|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الطفل والتحديات الراهنة ـــ د.عبد السلام المسدي/ تونس حين عقد مجمعنا الموقر مؤتمره الرابع(1) اختار أن يكون موضوعه "اللغة والمجتمع" فآثرنا يومئذ أن نشارك المؤتمرين أعمالهم بجهد متواضع تناولنا فيه "اللغة العربية بين المكاسب المعرفية والتحديات الجديدة" وقد سعينا أن نجلو ما يثوي وراء موضوع "اللغة والمجتمع" من أبعاد لسانية اجتماعية، وما يقبع خلفها من أعماق سياسية لغوية، وانتهينا في بحثنا ذاك إلى كشف الستار عن فصام مكين تعيشه الأمة العربية، وكانت سبيلنا إلى ذلك المساءلة المعرفية "الإيبستيمية" عن العلاقة بين اللغة بحقائقها المحايثة والمجتمع بحقائقه المفارقة. واليوم يضعنا المجمع إذ يختار مسألة "لغة الطفل والواقع المعاصر" وجهاً لوجه أمام ضرب مخصوص من التحديات الجديدة التي تآزرت على إقامتها تراكمات الوهن العربي والتقلبات الطارئة على المشهد الدولي منذ عقدين تقريباً، والقضية التي يعتزم مؤتمرنا هذا مناقشتها، والتي كأنه آلى على نفسه أن يطرح تصوراً لمعالجتها، لهي قضية تُخفي غير ما تُظهر، فهي في صيغتها تبدو واضحة الملامح يسيرة المنال، ولكنها في جوهرها على غاية التعقد تكاد ترسو بمن يتناولها على حائط من الاستعصاء، فهي لذلك من الإلحاح والاستعجال بحيث يغدو طرحها ـــ هنا والآن ـــ تحدياً جريئاً يُعترف فيه بفضل المخططين لهذا المؤتمر والقائمين على إنجازه. ولئن جاءت الصيغة التي حددت موضوعه جلية في ظاهرها كما أسلفنا فإنها تستوجب تدقيقاً تهدينا إليه المحاور التفصيلية التي رافقت نص الموضوع. إن الطفل المقصود في عبارة "لغة الطفل" هو الطفل العربي بلا أدنى شك، وهذا قد يبدو بدهياً، والإشارة إليه قد تبدو من فائض القول ولا يعدو الأمر أن يكون اختصاراً في الكلام يُغني عن الإطناب فيه سياق الحال، ولكن هذا التنبيه ـــ عند النظر المتأني ـــ مهم، بل متأكد، لأن للمسألة خصوصيات تتنوع بتنوع طبائع اللغات، وتختلف باختلاف السياقات الثقافية والسياسية الحافة بكل حالة لغوية يمر بها أي لسان من الألسنة الطبيعية، وبعد هذا وذاك ليس يمتنع ـــ في حق مجمع اللغة العربية ـــ أن يتناول بالدرس قضية تندرج ضمن اللسانيات النظرية فتكون لغة الطفل على الوجه المطلق، ويكون ذلك منه ـــ لو حصل ـــ إسهاماً في طرح القضايا المعرفية العامة. أما اللغة المقصودة في عبارة "لغة الطفل" فأمرها أقل يسراً لأنها مكمن خلاف حاد يصل إلى تخوم الشقاق الحضاري كما سنجلوه لاحقاً، غير أن قراءة أبواب المحاور المحددة في ورقة المؤتمر بابا بابا تحسم الأمر إذ يتضح أن المقصود بلغة هذا الطفل العربي هو اللغة الفصيحة، وهذا في حد ذاته احتماء من تأوّل أن اللغة المقصودة هي اللهجة بحسب كل قطر أو بحسب كل إقليم، وفي ذلك دلالة بالغة الخفاء، إذ تشف عن أن واقعنا العربي يكاد يكرِّس فهماً مخصوصاً عند الحديث عن لغة الطفل العربي، فكأنما أمسى بعيداً عن الذهن أن نقرن بينه وبين اللغة العربية الفصحى، وهو ـــ بلا ريب ـــ ملمح إذا وقفنا عنده ولجنا تواً إلى الإشكال الجوهري في أزمة الواقع اللغوي عندنا. نأتي الآن إلى العبارة التي يرُام بها تحديد ظرف الزمان وهي "الواقع المعاصر" ومعلوم لدينا أن المؤرخين في تقسيمهم الزمن التاريخي إلى مقاسم منهجية يتحدثون ـــ بتمييز ـــ عن حقبة التاريخ المعاصر وحقبة التاريخ الحديث، وهو تمييز مستفاد من التقسيمات التي يتوسل بها علماء التاريخ على الصعيد المعرفي الإنساني، ولكن تلك العبارة كثيراً ما تستعمل في غير دلالتها الدقيقة التي عند المؤرخين، وربما زاوجتها عبارة "العصر الحديث" أو "العصر الراهن" أو قول بعضهم "في أيامنا هذه" والذي لا جدال فيه هو أن "لغة الطفل والواقع المعاصر" تحملنا حملاً على الاعتبار بأهم ما يسم هذا الواقع لغوياً فثقافياً فسياسياً، ومهما تكن مواقفنا من الظواهر المسيطرة كونياً على ذاك الواقع فإن الباحث المتأمل في محركات الاجتماع الإنساني مضطر إلى الإقرار بهيمنة بعض المقولات وفي مقدمتها مقولة النظام العالمي الجديد التي كثيراً ما يتم اختزالها ـــ إنصافاً أو حيفاً ـــ في مقولة العولمة. وقد يعيننا على تثبيت قراءتنا السياق الثقافي الذي يندرج فيه مؤتمرنا، فحيثيته المتسعة هي انتباه الوعي الإنساني إلى بعض الحقائق الجديدة الطارئة على الظواهر اللغوية كما سنفصل القول فيه لاحقاً، وكذلك الانتباه الخاص الذي يشد الجميع إلى لغة الطفل مما دفع بالمنظمة الثقافية الدولية إلى تعيين يوم 21 من شهر