وتلوين القراءة بحسب المواقف من حيث الاستفهام والتعجب والإباء والاسترحام... إلخ.‏

ب ـــ زيادة الثروة اللفظية والتدريب على استعمال السياق في القراءة، واستعمال المعاجم والتدريب الصرفي للكلمة، ومن ثم تصنيف الكلمات على أساس معين كالترادف والتضاد والأوصاف... إلخ.‏

ج ــ الدقة في الفهم بمستوياته كافة من فهم للكلمة والجملة والفقرة والنص كاملاً وفهم الفكر الفرعية والأساسية، وفهم ما بين السطور وما وراء السطور من الغايات والمرامي البعيدة.‏

د ــ القراءة الناقدة: من حيث المقارنة بين المصادر المختلفة في التوصل إلى المعلومات والتمييز بين الفكر والحكم عليها واستخلاص القيم والاتجاهات من النصوص المقروءة وتعرُّف ما هو صالح للفرد والمجتمع وما هو ضارٌّ بهما.‏

هـ ــ القراءة السريعة: وتتطلب إعانة على الفهم ومواكبة لمتطلبات العصر، فيُمرَّن الأطفال على استخدام قائمة المحتويات والفهارس وتصفح الكتاب بسرعة لمعرفة موضوعه واتجاهه، على ألاّ يكون ذلك على حساب بقية أنواع القراءة.‏

و ــ قراءة التذوق: بغية الوقوف على مواطن الجمال في الأساليب واستثارة انتباه الأطفال إلى الأخيلة والصور والعواطف والموسيقى... إلخ.‏

ز ـــ قراءة الاستماع: على ألا تقتصر قراءة الاستماع على النصوص التي يشتمل عليها الكتاب، وإنما يكون التدريب أيضًا على نصوص من خارجه لأنَّ هذا اللون من القراءة هامُّ جدًا في اكتساب المعرفة في مستقبل حياة الطفل، على أن تعقب قراءة الاستماع مناقشة لبيان مدى فهم الناشئة لما استمعوا إليه.‏

ح ــ القراءة الحرة: انطلاقًا من مكتبة المدرسة، إذ عندما تكون مكتبة المدرسة غنية بمحتوياتها تستثير اهتمامات الأطفال وترضي ميولهم، وتلبي حاجاتهم، على أن يكون المعلم مشرفًا وموجهًا وناصحًا، ومن ثم يمكن للمعلم أن يخصص جوائز ومكافآت لمن يقرؤون الكتب الخارجية ويقومون بتلخيصها، على أن تكون المادة الملخصة مادة نقاش تعميمًا للفائدة، وحفزًا على القراءة وتحبيبًا بها.‏

ومن الأخطاء المرتكبة في تعليم القراءة للأطفال:‏

أ- القصور في تطبيق الطريقة التوفيقية في تعليم القراءة للأطفال بصورة صحيحة، إذ إنَّ هذه الطريقة تجمع بين التحليل والتركيب، إلا أن بعض المعلمين ينطلقون من تحليل الجملة إلى الكلمات ومن ثم إلى المقاطع فالحروف ولكنهم لا يعيرون عملية التركيب الاهتمام الكافي فلا تنال الوقت الكافي من التدريب.‏

ب- القصور في مراعاة أنواع القراءة في ضوء النمو الفكري للأطفال، إذ لابد من التركيز على القراءة الجهرية في الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي لأنها تكشف عن الأخطاء، وتذلل صعوبات النطق، وتعود الطفل على الثقة بالنفس والجرأة في مواجهة الجمهور. ويقدر بعض المربين نسبتها في هذه الحلقة‏

بـ75% وفي الحلقة الثانية ترتفع نسبة القراءة الصامتة إلى 50% لتغدو الجهرية 50% .أما في المرحلة الثانوية فتصل نسبة الصامتة إلى 75%.‏

ومن القراءات المهملة في نظامنا التربوي قراءة الاستماع والقراءة الخاطفة، والقراءة الناقدة والقراءة الحرة. ولابد أن تحظى هذه الأنواع بالاهتمام.‏

ج- التركيز على مهارات معينة دون غيرها: فلقد سبق أن أشرنا إلى أن مهارات القراءة مهارات فسيولوجية ومهارات عقلية. ومن الملاحظ أن بعض المعلمين يركزون على ميكانيزم القراءة متمثلاً في تعرف الحروف والكلمات والنطق بها صحيحة، والسرعة في القراءة، ويهملون المهارات العقلية من حيث الفهم والتفسير والتحليل والربط والنقد والتفاعل والحكم.‏

د- عدم مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال: فثمة أطفال يعانون التخلف في القراءة، فلابدَّ من أن يُعَنى بهم المعلم آخذًا بأيديهم إلى مستويات أفضل، وفي الوقت نفسه عليه ألا يُهمِلَ المتفوقين، بل أن يقدم لهم المادة الملائمة والأسئلة التي تلبي قدراتهم واستعداداتهم، لأنَّ في إهمالهم والانصراف إلى المتخلفين ضررًا كبيرًا، إذ يؤدي ذلك إلى سأمهم ومللهم وكراهيتهم جوَّ المدرسة كما أنَّ في إهمال المتخلفين ضررًا كبيرًا هو الآخر.‏

هـ- إهمال الربط بين القراءة والتعبير: إذ إنَّ قراءة النصوص ينبغي أن تفضي إلى إغناء التعبير صورًا وأسلوبًا وقيمًا ومفردات وتراكيب... إلخ.‏