فبراير يوماً عالمياً لما أسمته بلغة الأم كما سنعود إليه أيضاً ببعض التدقيق. ويكفينا ـــ لتحديد ملامح السياق ـــ أن نذكّر بمناسبتين؛ أولاهما المؤتمر الذي عقده المجلس العربي للطفولة والتنمية حول "لغة الطفل في عصر العولمة"(2) ومنه انطلق مشروع "استراتيجية تنمية لغة الطفل العربي" وقد بدأ الإنجاز فعلاً في نطاق اللجنة المكلفة بإعداد الاستراتيجية(3). أما الثانية فتمثلت في انعقاد ما سمي بالمؤتمر الدولي الأول حول "الطفل بين اللغة الأم والتواصل مع العصر" وذلك في الدوحة، نظمه المركز الثقافي للطفولة(4) واختار أن تنطلق أشغاله في ذاك اليوم العالمي 21 فبراير. إن استطرادنا هذا في تبيان السياق العربي والدولي سببه ـــ فضلاً عن تدقيق رؤيتنا لموضوع المؤتمر وتجلية حيثياته الحافة ـــ ما قد انكشف من انشقاق جوهري في توظيف هذا المفهوم الذي روجته منظمة اليونسكو، نعني "اللغة الأم" كما سنرى. إنه ليس جديداً التفات القائمين على حاضرنا العربي أو المستشرفين لمآله والحانين على مصائره أن ينتابهم الوعي بالمعضلة اللغوية التي ما انفكت تشدهم إليها رفقاً أو عنوة، بل ليس جديداً أن يقرنوا البحث عن فك شفرتها بالبحث في مسألة التنشئة التي يتربى في كنفها الطفل العربي. ولكن الجديد الذي سيظل مأمولاً منتظراً كلما طرحنا الموضوع هو تحسس المسالك الموصلة إلى جذور القضية في كافة أبعادها من جهة أولى، وهو أيضاً الجرأة على مواجهة الواقع وذلك بتحديد مواقع المسؤولية دونما مداراة من جهة ثانية. ربما سينفسح المسلك نحو الطرح الذي يجمع عمق الاستكشاف إلى جرأة التسآل بمجرد أن نقحم المسألة اللغوية والطفل العربي ـــ معاً ـــ في آليات الزمن الجديد التي تستظل ـــ جميعها ـــ تحت قباء العولمة فتغدو كالحزمة المتناسجة سواء أكان ائتلافها وفياً لحركة التاريخ أم مخاتلاً إياها. لكن تحديد مفهوم العولمة في سياقنا هذا على وجه الخصوص يقتضي تدقيقاً استثنائياً، أو يقتضي تعريفاً مناسباً لسياق الموضوع يكمل التعريف الشائع والذي يقتصر عادة على ذكر "اقتصاد السوق وتكنولوجيا الاتصال والمنتجات والأفكار الجديد" من حيث هي أدوات للسيطرة؛ فالعولمة تصور جديد لطريقة تنظيم الحياة البشرية كلياً، انبثق معلناً عن موت الإيديولوجيا، وإذ هو يحتفي بموتها استحال هو ذاته إيديولوجية جديدة متقنعة، ويكفي أن العولمة جاءت تؤسس النمطية الاقتصادية في كل أرجاء المعمورة مبشرة في ذلك بالرفاه الشامل المعمم، ولكن المسكوت عنه فيها هو أن النمطية الاقتصادية تستوجب على وجه الضرورة ـــ في نظر دعاتها ـــ نسقية ثقافية مطلقة. وهذا مؤداه نسف كل القلاع الثقافية المغايرة، ومعلوم أنه لا وسيلة لزعزعة أي ثقافة إنسانية إلا بخلخلة مرجعياتها اللغوية. وبهذا نفهم كيف أن صراع "العولمة" مع الاتحاد الأوربي هو صراع اقتصادي بالدرجة الأولى بينما صراعها مع العرب هو صراع ثقافي قبل كل شيء. وإذا كانت العولمة رؤية استراتيجية بعيدة الآماد فإن الحاضر الراهن لا يعدو أن يكون منطلقاً يهيئ لصيرورة تاريخية جديدة، ومن هنا غلب معيار الاستشراف المستقبلي على تحقيق المكاسب العاجلة. وهنا ـــ على وجه التحديد ـــ تجد إشكالية الطفل العربي كل ثقلها الحضاري. إننا حين نقف بتأمل نقدي على الأصوات الداعية إلى "إصلاح لغوي شامل يبدأ من المدرسة، ويمكن الطفل العربي من امتلاك لغته القومية وتنميتها في المستقبل من خلال استراتيجية عشرية"(5) نرى أنفسنا مضطرين إلى إلقاء السؤال المكرر المستعاد: بيد من مفتاح حل المعضلة: أهو بيد منتجي الأفكار أم بيد صناع القرار؟ وإلى أي مدى يمتلك الجالس على كرسي القرار صناعة قراره؟ إن هناك أضرباً من الحقائق الجديدة يبدو القائمون على مصائر الأقطار العربية في غفلة عنها، فإن لم يكونوا غافلين فربما هم يرونها من الخيارات القابلة للتأجيل حتى ولو أمسى التأجيل هو قاعدة العمل لا استثناءها. فهناك حقائق ذات بعد سياسي، فقلما ينتبه أهل الشأن بيننا إلى الصلة الوثيقة بين القرار السياسي ومقومات الهوية الحضارية مهما نأى الموضوع في ظاهره عن مسألة الانتماء، ومهما ضؤلت انعكاساته الظاهرة عليها. وقد لا يخطر بالبال ما يعود من ذلك كله على مستقبل علاقة الناشئة بهويتهم الحضارية من خلال إعادة تشكيل هويتهم اللغوية. وهناك حقائق ثقافية وثيقة الصلة بموضوعنا، ذلك أن كثيراً من الشعارات النبيلة يتم تشويهها كي تسوق بها آليات النسقية الكونية المكتسحة، من ذلك: الحقوق اللغوية كشعار يؤلب الأقليات، وحق الطفل في أن تكفل له الأنظمة التعليمية ارتباطه الدائم بلغة الأمومة، وأهمية التصاق الإعلام بمكونات الحياة اليومية، وعن هذا الشعار انبثق "تلفزيون الواقع" بكل شططه وإسرافه، وبكل أحماله في إعادة تكييف الملكة اللغوية الخلاقة. ولكن هناك حقائق معرفية، فكأن فصاماً حاداً يفصل العرب اليوم عما حققته منظومة العلوم التي تتخذ من اكتساب الطفل للغة محورا لها، وفيها تتضافر جهود اللسانيين وعلماء النفس وعلماء الاجتماع وفلاسفة الذهن وعلماء الأعصاب والمختصون بعلوم الإدراك الذين من بينهم علماء الحاسوب. إن المعرفة اللغوية الحديثة قد عالجت من القضايا ما نحن في أمس الحاجة إلى الإفادة منه كي نحسن تشخيص المسألة التي من أجلها ينعقد مؤتمرنا هذا، ويمكن أن نقتصر على ذكر ثلاث منها: قضية الثنائية اللغوية وهي التي تَعني في مصطلحات العلم اللساني الحديث تَعايش نمطين من الأداء في سياق لغة تاريخية واحدة: نمط أدبي فصيح ونمط عامي دارج، والنمطان أصبحا يرضخان لقواعد صوتية وصرفية وتركيبية متباينة، وهذه الظاهرة تسمى في مصطلحات العلم: diglossie-diglossia كما عالجت اللسانيات هذه الظاهرة عندما تشتبك مع ظاهرة أخرى وهي الازدواجية bilinbguisme-bilingualism وتعني تعايش لغة أجنبية مع النمطين اللغويين الأصليين(6). ومن أهم ما عالجته اللسانيات مسألة اختلاف اللغات بين ألسنة تعتمد الإعراب وألسنة لا تعتمده، وهذه قضية أساسية في تناولنا للوضع اللغوي السائد في الوطن العربي، لأن جميع اللهجات المنبثقة عن العربية الفصحى أسقطت ظاهرة الإعراب، فالتحقت بصنف اللغات المسماة "ألسنة تحليلية" في مقابل اللغات الإعرابية المسماة "تأليفية". ولعل أكبر ثورة أنجزتها اللسانيات هي المتصلة بموضوع الاكتساب اللغوي، وهو ما تقع في صميمه قضيتنا المبدئية هذه. إن اللسانيات ما انفكت تعزز مواقعها بين سائر العلوم الإنسانية والاجتماعية متبوئة بذلك منزلة ريادية لا من حيث خصوصيات المعرفة اللغوية التي تستكشفها، لأنّه لا تفاضل بين العلوم في مضامينها، ولكن من حيث خصوبة المناهج التي تتوسل بها، والروائز الاختبارية التي تمارس على مادة البحث لديها. على أن من وجوه الفضل في البحث اللساني ـــ وإن لم يكن مدعاة للتباهي بين أفنان المعرفة البشرية ولا مدعاة للتزكية بين المتخصصين فيها قبالة المتخصصين في أي مجال آخر من مجالات العمل العلمي ـــ إنه يعالج موضوع اللغة الذي هو قاسم مشترك بين كل وجوه النشاط في الفكر البشري، فما من علم من العلوم إلا والعقل الإنساني يتكئ فيه على اللغة: إن لم تكن مرمى من مرامي نشاطه فلا أقل من أن تكون أداة من أدواته. ولعل هذا المنفذ هو الذي بوأ العلم اللغوي موقعاً متقدماً جداً بين نظرائه في حقل المعارف النسبية إذ أرست اللسانيات قواعد تضافر الاختصاصات في عصر خيل للفكر البشري فيه أن درجة التخصص في البحث قد بلغت حداً من الحرمة غدا معها من المحظور تخطي المفاصل القائمة بين مجالاتها. وفي حين فرضت الثورة العلمية الحديثة إسقاط الحواجز بين فروع العلم الدقيق إذ أصبح الارتباط بين الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا ارتباطاً اقتضائيا، كان لزاماً على العلوم الإنسانية والاجتماعية انتظار الثورة اللسانية حتى يخرج تمازج الاختصاصات بينها من دائرة الاختيار والترف المعرفي إلى بوتقة الاقتضاء المحوري والاضطرار المنهجي. فإذا كانت بعض الفروع المتمازجة مع المعرفة اللغوية تسير اليوم بخطى وئيدة تفرضها طبيعة البحث وانحسار فرجة الاستثمار التطبيقي ـــ كمجال البيولوجيا العصبية عند استكشاف مقومات الارتباط بين التفكير والكلام، وكمجال معالجة العاهات النطقية بتعاضد جهود أطباء الحنجرة وعلماء الأصوات ـــ فإن فروعاً أخرى نراها تحقق إنجازات متلاحقة، وتقفز بمسافات كبرى، يبرز من خلالها التوفق التطبيقي من جهة وحسن الاستخلاص النظري من جهة ثانية، وتنفتح معها من جهة أخرى آفاق مستقبلية واسعة قد يمثل التسابق إليها سمة من سمات الدخول إلى ثورة العصر من بابها الأكبر ولا سيما في وعي الأمة المتحفزة نحو استعادة منزلتها الحضارية والمعرفية. ومن بين هذه الفروع المتمازجة التي تتطور تطوراً عجيباً ـــ بسرعة نسقها وكثافة إنجازاتها ـــ اللسانيات التربوية، وهي حقل ما انفكت أطرافه تترامى بتعدد أبعاده، إذ تتفرع مجالات الاهتمام فيه تبعاً لمقاييس الزمن والمادة والموضوع. فمقاصد علوم التربية تختلف باختلاف شرائح العمر الذي يكون عليه المتلقي للمادة التعليمية، ثم تختلف من جهة ثانية باختلاف المادة التي يراد تلقينها أو