و- قلة الاستعانة بالوسائل والتقنيات من صور ومجسمات وأفلام وبطاقات ومخابر وحواسيب... إلخ لأن هذه الوسائل تغني الدرس، وتبعث الحيوية والنشاط في أجوائه، وتقرّب المفاهيم إلى الأذهان وتساعد على تحقيق الأهداف.‏

ز- الإخفاق في تكوين عادات القراءة: ومن مظاهر هذا الإخفاق ما نلاحظه من عزوف لدى الجيل عن القراءة، ولو نجح المعلمون في تكوين هذه العادات لاستمرت معهم في مستقبل حياتهم. ومن العوامل المؤدية إلى هذا الإخفاق عدم توفر القدوة الحسنة من الكبار معلمين كانوا أو آباء، إذ إنَّ الكبار لم يتمكنوا من غرس الشغف بالقراءة في نفوس الصغار.‏

ح- الإخفاق في تكوين مهارات التعلم الذاتي لدى الناشئة، ذلك لأنَّ التعلم الذاتي هو أساس للتعلم المستمر مدى الحياة. وفي عصرنا الحالي عصر العلم والتقانة، عصر الحاسوب والشابكة "الإنترنت" مجال واسع لاكتساب مهارات التعلم الذاتي.‏

وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات التربوية في الغرب تولي اهتماماً متزايدًا لاستخدام الحاسوب والشابكة "الإنترنت" لتنمية مهارات القراءة الأساسية والمتقدمة من رياض الأطفال حتى طالب الجامعة. وهناك عدد من البرامج الحاسوبية المتوفِّرة حاليًا ابتداء من مهارات تمييز الحروف والكلمات إلى استيعاب النصوص الأدبية وتنمية حصيلة المفردات، ومهارات انتقاء الكتب، والبحث عن المعلومات، وزيادة سرعة القراءة. ويُستخدم الحاسوب حاليًا أداة أساسية في عيادات القراءة لتشخيص أمراض القراءة وعلاجها وتقييم الجاهزية القرائية(12).‏

وثمة صيحات تنطلق لتقول: "وداعًا قراءة المطالعة والتلقي السلبي والاقتصار على النصوص، ومرحبًا بقراءة التفاعل والإبحار والسيولة الرمزية لانصهار المكتوب والمرئي والمسموع في وسائل الوسائط المتعددة(13)".‏

ط- الإخفاق في تكوين النشاط الإبداعي في القراءة: ويتميّز النشاط الإبداعي بثلاث خصائص أساسية هي الأصالة والطلاقة وتقييم الذات، وقد أضاف إليها الدكتور مصطفى سويف مواصلة الاتجاه. أما أصالة القراءة فتعني جديتها وفاعليتها والدخول في جدل عميق مع النص والقدرة على تقطير حصادها المعرفي في صورة مفاهيم وأفكار محورية يتم بوساطتها تحديث البنى المعرفية في ذهن القارئ توسُّعاً وتعمقاً.‏

والطلاقة تعني انسيابية القراءة وسرعتها مع عمق الاستيعاب وعدم الارتداد إلى مواقع سابقة. وفي النص التفاعلي تعني الطلاقة سرعة انتقاء حلقات التشعب النصي والإبحار الهادف في فضاء الإنترنت بصورة تضمن سرعة الوصول إلى المعلومات المطلوبة.‏

ويتمثل تقييم الذات في قدرة القارئ على تقييم مدى فاعلية قراءته من خلال استذكار النقاط الرئيسة لما يقوم بقراءته والحكم على مواقفه في ضوء ما يكتسبه من معارف وخبرات من خلال القراءة.‏

ومواصلة الاتجاه تعني أنه لابد للقارئ المبدع من وضع خطط طويلة الأمد لقراءته من حيث مجالات القراءة ونوعيات النصوص ومستوى الصعوبة وكيفية توزيع الجهد القرائي على مطالب القراءة المختلفة. ومواصلة الاتجاه في قراءة التخصص تعني مداومة التعمق وملاحقة الجديد وزيارة المواقع باستمرار. أما فيما يخص القراءة خارج نطاق التخصص فتعني متابعة المعارف الجديدة العابرة للتخصصات ذات الصلة بمجال التخصص (14).‏

د- الكتابة: ثمة تلازم بين تعليم القراءة وتعليم الكتابة ففي الوقت الذي يُدرَّب فيه الطفل على تعلم القراءة في الصفِّ الأول من مرحلة التعليم الأساسي في الأعم والأغلب، يدرب على كتابة الحروف والكلمات التي اكتسبها في القراءة. ويمكن أن يدرب الطفل على الوضع الصحيح لإمساك القلم في رياض الأطفال.‏

وتدريب الأطفال في التعليم الأساسي على كتابة ما يُحاكونه أمر مهمٌّ فمحاكاة الخط الجميل والدقة في تلك المحاكاة تساعدان الناشئ في مستقبل حياته على تذوق الجمال والتناغم والانسجام في الكتابة، والتدريب على النسخ والنقل وعلى الإملاء المنظور ومن ثم الإملاء الاستماعي يحظى بالاهتمام في الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي ويتم في وقت مبكر، على أن يُراعى في ذلك كلِّه الوضوح والإتقان والسرعة والصحة، ذلك لأنَّ الملاحظة والدقة والمثابرة والجمال والنظام والتنسيق، ذلك كلٌّه يوضع بذروه في السنوات الأولى من مرحلة التعليم الأساسي.‏