إبلاغ مضمونها، كما تختلف المناهج التي يرسمها العلم التربوي من جهة ثالثة بحسب موضوع الاهتمام إن كان تثقيفاً أو تلقيناً، أو كان إعداداً لخبرة عملية أو تهيئة لاجتياز مناظرة من المناظرات، فلكل وضع من أوضاع الزمن والمادة والموضوع حالة بيداغوجية مخصوصة، فإن نحن أخذنا بالحسبان تفاعل كل صورة من صورة التمازج بين هذه العناصر الأولية تبينا مدى التشعب الذي يصل إليه استقراء الحالات الممكنة، ولذلك أصبحت اللسانيات التربوية سياقاً هو من أهم سياقات اللسانيات التطبيقية عامة. ومن المعلوم اليوم أن المعرفة اللسانية تتوزع إلى تيارات نظرية مختلفة كثيراً ما يصل بها التباين إلى حد الفرقة: في المنهج حيناً وفي التفسير حيناً آخر بل وفي التأويل أحياناً كثيرة، غير أن جملة من الأصول تظل جامعة بين كل المدارس اللسانية فتغدو كالثوابت التي تعطي للعلم هويته المعرفية، وتميزه مما سواه، ولاسيما من المعرفة اللغوية التي تحتكم من جانب إلى مقاييس فقه اللغة كما توارثته الحضارات المختلفة وتسعى من جانب ثان إلى تشييد صرح علم النحو من حيث هو لسان الدفاع عن سلطة المعيار التي ينافسها الاستعمال بسلطة مضادة. ومن الثوابت الجامعة بين التيارات اللسانية اليوم، بل لعلها أم الثوابت، أنه ما من مدرسة لسانية إلا ولها نظرية متميزة تخص قضية اكتساب اللغة، وتطوف هذه النظرية عادة حول مسائل مبدئية تتصل بصفة مباشرة أو غير مباشرة بتحديد الظاهرة اللغوية في وجهيها المعمم الشامل والنوعي المخصوص، ولكنها تعرج بالضرورة على القضايا المرتبطة بتعليم اللغة بوصفها مرتكزاً لا غنى عنه في موضوع الاكتساب، وفي هذا المفترق بالذات تتوالج بدقة متناهية مشاغل اللسانيات العامة بعلم التربية فيتولد الحقل المتظافر وهو اللسانيات التربوية بالنعت التخصيصي. ومما لا شك فيه أن المعارف اللغوية قد عرفت تطوراً كبيراً في واقعنا العربي وأن المعرفة اللسانية بوجه مخصوص قد تدعمت في مؤسساتنا الجامعية، وأثمرت على صعيدي الخبرة النظرية والخبرات التطبيقية ثماراً بينة، غير أن مجال اللسانيات التربوية قد ظل يشكو نقصاً مكشوفاً وذلك لغياب رؤية شاملة، ولافتقار مؤسساتنا إلى مشروع متكامل في هذا المضمار. وكل ما أنجز إنما هو في مجمله من حصيلة المبادرات الظرفية ـــ فردية كانت أو جماعية ـــ فتأتي المحاولات محدودة المدى. إن كل ذلك يجري في نطاق تلاحق الأحداث التي تطغى على الواقع التربوي بشكل يجعلها تسيطر على الظاهرة المعرفية أساساً، ثم إن التكامل العضوي الذي يقوم اليوم بين الاهتمام اللساني والاشتغال التعليمي كأنما هو جزء من قناعات اللغويين أكثر مما هو مندرج ضمن هموم القائمين على علوم التربية، ولذلك كثيراً ما ترى اللغويين يسعون إلى المربين ليشركوهم في اهتماماتهم أكثر مما ترى البيداغوجيين ساعين إلى علماء اللسان ينشدون الوصفات التشخيصية لأمّات قضاياهم. ولئن كان ما نذكره من البدائه التي يفصح عنها واقعنا المعيش فإن مثاليين يكفيان لمزيد من الاستدلال على ما نأتي به إذ يقومان مقام الأنموذج الأوفى لهذه الحلقة المفقودة بين الحقول المعرفية والتربوية والإبداعية، فالمثال الأول هو تأليف الكتاب المدرسي. ولئن اطرد اليوم في بعض أقطارنا إسهام اللغويين في تأليف الكتب المدرسية المتصلة بمقررات اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وعروض، فإن الوعي العلمي يقتضي منا اليوم تشريك اللساني ولو بدرجات متفاوتة في كل مصنف تعليمي مهما كان محور الاختصاص فيه، لأنه هو القادر وحده على تحسس بعض الدقائق المتصلة بقناة الإيصال التي هي اللغة بكل حيثياتها. وأما المثال الثاني فيخص تأليف قصص المطالعة المعدة للأطفال وهو مجال إبداعي ما زلنا نتعامل معه إما بضرب من الهواية ـــ حيث ينتصب البعض في برهة تائهة من الزمن مؤلفاً لقصص الأطفال ـــ وإما بضرب من الاحتراف الأدبي حيث يطوف بعضهم بملكاته الإبداعية بين الرواية التاريخية والقصة المسرحية والكوميديا، وفي الأثناء يعرج على أدب الطفل فيكتب للناشئة ما عنّ، والحق أنه إذا كانت اليوم ضرورة قصوى للاستعانة بخبرة اللغويين على الصعيد التربوي فإنما ذلك بالأولوية المطلقة في كتابة ما به نصقل طينة الفكر لدى الأطفال. ومن فرط تراكم عوامل الحيرة تجاه هذه الحلقة الغائبة في واقعنا التربوي، وبحكم تركز قلقنا المعرفي على كل ما له قران بالظاهرة اللغوية، في تشكلها الكلي كما في تجلياتها، باشرنا في مراحل مختلفة ورشات من الاختبار البيداغوجي طفنا فيها بكل مراحل النمو التربوي من رياض