والخطُّ الذي يحاكيه الطفل ينبغي أن يكون جميلاً وقد كتبت حروفه وكلماته بإتقان، فإذا لم يكن خطُّ المعلم جميلاً فيمكن أن يعرض أمام صغاره نماذج في الفيديو أو على شاشة التلفاز والحاسوب لأطفال يُراعون الأوضاع الصحية في الكتابة من حيث بعد الورقة عن العين والوضعية الصحية للجسم واستقامة السطور، كما يمكن أن يعرض نماذج من الخطّ الجيّد ويطلب إلى الصغار محاكاتها على أن يراعي الطفل وضع علامات الترقيم في كلِّ ما يكتبه حتى يدرك أهمتها في الكتابة وفي المعنى أيضاً، ولابدَّ من تدريب الطفل على كتابة الشابكة "الإنترنت" أيضاً وهي كتابة أرقى وأكثر تعقيداً وأكثر صلة بالتفكير وأكثر مسؤولية وأوضح تنظيماً.‏

وثمة تدريبات على بناء الجمل في المراحل الأولى وعلى ترتيبها يمكن أن تُقدَّم مكتوبة أو بوساطة الحاسوب، ويطلب إلى الصغير إنجازها في ضوء الإرشادات، فإذا جاءت إجابته صحيحة عززت وإن كانت خاطئة طلب إليه إعادة المحاولة من جديد، وقد تتغير صيغة السؤال فيستبدل بها صيغة أبسط وأوضح.‏

وفي الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي يُدرَّب الأطفال على فنون التعبير الكتابي الوظيفي متمثلة في كتابة الرسائل واللافتات والإعلانات والإرشادات والتوجيهات وبطاقات التهنئة والاعتذار والدعوة وملء الاستثمارات وأصول تقديم الطلبات وتقارير محاضر الجلسات.. إلخ. كما يدربون على التعبير الإبداعي كشفاً عن المواهب وارتقاءً بها، ويمكن الاستئناس بالنماذج الأدبية في هذا المجال، على أن يكون لكل متعلِّم أسلوبه الخاص بعد ذلك.‏

ويستحسن في معالجة موضوعات التعبير الكتابي اعتماد طريقة القدح الذهني أو العصف الدماغي، وهي الطريقة التي تقوم على استقاء عناصر الموضوع من الناشئة أنفسهم فيتلقى المعلم جميع العناصر التي يذكرونها دون استبعاد أي منها في المرحلة الأولى، وفي المرحلة التالية يناقش مع ناشئته هذه العناصر فيستبقي ماله علاقة بالموضوع ويستبعد ما ليس له علاقة حتى يدرب الناشئة على التقيد بالموضوع وعدم الخروج عنه لأنَّ آفة الخروج عن الموضوع مستشرية لدى عدد منهم. وفي المرحلة الثالثة يعمل على تبويب هذه العناصر بصورة منهجية، ويكلف الناشئة الكتابة حول كل عنصر منها.‏

ويمكن عرض رؤوس الموضوعات في الحاسوب، ويترك للمعلم حرية وضع العناصر لكل منها، ثم تأتي العناصر التي يتضمنها كل موضوع فيقارن الناشئ بين العناصر التي وضعها والعناصر المطلوبة، ويطلب إليه تنظيم عناصره بصورة منطقية بحيث تتسلسل الفكر في ترتيب وتواقف وانسجام. والغرض من هذا الترتيب تعويد الأطفال على الدقة والمنهجية في التفكير ومعرفة المقدمات والنتائج والأسباب والمسببات.. إلخ.‏

وبعد أن يكتب الطفل موضوعه يطلب إليه أن يقوم بمراجعة ذاتية حتى يطلع على ما كتبه، ويتلافى الكثير من الَهَناتِ والأخطاء التي وقع فيها إملائية كانت أو نحوية أو علامات ترقيم، إذ إنَّ كثيراً من الأطفال يكتبون موضوعاتهم من غير أن يضعوا فاصلة أو نقطة أو إشارة استفهام أو علامة تعجب أو علامة تنصيص أو نقطتين.. إلخ وفي المواضع التي تتطلب ذلك، وهذه المراجعة الذاتية تعود الناشئة الاعتماد على النفس والثقة بها في تلافي الكثير من الهَنَات والهفوات (15).‏

وفي طرائق تعليم التعبير الكتابي ثمة أمور لابد من مراعاتها ومنها:‏

1ـــ عدم فرض الموضوعات على الناشئة من غير تهيئة ذهنية ونفسية لها، إذ لابدَّ من الابتعاد عن إجبار الطفل على الكتابة في موضوع غالباً ما يكون بعيداً عن اهتماماته الراهنة. والسؤال الذي يُثار هنا: إذا لم يكن لدى الطفل رغبة في الكتابة فما العمل؟.‏

حدد السيد M.Ferinet من أرباب المدرسة الحديثة في تعليم التعبير هذا الموقف بصورة جميلة إذ إنه يشبه ذلك بقصة حصان غير ظمآن "هيَّا إذن اجعل حصاناً غير ظمآن يشرب حتى بالصراخ، وهيَّا حاول إجبار أطفال لا يرغبون في الكتابة على الكتابة (16).‏

حلّ Ferinet المشكلة بطريقة النص الحرّ، إذ يفسح في المجال أمام الطفل ليكتب في أي موضوع يريد، هذا من جهة ومن جهة أخرى أشار إلى طباعة كتابات الأطفال وتبادل الموضوعات بين المدارس، وهو يرى أنْ لا طريقة أفضل من ذلك إذ عندما يرى الطفل أنَّ موضوعه مطبوع ويصل إلى مدارس بعيدة تأخذه الحماسة نحو الكتابة.‏

وإذا كانت درجات الحرية مفتوحة وغير محدودة فيمكن أن تضيق لتنحصر في ثلاثة موضوعات أو موضوعين يختار الطفل أحدهما.‏

ويُضاف إلى الموضوعات الحرة التي تستثير المتعلمين القصص ذات النهايات المفتوحة والتي يمكن لأيّ طفل أن يضع لها نهاية كما يريد. وهذا الأسلوب يُنمِّي اعتماده على نفسه في التفكير والبحث وأن يكون له نمط تفكيره الخاص وأسلوبه المميز.‏

2- اختيار موضوعات التعبير من الخبرات المباشرة للصغار ومن الأمور المحسوسة، ومع النمو الفكري تختار الموضوعات من الخبرات غير المباشرة إلى جانب الخبرات المباشرة، ومن الأمور المجردة إلى جانب المحسوسة، ففي الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي تغلب الموضوعات المحسوسة والخبرات المباشرة. وفي الحلقة الثانية تزداد نسبة الخبرات غير المباشرة والأمور المجردة، وفي المرحلة الثانوية تغلب الأمور المجردة على المحسوسة.‏

3- تنويع صيغ المعالجة: إن اتباع أسلوب واحد في المعالجة يدعو إلى الملل والسأم، ولكن عند ما تتنوع صيغ المعالجة تستثير الحيوية في نفوس الصغار، وعلى سبيل المثال يمكن أن تتحول الجمل المشتملة على صيغ المفعولية إلى صيغ الفاعلية والجمل المشتملة على الماضي إلى الحاضر، كما أنَّ استخدام التشخيص يضفي على الوصف الحيوية، ويجعل اللوحة تنبض بالحياة.‏

4- إنَّ التعبير لا يكتسب إلاّ من خلال التعبير نفسه فكثرة الكتابة ووضع الأطفال في مواقف حيّة تسمح لهم بالتعبير والانطلاق يؤدي إلى إكسابهم مهارة التعبير ومن هنا كان تكليف المتعلمين كتابة القصص والمقالات الاجتماعية والمسرحيات القصيرة ومذكراتهم الشخصية ولا سيما في الصفوف الأخيرة من مرحلة التعليم الأساسي يسهم أيَّما إسهام في مساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم ويمس ذواتهم، ويكشف في الوقت نفسه عن الموهوبين منهم.‏

إنَّ كثرة الكتابة هي التي تؤدي إلى التمرس بها لتغدو بعد ذلك عملية سهلة وعفوية. أمّا الاقتصار على عدد محدّد من موضوعات التعبير يكتبها الأطفال خلال العام الدراسي فلا يؤدي إلى اكتساب مهارات الكتابة لأنَّ الكتابة حتى تغدو عادة لدى الطفل، لابد أن يمارسها بصورة مستمرة ذلك لأنَّ العادات لا تكتسب إلا بطريق الممارسة والتكرار.‏

5- اتباع الأساليب التربوية في تقويم كتابات الأطفال: وتتمثل هذه الأساليب في تشجيع المتعلم مهما تكن كتابته على الاستمرار في الكتابة، والابتعاد عن العبارات الجارحة التي تُثبِّط الهمم، والأخذ بيده نحو الأفضل، فكم من قدرات وُئِدَتْ بسبب الأسلوب غير التربوي! وكم من قدرات نمت وأزهرت وأثمرت بسبب الأسلوب التربوي تشجيعاً وتعزيزاً واكتشافاً وارتقاءً!.‏

هـ - النحو والإملاء:‏

سبقت الإشارة إلى أن التركيز على القوالب اللغوية إنما يتم في مرحلة الرياض والحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي من غير الدخول في المصطلحات النحوية. ويبدأ تعليم النحو في الصف الرابع أو الخامس من مرحلة التعليم الأساسي. وثمة ثلاث طرائق استخدمت في تعليم النحو وهي:‏

1- الطريقة القياسية التي تبدأ بذكر القاعدة ثم تأتي بالأمثلة عليها، لتأتي التدريبات وهي من أقدم الطرائق.‏

2- الطريقة الاستقرائية وهي أن تَستقرِئ القاعدة من خلال عدد من الأمثلة تأتي أولاً، وبعد الوصول إلى القاعدة تجيء التدريبات عليها.‏

3- طريقة النصوص المتكاملة: إذ يرد نص متكامل شعري أو نثري حول موضوع معين، ويشتمل هذا النص على الأمثلة التي تشتمل على القاعدة، وتَستقرِئ الأمثلة وصولاً إلى القاعدة على غرار الطريقة الاستقرائية لتجيء التدريبات بعدها.‏

والطريقة الأخيرة هي المتبعة في تعليم القواعد النحوية في الأعمِّ الأغلب في وطننا العربي، وتعليم النحو ليس غاية في حدِّ ذاته، وإنما هو وسيلة لتقويم القلم واللسان من الاعوجاج والزلل، كما أنَّ الإملاء وسيلة هو الآخر لصحة الكتابة من الخطأ.‏