الأطفال إلى أعلى مدارج الجامعة، ولم يكن شيء يحدونا إلا الحرص على استبصار المقوم اللغوي واستكشاف مدى تصاقبه مع العنصر النفسي والمكون الإدراكي بحسب ترقي الملكات الذهنية عامة(7). وقد أوقفنا البحث الطويل على التسليم بأن اللسانيات التربوية يمكن أن تنجب حقلاً متناهي الاختصاص تنحصر دائرته في معالجته موضوع مقومات التكوين التربوي ومقاييس الاختبار فيه، وذلك من زاوية التحصيل اللغوي وعلى وجه التحديد انطلاقاً من إشكالية الدلالة. ذلك أن معضلة المعنى وتجلياتها في بلورة الدلالة من خلال البنى اللغوية قد بدت لنا مرتكزاً أساسياً في تتبع آليات الإدراك، ومستنداً قادراً في توالي القواعد الإجرائية على الصعيد التربوي. وعلى هذا البناء يتحدد اختيارنا لها كرائز جوهري نتخذه محكاً اختبارياً على مدار المحطات البيداغوجية التي نتناولها بين مقياس الزمن ومقياس الارتياض. إن الوجه الذي نقصر عليه اهتمامنا في هذا النطاق هو قضية اكتساب الطفل العربي للغة العربية وذلك انطلاقاً من الوضع الخاص الذي يعيشه الطفل العربي وهو في بيئته العربية الخالصة، فقد يحصل أن يمر بعض أبنائنا بمنشأ لغوي خاص إما بحكم انحدارهم من زيجات مختلطة أو بحكم ظروف معيشية تفرض عليهم النشأة في بيئة مزيج ـــ عربية وغير عربية ـــ أو في بيئة أجنبية بالكلية، فضلاً عن النتائج المتأتية من البيئات اللغوية العابرة والتي تسببها الحاضنات والمربيات بمختلف انتماءاتهن العرقية واللغوية. تتمثل خصوصية الوضع للطفل العربي ذي المنشأ الخالص في أنه يواجه منذ مراحل الاكتساب التعليمي الأولى واقعاً لغوياً دقيقاً تكون فيه اللغة العربية الفصحى كلسان طارئ بالنسبة إلى اللهجة التي هي اللسان الطبيعي المكتسب لدى الطفل بالأمومة. ومعلوم أن ذلك هو صورة للوضع اللغوي المتعقد في واقعنا التاريخي الراهن والذي تتعدد فيه المستويات والأنماط معاً. فإذا بحثنا في تعدد المستويات اللغوية في صلب اللغة العربية نفسها وجدنا مستويين أساسيين: مستوى كتابياً ومستوى شفوياً، والأول مستوى العربية الفصيحة، والثاني مستوى العربية الدارجة ويطلق عليها أحياناً اللغة العامية أو لغة التخاطب. وتتفرع كلتا اللغتين إلى مستويين آخرين: فتشمل العربية الفصيحة مستوى الفصحى القديمة، ومستوى الفصحى المعاصرة، بينما تشمل العامية اللهجة المهذبة واللهجة الساذجة. فالفصحى القديمة وتسمى العربية القحة تعرف بأنها اللغة البليغة المنزهة عن اللحن مهما كانت درجته وأياً كان سياقه في دلالة الألفاظ أو في بنية التركيب، أما وظيفتها الاجتماعية النفسية فتتمثل في أنها الباب الذي تنفذ منه التربية الأصيلة في الدين والثقافة، فهي باب العربي المسلم إلى القرآن والحديث والشعر والأدب. وأم الفصحى المعاصرة فهي لغة المدارس، والكتب التعليمية، والصحافة السيارة، والأجهزة الإعلامية، وخاصيتها أنها تقوم على ما حدث من تفاعل بين الفصحى القديمة وعناصر أجنبية عنها تفاعلت معها بموجب احتكاكها بطبقات مختلفة من الأداء التعبيري تخالطها القوالب السيارة المستمدة من قانون المجهود الأدنى. وأما اللهجة المهذبة فهي دارجة المثقفين، وتقوم على نسبة كبيرة من العربية المبسطة، وتُستعمل عادة في المحادثات الرسمية، وفي خطب الساسة والإدارة، وكذلك عند نخبة المثقفين، وهي تجمع ما سهل من الفصحى وما هو من خصائص اللهجات الدارجة صوتياً وصرفياً ونحوياً. ثم لدينا أخيراً اللهجة الساذجة، وهي دارجة عامة الناس تفرعت عن العربية الفصحى، وباينتها فاختلفت حسب الأوطان العربية اختلافاً جوهرياً حتى أصبحت لغات متميزة لا رابط لها سوى انتمائها تاريخياً إلى أصل واحد. أما قيمتها الاجتماعية فهي مركز التعامل اليومي في شؤون الحياة وسط المجتمع. ويوزع علماء الاجتماع هذه المستويات حسب رموز الانتماء في المجتمع معتبرين أن الفصحى القديمة هي لغة "الأبوة" والفصحى المعاصرة لغة "المعلم" والدارجة المهذبة لغة "السياسة" والدارجة الساذجة لغة "الأمومة". وإذا التمسنا وصف الواقع اللغوي وصفاً شاملاً وجب أن نشير إلى أن كل هذه المستويات قد تتعايش مع اللغة الأجنبية تعايش المزاحمة إلى حد الصراع طالما اطّرد لدى الكثير من الناس ـــ وهما ـــ أن اللغة الأجنبية هي التي يعبر بها عن التراكيب الفكرية والتجريبية وبالتالي هي مترجم الحضارة العصرية. ونتيجة لما أسلفناه فإن الفرد تتجاذبه واجهات لغوية متعددة، لأن مستويات التعبير وإن تعايشت فهي في حالة اصطراع باطني مما يجعل الفرد في حالة تمزق لغوي يضعف الطاقة التعبيرية عنده رغم