ومن الأساليب الناجحة في إكساب الطفل المهارات النحوية والإملائية أن تُبرمج المباحث النحوية والإملائية في وحدات صغيرة بحيث يتمثل الطفل الوحدة بعد تفتيتها إلى عدة أجزاء على ألاّ يتم الانتقال إلى أيّ جزء إلا بعد تعرف الجزء السابق. وثمة تدريبات يجيب عنها الطفل على أن تُقدَّم له الإجابة الصحيحة فيقارن بين إجابته والإجابة الصحيحة، فيصحح استجابته بنفسه.‏

ويمكن تقديم برامج متنوعة بطريق الحاسوب كأن يقدم للمتعلم بعض الجمل الناقصة، ويطلب إليه أن يختار الإجابة الصحيحة من بين عدة إجابات إحداها فقط هي الصحيحة، فإذا كان جوابه خطأ رفض الحاسوب هذا الجواب، ودعاه إلى مراجعة القاعدة ثم يحاول مجدَّداً فإذا كانت إجابته خاطئة رفضها أيضاً مُقدِّماً له عبارة " فكر جيداً" ويثيبه بكلمة صح أو صحيح إذا جاءت إجابته صحيحة.‏

وثمة مباحث التصريف والمطابقة والتثنية والجمع وإدخال النواسخ والنواصب والجوازم والأفعال الخمسة والإعراب…إلخ هذه المباحث وغيرها يمكن برمجتها وتعليمها بوساطة الحاسوب وبطريقة التعلُّم الذاتي. والقواعد الإملائية شأنها شأن القواعد النحوية تُبرمج حتى يتمكن المتعلم من اكتساب المهارات الإملائية الخاصة بالمباحث، فمبحث الهمزة يُجزَّأُ إلى وحدات صغيرة مثل همزتي الوصل والقطع، والهمزة المتوسطة التي تكتب على واو أو ياء أو ألف أو على السطر والهمزة المتطرفة المكتوبة على الألف أو الياء أو الواو أو على السطر..إلخ .‏

وفي كل حالة يتفاعل الطفل مع القاعدة مكتوبة أو مسجلة أو في الحاسوب إلخ.‏

وفي تعليم القواعد النحوية والإملائية تراعى الأمور الآتية:‏

1- الابتعاد عن الشذوذ والاستثناءات والمماحكات والتأويلات والخلافات التي تنفر المتعلمين من اللغة، والتركيز على القواعد الوظيفية الأساسية التي يحتاج إليها الطفل في قراءته ومحادثته وتعبيره ليفهم بصورة سليمة ويمارس اللغة بصورة صحيحة(17).‏

2 - الابتعاد عن التلقين الذي يمارسه بعض المعلمين، ودفع المتعلم إلى استنباط القاعدة وإكسابه مهارات التعلم الذاتي باستخدام التقنيات الحديثة.‏

ومن الاتجاهات الحديثة في تعليم النحو تطبيق التعلم التعاوني الجمعي بحيث يكون كل عضو في الفريق مسؤولاً عن تعلُّم ما يجب أن يتعلمه، بالإضافة إلى مساعدة زملائه في المجموعة على التعلم، الأمر الذي يؤدي إلى خلق جوٍّ من الإنجاز والتحصيل واكتساب مجموعة من المفاهيم النحوية وتطبيقاتها قراءة وكتابة، وتكوين الاتجاه الإيجابي نحو تعلم القواعد النحوية(18).‏

3 - الإكثار من التدريبات، إذ لا يكفي أن يتعرَّف المتعلم القاعدة والمصطلحات، وإنما لابد أن يمارس اللغة في مواقف الحياة، إذ من الملاحظ أنَّ اللغة التي يستخدمها الطفل داخل المدرسة لا يجدها في بيئته الخارجية، لذلك تبقى القواعد النحوية التي تعلَّمَها داخل جدران الفصل مجرَّد حقائق مجردةٍ على المستوى النظري فقط دون أن تتحول إلى ممارسة، في حين أنّ الأطفال في دول الغرب يكتسبون التراكيب النحوية الأساسية للغتهم بصورة طبيعية لأن تعلم النحو يتم في ظلال اللغة الوظيفية الطبيعية أي لغة الحياة النابضة(19).‏

4 - التركيز في التدريبات العلاجية على مكامن الخطأ في أساليب الأطفال، ولاسيما تلك التي تتسرب إليها من العامية مثل إسناد الفعل المعتل إلى الضمائر، الأمر المعتل الوسط، إفراد الفعل أمام الفاعل المثنى والجمع، تأنيث الفعل وتذكيره، الأفعال الخمسة في الرفع والنصب والجزم، إسناد الفعل إلى نون النسوة...إلخ.‏

5 - اعتماد المفهوم الواسع للنحو أصواتًا واشتقاقًا وتصريفًا وضبطًا لأواخر الكلمات وأساليب ومعانٍ. وهذا المفهوم الواسع للنحو نسخ المفهوم السائد الذي ما يزال عالقًا في بعض الأذهان من حيث إن النحو علم لضبط أواخر الكلمات التي تتغير بتغير العوامل الداخلة عليها.‏

و- التذوق الأدبي:‏

يُعدُّ الذوق قدرة فطرية لدى الإنسان، ولكن لابدَّ من تفتيحها ونموها بتوفير الأجواء الملائمة التي تساعد على صقلها. وهنا يأتي دور المعلم في تنمية التذوق الأدبي في نفوس الناشئة بطريق تمرُّسهم بالنصوص الأدبية، والعمل على إكسابهم مهارات التذوق الأدبي.‏