ما يقدمه له من خصب وثراء. على أن لظاهرة تعدد المستويات اللغوية هذه نتائج نوعية تؤثر في المشهد اللغوي العام الذي يستقي منه الطفل العربي نماذجه اللغوية المجردة: أـــ ضعف الرابطة اللغوية التلقائية بين أفراد البلاد العربية وهي نتيجة لانقسام اللغة إلى مستوى مكتوب وآخر منطوق بالممارسة، وتفرع كل منها إلى فروع ولهجات، واللهجات كثيراً ما تكون عائقاً دون الفهم بين أبناء القطر الواحد فضلاً عن أبناء الأقطار المختلفة، فلم يعد للأقطار العربية لسان واحد، وإنما اختلف اللسان بينهم باختلاف أوطانهم. ب ـــ ضعف الأداء اللغوي، وهي ظاهرة تعزى إلى وسيلة الإبلاغ تشغل الفكر أكثر مما تشغله مادة التفكير فيقصر عن الخلق والإنتاج. ج ـــ انعدام وسيلة لغوية موحدة تمكن الطفل بمجرد ارتفاع الأمية عنه من التعبير عن آرائه وغاياته شفاهياً وكتابياً ببعد واحد، فعملية الإفصاح تتقاسمها السبل المتراكمة والمتعاظلة. دـــ الشعور بالغربة الناتجة عن تعدد الواجهات اللغوية: فالطفل العربي يحس ـــ بوعي صريح أو بوعي غامض ـــ بأنه غريب بين لغة رسمية، ولغة تعاملية، ولغة مزاحمة يؤكد أنصارها أن العجز والقصور في اللغة لا في الفهم. فالرابط العضوي المستقر بين اللغة والواقع مفصوم في واقعنا نتيجة هذه الأوضاع اللغوية قبل كل شيء، أضف إلى ذلك المشاكل النفسية وما تولده من مركبات إزاء اللغة، فمنها مركّب النقص عند البعض ويبرز في ظاهرة فقدان الثقة بمستقبل اللغة العربية واليأس من سيطرتها على زمام العلم والمعرفة، وسببه التاريخي انتشار التكنولوجيا الغازية في حقول معينة، بحيث توهم الناس أن اللغة العربية لا طاقة لها بمنافسة اللغة الأجنبية في تلك الحقول وإنما تبقى ـــ حسبهم ـــ لغة دين وتاريخ وأدب على أقصى الاحتمالات. ومن تلك المضاعفات النفسية مركب الانسلاخ والتنكر ويتجلى عند بعض الناس في مظاهر عديدة أخطرها: حب التظاهر والمباهاة بكل ما هو أجنبي في اللغة، فيصبح التعامل باللغة الأجنبية ـــ مشافهة أو كتابة ـــ سمة من سمات الحداثة والرقي في السلوك، ومن مظاهره إكبار الأجنبي في منتوجه الفكري عبر قداسة اللغة، وهذا المظهر يتجاوز السلوك، فيصبح نمطاً من القناعة ويؤدي إلى تفضيل اللغة الأجنبية على العربية إطلاقاً في كل منتوج فكري. ومن بين المركبات النفسية ما تستفزه تلك الأوضاع من ردود فعل تتجلى أحياناً في مركب التعصب للعربية والانتصار لها بموقف معياري ينقض كل قيم اللغات الأخرى، ودوافع هذا الموقف كثيراً ما تكون متلبسة ببعد غيبي. هكذا تتجاوز نتائج المشاكل النفسية حدود اللغة باعتبارها أداة إفصاح إلى جوهر الثقافة بما تبعثه من شعور بأن قصور اللغة يؤدي إلى قصور الثقافة، وبالتالي تنحسر دائرة الإشعاع الفكري بمجرد مقارنتها بطاقة الثقافة المتسلطة. هذا الوضع اللغوي لا شك يخلق إحساساً بالقطيعة مع التاريخ بين الماضي والصيرورة الراهنة، وهي قطيعة مريبة لأنها لا تُفضي إلى رفض الماضي نهائياً ولا تسمح بالانصهار التام فيه وإنما هو تأزم وصراع بين المنزلتين. فإذا عدنا إلى انعكاس هذا الوضع على الطفل ولاسيما في المراحل الأولى للاكتساب التعليمي، وهي التي تبدأ مع سن الرابعة تصادف فترة رياض الأطفال في مرحلتها الإعدادية أي مرحلة ما قبل المدرسة، فإننا نتبين بوضوح ما يجرّه الطفل من انعكاس الوضع اللغوي العام، ولكننا في سياقنا المحدد هذا وفي مسعانا المعرفي المخصوص نبادر بالتأكيد على أن العربية الفصحى واللهجة الدارجة ـــ مهما كان نمطهما في واقعنا العربي ـــ لا تمثلان من وجهة نظر علمية مجرد صورتين منسلختين لحقيقة واحدة، وإنما هما نسقان متمايزان: في أصوات الحروف وموازين الكلمات من جهة أولية، وفي بنية الجملة ودلالات الألفاظ من جهة مركزية، وهذا هو الأهم إذ فيهما تتفارقان تركيبياً وتصبح كل واحدة منتمية إلى أنموذج مخصوص من الألسنة البشرية الفصحى إلى اللغات الالتصاقية وهي المسماة باللغات التأليفية لاعتمادها تغيير أواخر كلماتها عند انضمام بعضها إلى بعض، واللهجات إلى اللغات الانفكاكية وهي المسماة باللغات التحليلية لاعتمادها على عناصر لغوية تبرز بها الروابط القائمة بين الكلمات عند ارتصافها في سلسلة الخطاب. ذاك شيء من التشخيص اللساني للوضع اللغوي الذي يكتنف الطفل العربي وهو ينشأ في بيئته الاجتماعية فالتعليمية فالوظيفية، ولئن أشارت كل الدراسات الميدانية إلى اتساع المساحة الفاصلة بين الفصحى واللهجات، وإلى تناثر الجهود في العمل العربي والإسلامي المشترك، وإلى افتقار العرب لمشروع تربوي ضمن خطة شاملة، فإن كل ذلك يدفعنا دفعاً إلى الكشف عن المسكوت عنه بغية تحديد مواقع المسؤولية التاريخية. وفي هذا لا مناص لنا من مواجهة الحقيقة الغائبة، والتي تدور حول التباس موقف العرب مع لغتهم من خلال مؤسسات القرار قبل مؤسسات إنتاج الأفكار. لقد أقامت الدراسات الملتزمة دعواتها على أساس ربط مستقبل اللغة ومستقبل الوجود العربي وهي بما أشارت إليه قد وضعت الإصبع على المنتهى الأقصى للمعضلة اللغوية في بعدها السياسي الصريح. إن موضوع اللغة أمر جليل، ولولا خشية المظنات واتقاء انفلات التأويل لقلنا إن اللغة أجلّ من أن تترك بيد السياسيين، فلا تعجب، والسبب في ذلك أن رجال السياسة عندنا يصنعون الزمن الجماعي على مرآة زمنهم الفردي، أما رجال الفكر فينحتون زمنهم الفردي على مقاس الزمن الجماعي، فإن نحن سلمنا بجلال الظاهرة اللغوية فمن المفروض أن يكون شأنها عند أمة العرب أجل وأمكن. لكن الواقع التاريخي الراهن يشهد بعكس ما كان من المظنون أن تجري به الأحداث. كَتب التاريخ على العرب أن يكونوا بين الشعوب التي أناخ الاستعمار على مصائرها دهراً، ولكنهم كانوا في طليعة البلدان التي استماتت في معاركها التحريرية حتى نالت استقلالها، وبعد نصف قرن من قيام دولة الاستقلال هاهم يبسطون على الفكر الإنساني النقدي حالة مستعصية، فهناك مأزق في صيرورتهم التاريخية، هناك حجم هائل من التناقضات بين العديد من مكونات الوجود الجماعي لديهم، ذلك أن "لسانهم" هو نفسه أصبح يطرح أزمة حادة بين دلالته في ذاته وما هو دال عليه خارج سياجه اللفظي، إنه المأزق بين بنية المفاهيم وتشكلات السياق المتنزلة فيه. لكأن ما يتحدث عنه فلاسفة السياسة وفقهاء الفلسفة، فيسمونه بالعطالة التاريخية، لم يصدق يوماً كما يصدق على أمة العرب منذ نصف قرن، والعجيب أن عجلة التاريخ كانت تدور على منوالها الطبيعي حتى في الحقبة الاستعمارية بحكم التوحد الجماعي على ضرورة إخراج المستعمر والأخذ بأسباب الحضارة كي لا تتكرر ظاهرة الاستعمار، ولكنها انحشرت شيئاً فشيئاً في مآزق الزمن خلال هذه العقود التي هي عمر دولة الاستقلال في جل أوطاننا. هي هذه العطالة المحفوفة بألغاز العبث الوجودي الذي يسافر على الأرض العربية إلى تخوم اللامعقول، نقرأها على شاشة السياسة إذ نتعجب لماذا لم تنجز دولة الاستقلال وعدها الأكبر، ونقرأها على لوحة الاقتصاد، فالأرض العربية ـــ بين ما عليها وما في بواطنها ـــ ملأى بالثروات الطبيعية ولكن العطالة جاثمة، فالعرب ينوسون بين فحش الثراء ووقاحة الخصاصة، ولكن العطالة نقرأها أيضاً في المشهد الفكري بين الثقافة والمعرفة، وليست حالة الأمية بعد كل هذه العقود من الاستقلال إلا شاهداً من بين الشواهد المتعددة والمتنوعة. ويكفي ـــ لو أردنا اختزال الظواهر الكبرى في ملامحها البادية ـــ أن نرى الجهد الأعظم لدى النخبة كثيراً ما يصرفونه في البحث عن الوسائل والمنهج والمسالك قبل أن يلجوا إلى جوهر القضايا ومضامينها، ناهيك أن ثنائية الحاضر والماضي لم تحسم بعد لدى فئات عديدين من النخبة، ولا حسمت إشكالية القراءة ولا إشكالية التأويل. وبين السياسة والاقتصاد والثقافة ينبثق جامع أكبر سيكون هو الشاهد الجامع لكل واجهات العطالة التاريخية، إنه مأزق اللغة العربية على أيدي أهلها وأبنائها، ويكفي أن المشهد ما انفك يتلون بأصباغ درامية تبعث على الاستغراب والعجب، فهذه العطالة التاريخية ـــ وهي تحيط باللغة، وتنيخ على ظهرها، فتجثم بكلكلها على مقومات بقائها ـــ تحدق على مرأى أصحاب القرار ممن يتولون الأمر ويدبرون المعاش، ويخططون للمستقبل، ويستشرفون مآل شعوبهم بعدهم. وإننا على يقين بأن انفصاماً حاداً يقوم اليوم في الواقع العربي الراهن بين حضور الوعي العام في السياسة والاقتصاد والمعرفة وغياب الوعي الخاص بالمسألة اللغوية، وأن هذا الانفصام إلى حد التصادم الضدي لم تعرفه الشعوب الأخرى، ولا عرفه العرب أنفسهم في أي حقبة ماضية حدثنا عنها تاريخهم البعيد والقريب. تلك العطالة وهذا الانفصام إذا أردنا تدقيق أمرهما واستكناه تجلياتهما كفانا أن نقارن ما أنجزه العرب خلال عقود دولة الاستقلال بما أنجزته شعوب عديدة أخرى في آسيا وفي أمريكا اللاتينية، أو بما بدأت تنجزه بعض الشعوب الإفريقية، أو ما تقدم على إنجازه بخطى واثقة الشعوب التي تحررت مؤخراً من سطوة المنظومة الاشتراكية في غرب أوروبا وشمال آسيا، ووراء كل حالة من تلك الحالات مشهد من مشاهد الإنجاز اللغوي ينضاف إلى لوحات الإنجاز السياسي والاقتصادي