وتتمثل بعض مهارات التذوق الأدبي في:‏

1 ـ القدرة على فهم مكونات الصورة الشعرية وقدرتها على التعبير عن أحاسيس الشاعر ومدى نجاحها في رسم الشخصيات.‏

2 ـ القدرة على إدراك مدى أهمية الكلمة وتحديد مدى المفارقة بين الصور الشعرية وما بين الفِكَرِ من تناقض.‏

3 ـ القدرة على إدراك التناسب بين الكلمة والجو النفسي الذي يثيره النص.‏

4 ـ القدرة على إدراك جمال التشبيه والصور في النص.‏

5 ـ القدرة على اختيار أقرب الأبيات تعبيرًا عن إحساس الشاعر وأقربها إلى الواقعية.‏

6 ـ حساسية المتعلم لوزن الأبيات وإدراك ما فيها من نشاز موسيقي.‏

7 ـ تمثُّل الجو النفسي في النص وتبيان مدى قدرة الأبيات على استثارته.‏

8 ـ القدرة على اختيار أقرب الأبيات معنى إلى بيت معين.‏

9 ـ القدرة على استخراج البيت الذي يتضمن الفكرة الأساسية في النص(20).‏

وتظهر اللبنات الأولى للتذوق الأدبي في وقت مبكر، وعلى المعلم أن يعمل على:‏

1ــ تدريب الأطفال على الإحساس بالوزن والإيقاع والتخيل في الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي، وفي الأناشيد مجال رَحْبٌ لهذه التدريبات، وإذا لم يتعلم الطفل في هذه المرحلة كلاً من الإحساس بالوزن والأداء وتذوق الكلمة والسرور بالأصوات والأنغام والإيقاعات فإن ثمة خطرًا في عدم إيقاظ ذلك كله في المراحل التالية.‏

وعلى المعلِّمين أن يفسحوا في المجال أمام الصغار لممارسة مختلف المناشط من لعب وغناء وقصص وتزيين بالصور ... إلخ على أن يُمرَّنوا من خلال الأناشيد التي يغنونها على الإحساس بالوزن والسرور بالأنغام وأدائها المعبّر، وأن تحتل التمرينات المتعلقة بممارسة اللغة مكانة كبيرة من حيوية الصف من مثل الألعاب القصصية، ترداد الأَغاني.....‏

2 ــ خلق الرغبة في القراءة في نفوس الناشئة، واستثمار الميل المبكر للأدب في نفوسهم، ولا يخفى دور القراءة في مدِّ الطفل بالمتعة الفنية والزاد الفكري.‏

3 ـــ فسح في المجال أمام الناشئة لاختيار النصوص في الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي، والتفتيش في الكتب عن طيبة خاطر، واستمزاج آرائهم فيما يحبون أن يتعلّموه، وأن يتعرَّف المعلِّمون رغباتهم واهتماماتهم لتلبية هذه الرغبات والاهتمامات، وهذا يتطلب صوغ تمرينات تخصب الذاكرة وتغذي حاجات الناشئة، وتنمي فيهم القدرة على الملاحظة والشعور والإحساس بالعلاقات والموازنة بين الأشياء.‏

4 ــ حفظ الأطفال النصوص الأدبية الرائعة في مبناها، الغنية في معناها، لأنَّ الذوق الأدبي يُنمَّى بطريق التمرس بالنصوص الجيدة، وهذا ما أشار إليه النقاد العرب والغربيون من أمثال "ابن سلام الجمحي" و"ابن قتيبة"، و"الآمدي" و"القاضي الجرجاني" و"ابن خلدون" و"أحمد أمين" من المعاصرين. ومن الغرب أشار إلى ذلك أيضًا الفيلسوف الفرنسي "ديدرو" والفيلسوف الألماني "كانت"... إلخ(21).‏

5 ــ تكليف الأطفال استكشاف حقائق كنه العمل الأدبي وآليته من حيث الرموز والقوالب والأنماط والصور بالطريقة التنقيبية.‏

وبإشراف جامعة "نانسي" كانت هناك عدة ورش تعمل في مجال التجريب على تعليم النصوص الأدبية للصغار(22) فالورشة الخامسة Atelier N° 5 قامت بتجربة "التأمل حول النص: Rêver sur le texte" حيث رأت أنه لا يفسح في المجال عادة أمام خيال الأطفال بسبب ضيق الوقت أو بحجة إنجاز البرامج، فأراد القائمون بالتجربة أن يُحدثوا ردَّة فعل لدى الصغير ودفعه إلى الكلام بوساطة النص والموسيقى، فلا شيء أجمل من الإصغاء إلى الطفل وهو يتحدَّث بدلاً من تلقينه كل شيء ومن حمله على السكوت.‏

يقرأ المعلم قسمًا من النص في الوقت الذي يُصغِي فيه الأطفال وبانتباه شديد يتخيلون نهاية للقصة التي تتلى على مسامعهم. ولقد أسفرت النتيجة عن أن هذا التدريب نال إعجاب الصغار أكثر من غيره، إذ من الواضح أنَّ الطفل لا يرى بعيني الكبير، فهو يصف الكون بألفاظه الخاصة، وبالحجم الذي يراه هو نفسه لا كما يراه المعلّم، فحينما يرى الكبير المشهد كاملاً، يرى الطفل منه حادثة معينة، ويقف طويلاً عندها.‏

أما الورشة السادسة Atelier N° 6 فقامت بتجربة حول إبداع النص Créer le texte، وأنه يستطيع أن ينشئ نصًّا، وأنه يمكن إبداع نصوص هي أقرب إلى الشعر منها إلى النثر. ومن أجل هذه الغاية قُدِّمت عدة تمارين لصقل الذهن من بينها الكلمات المتقاطعة التي تُعدُّ وسيلة ممتعة تبعث في نفوس الصغار الميل إلى الكلمات من خارج النصوص، وكانت الكلمات مجموعة بوساطة الصور وأخرى من دونها.‏

وثمة تمارين متعددة حول إبداع النص مثل: الحرية تقوم بما يلي، وقد اهتم الصغار بهذا التمرين فإذا هم يكتبون: الحرية تقوم بعدم الذهاب إلى المدرسة.‏

وقامت الورشة التاسعة Atelier N° 9 بتجربة حول " النص ونحن le texte et nous" فرأت أن غاية النص تتمثل في: هل يمكن للنص أن يحمل الأطفال على الكلام؟ بوساطة الاتصال بالآخرين؟ بطرح المشكلات؟ بالمناقشة؟ وقد حُدِّدت المصطلحات على النحو التالي:‏

الكلام وعني به التعبير عن المشاعر.‏

الاتصال بالآخرين وقُصِدَ به توثيق الصلة معهم بالكلام.‏

طَرْحُ المشكلات حينما يلاحظ موضوع في النص يصلح للمناقشة.‏

المناقشة: وقُصِدَ بها المواجهة مع عدة أشخاص لإبداء الرأي حول قضية مطروحة.‏

والاتصال بالآخرين أسلوب ملائم، إذ تُحلَّلُ الأنباء التي يحملها إلينا الآخرون، ويُنسَّقُ مضمون هذه الأنباء، وكل نص يحتوي على الأقل على مشكلة، ويُفضِّل بعض الصغار القصة القصيرة والأنشودة كما يُفضِّل غيرهم المقالة المنشورة في الصحف أو النصوص الكلاسيكية. وثمة ورشة أخرى قامت بتجربة حول "عرض النص Dire le texte" وقُصِدَ به قراءته بصوت عال، ثم إعادة هذه القراءة وصولاً إلى القراءة الفضلى. ولدى كل تكرار يقدم تمرين جديد يسجل تقدمًا عن التمرين السابق بحيث لا يشعر الصغير بالملل، على أن تكون القراءة معبرة وتفيض حيوية، فُيفهَم النص بوساطة النص نفسه، لأنَّ الرنين والنغم وحفظ الكلمات يؤثر في الصغار الذين يستمعون إلى النص ويجبرهم على الاتصال به اتصالاً شخصياً وحسياً فتتوثق العلاقة بينه وبينهم.‏

رابعاً – عوامل مساعِدة على الفهم‏

ثمة عوامل مساعدة على الفهم وتحسين التواصل اللغوي لدى الأطفال، ومن هذه العوامل:‏

1 ـ اختيار الرموز اللفظية والكلمات الواضحة والمألوفة والمستمدة من عالم الصغار، إذ إنَّ صعوبة المفردات المستخدمة تؤدي إلى عسر في الفهم، فكلمة ((طفق)) في الجملة ((طفق يبحث عن ماء)) أصعب من كلمة ((أخذ)) في الجملة ((أخذ يبحث عن ماء))، أو ((أخذ يفتش عن ماء)) (23).‏

2 ـ اختيار الجمل القصيرة لأن طول الجملة يكون أصعب على الذاكرة من القصيرة.‏

3 ـ تخفيض عدد الفكر في الجملة، إذ إنَّ الجملة الطويلة المشتملة على عدد من الفكر تكون أصعب على الفهم من الجملة القصيرة التي تشتمل على فكرة أو فكرتين، فجملة ((وصل المدير إلى المدرسة قبل ساعة من وصول معاونه)) أسهل من جملة ((وصل المدير إلى المدرسة في يوم الاحتفال قبل ساعة من وصول معاونه بصحبة أمين المكتبة)) لأنَّ الفِكَرَ فيها أقلُّ من الجملة الثانية، واستيعاب فكرها أسهل من استيعاب الفكر في الجملة الأخرى.‏

4 ـ الابتعاد عن التعقيد في تركيب الجمل، فالتقديم والتأخير في التركيب يزيد الفهم صعوبة، فجملة أكَرَم الطالبَ المعلمُ أصعب من جملة ((أكرم المعلم الطالبً))، فوقوع الكلمة في موقعها الطبيعي يسهل عملية الفهم، أما أن يرد المفعول به قبل الفاعل والخبر قبل المخبر عنه فيزيد الفهم صعوبة.‏

كما أنَّ الجملة التي يفصل بين أجزاء المكونات الجملية فيها فاصل تكون أصعب من مثيلتها التي تكون فيها المكونات متصلة، فجملة ((وافقتِ المدرسَةُ على القيام بالرحلة المدرسية بعد نقاش دام ساعات)) أسهل من جملة ((وافقت المدرسة بعد نقاش دام ساعات على القيام بالرحلة المدرسية)).‏

5 ـ الابتعاد عن الإيجاز المخل في عرض الفِكَرِ، فقد يظن الكاتب أو المتحدث أن لدى المستقبل خبرة في الموضوع فيختصر في كلامه، وهذا الاختصار يؤدي إلى عسر في الفهم وعدم تمثل.‏

6 ـ اتباع الطريقة الطبيعية في الملاحظة أو التفكير يسهل عملية الفهم، فجملة: القَلمُ فوق الكتاب أسهل للطفل من: الكتابُ تحت القلم، وجملة النقطة وسط الدائرة أسهل من: الدائرة حول النقطة وهكذا....‏

7 ـ وضوح الفكر في الذهن لأن الوضوح يؤدي إلى الوضوح، في حين أنَّ البلبلة والتشويش يؤديان إلى البلبلة والتشويش، وبقدر ما تكون الفكرة واضحة يكون التعبير عنها سهلاً وفهمها مستساغاً.‏

8 ـ التدريب على إدراك وظيفة الكلمة في الجملة، وإدراك العلاقات بين أجزاء الجمل، وتكوين الميل إلى البحث عن المعاني، لأنَّ إدراك ذلك كلَّه يسهل عملية الفهم.‏

9 ـ الاستعانة بالتقنيات لتوضيح المفاهيم وتقريبها إلى الأذهان فالصور والمجسمات والخرائط والوثائق والأجهزة والمعدات تساعد على عملية الفهم.‏

الهوامش‏

1ـ الدكتور محمود أحمد السيد- اللغة مركز الدراسات الإنسانية – المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية بدمشق ((اللغة العربية والمعلوماتية)) – 2006.‏

2 ــ الدكتور محمود أحمد السيد – في طرائق تدريس اللغة العربية – الطبعة الرابعة – جامعة دمشق 2003-2004، ص 25.‏

3- A.G.Goxer –L’ensei gnement du francais parlé et écrit- editions de lé?ole – paris p11.‏

4 ــ الدكتور نايف خرما – أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة – عالم المعرفة- الكويت 1978م.‏

5 ــ الدكتور ياسين الأيوبي – اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين في المؤسسات التعليمية في لبنان – الواقع والتحديات – مجمع اللغة الأردني عمان 2005 ص 251.‏

6 ــ كريمة أوشيش وفتحية خلوت – طريقة تعليم اللغة العربية لتلاميذ السنة الأولى من التعليم المتوسط – مجلة اللسانيات- العدد الحادي عشر لعام 2006 ص 95- مركز البحوث العلمية والتقنية لترقية اللغة العربية.‏

7 ــ روي،سي،هجمان – اللغة والحياة والطبيعة البشرية– ترجمة داود حلمي أحمد السيد – ط1 –1989ص106.‏

8 ــ الدكتور محمود أحمد السيد- الموجز في طرائق تدريس اللغة العربية وآدابها- دار العودة – بيروت ص33.‏

9 ـــ الدكتور محمود أحمد السيّد – اللغة تدريساً واكتساباً – دار الفيصل الثقافية – الرياض – 1988، ص210.‏

10. Franc Marchand- le français tel qu'on l,enseigne- librairie la rousse – paris 1971‏

11ـ عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز – بيروت – دار المعرفة بلا تاريخ ص302‏

12ــ الدكتور نبيل علي – تقانة المعلومات والثقافة – دار العين للنشر – القاهرة 2006 ص263.‏

13ــ المرجع السابق ص264.‏

14ــ المرجع السابق ص276.‏

15ــ راشيل كوهن – التعبير الكتابي – مجلة مستقبليات – اليونسكو – العدد 53 سنة 1985، ص41.‏

16ــ الدكتور محمود أحمد السيّد – اللسانيات وتعليم اللغة – دار المعرفة للطباعة والنشر تونس 1998، ص179.‏

17ــ الدكتور محمود أحمد السيّد – تطوير مناهج القواعد النحوية وأساليب التعبير في مراحل التعليم العام في الوطن العربي – المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – تونس 1986م.‏

18.ــ الدكتورة ظبية سعيد السليطي – تدريس النحو العربي في ضوء الاتجاهات الحديثة – الدار المصرية اللبنانية – القاهرة 2002 ص296.‏

19- Weaver, constrance: Teaching grammar in context, postsmouth (NH: Boynton cook publishers inc 1996 p167‏

20ــ الدكتور رشدي أحمد طعيمة – وضع مقياس للتذوق الأدبي عند طلاب المرحلة الثانوية ((فن الشعر)) – رسالة ماجستير – كلية التربية – جامعة عين شمس 1971.‏

21ــ محمد بن سلام الجمحي – طبقات فحول الشعراء – شرح محمود محمد شاكر – دار المعارف للطباعة والنشر ص8.‏

ابن قتيبة الدينوري – الشعر والشعراء – تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف بمصر، ص64‏

الآمدي (أبو القاسم الحسن بن بشر) – الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري – تحقيق أحمد صقر – دار المعارف بمصر 1961.‏

القاضي الجرجاني (علي بن عبد العزيز) – الوساطة بين المتنبي وخصومه تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي ط4، 1966، ص413.‏

مقدمة العلامة ابن خلدون – الطبعة الرابعة – دار إحياء التراث العربي – بيروت، لبنان ص562.‏

أحمد أمين – النقد الأدبي – الجزء الأول، مكتبة النهضة المصرية ص17.‏

الدكتور محمد غنيمي هلال – النقد الأدبي الحديث – دار مطابع الشعب القاهرة، ط3 1964 ص 304‏

22ــ المرجع الثامن ص255.‏

23ـــ الدكتور داود عبده – فهم المسموع وفهم المقروء – الموسم الثقافي الثاني والعشرون لمجمع اللغة العربية الأردني – حزيران 2004 ص157.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244