والثقافي. فإذا أدرنا مجهر الأضواء صوب القضية اللغوية دون سواها من القضايا الأمهات ألفينا أنفسنا وجهاً لوجه أمام خصيصة أخرى من الخصائص الواسمة لحالتنا العربية، ومدارها أن أمة العرب اليوم ـــ بين أولي الأمر السياسي فيهم وأولي الشأن الفكري أيضاً ـــ غائبون أو كالغائبين عن محفل الحقائق العلمية الجديدة في مجال المعرفة اللغوية. وإننا لواعون بأننا إذ نعمم هذا الحكم فإننا نجازف، وقد نجترح مآثم الإجحاف الفكري، ومن أجل هذا نبادر بملمحين، أولهما أننا لا نعني بما نقوله افتقار العرب إلى علماء في مجال العلم اللغوي الحديث، وإنما نعني أن المعرفة اللغوية لم تستطع اختراق الحجب ليتحول الوعي بها إلى جزء من الثقافة العامة، يستلهمها أصحاب القرار، وتستوحيها النخبة الفكرية المختصة بحقول المعارف الأخرى، وثانيهما أن التعميم الذي نتعمده تنجلي تفصيلاته العينية كلما تناولنا التجليات المحسوسة في استقراء المسألة اللغوية. من أبرز الحقائق العلمية الغائبة عن الوعي العربي ما يتصل بموضوع "حياة" اللغة من حيث عوامل بقائها ودوامها أو أسباب اضمحلالها وانقراضها. ولئن كان من أشراط العلم وموضوعية خطابه أن ينأى بنفسه عن المجاز في العبارة، وألا يتوسل إلاّ بالألفاظ في دلالتها الحقيقية، أو بالمصطلحات الفنية التي قد يسلك بها في البدء طريق المجاز ثم يختفي مجازها البلاغي بمجرد اندراجها في القاموس العلمي، فإن لفظتي الحياة والموت تبقيان الأكثر وجاهة في إطلاقهما على اللغة. إن الناس يسلّمون طوعاً بأن للغة حياة وبأن هناك لغات قد اندثرت يحدثنا التاريخ عن مجدها ثم عن غلبة الزمان عليها، ويقرأ الناس بشغف قصة موت اللغات بالشّغف نفسه الذي يقرؤون به قصة الدول التي بلغت أوج المجد ثم ظل التاريخ ينال منها حتى أوقعها. غير أن الناس ـــ في عامتهم وفي خاصتهم ـــ لا يسعفهم خيالهم بما يجعلهم يتصورون أن اللغات التي تجري بها ألسنتهم الآن، ويتداولها خلق الله من حولهم، هي أيضاً معرضة إلى الفناء التدريجي ما لم تتوفر لها أسباب البقاء. وهذا مرتبط بسر من أسرار وجود الإنسان على وجه البسيطة مطلقاً، فهو يؤمن بأن الموت هي الحقيقة الوحيدة التي يجمع العباد عليها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ولكنه في النصيب الأعظم من حياته يأتي من السلوك ما يدل على أنه في غفلة أو في تغافل عن تلك الحقيقة، فكأن طبع الإنسان مجبول على أن لا يرى الموت في الزمن الملامس لوجوده. إن المجاز الذي لا يتناقض ومقتضيات البحث الموضوعي يدفعنا فعلاً إلى تمثيل اللغة بالكائنات الحية حيث يجول مفهوم الحياة ومفهوم الممات، وبينهما مفهوم البقاء إذا اجتمعت مقوماته ومفهوم الفناء إن تحتمت دواعيه. ولكن هذه التجليات المختلفة ـــ شأنها شأن "النشأة" حيث نستكشف ظروف "ولادة" اللغات بعضها من بعض ـــ لا تحصل في المدى الزمني الذي يحيط به إدراك الفرد الآدمي، ولذلك صعب الوعي بها كحقائق تطال على الواقع اللغوي كما نعيشه، واقتصر الوعي على ما مضى من ذلك في الزمن المنقضي سالفاً. غياب الوعي بالظواهر الممتدة على الزمن ينشئ ضرباً من الضباب يحجب الحقائق العلمية حتى ما كان منها مقطوعاً بصحته. ولهذه المسألة نظائرها في عالم المحسوسات، والمعضلة أن الناس ـــ محكومين وحكاماً ـــ أكثر تجاوباً وأظهر وعياً كلما اتصل الأمر بالظواهر المادية المحسوسة، ولكنهم أكثر غفلة وأظهر تقاعساً عندما يتعلق الأمر بالظواهر المجردة حتى ولو مست ألصق الأشياء بوجودهم، بل حتى ولو كانت الظاهرة واقعة بين المادي الكامل والمجرد المطلق شأن اللغة. من أهم تلك الحقائق الغائبة أن العلم اللغوي ـــ الذي ما انفك يبلور نظرياته المتعاقبة، والذي ما فتئ يؤسس المناهج الدقيقة في كشف بواطن الظاهرة الكلامية، والذي يغوص يوماً بعد يوم على أسرار العلاقة بين آليات التعبير وآليات الإدراك ـــ قد أمسى مهتماً بقضية "موت اللغات" اهتماماً متواتراً مكيناً، وتناولها تحت ذاك العنوان نفسه، وإلى جانبه يهتم بالحزم نفسه والكثافة بموضوع يجعله محايثاً له، وهو "الحروب اللغوية" بصريح العبارة كذلك، فإذا توالجت معطيات الحرب اللغوية وفكرة موت اللغات انساق التحليل ببعض الواصفين والراصدين إلى الحديث عن "اغتيال اللغة" حين يتقصد المعتدي الأقوى نسف مقومات الوجود الثقافي تمهيداً للقضاء على الوجود السياسي. وقد تتنوع أدوات الأداء الاصطلاحي، فترى بعض العلماء اللسانيين يجول بين المفاهيم، فيستبدل بموت اللغات عبارة انقراض الألسنة الطبيعية(8). ومن شدة حرص كبار المختصين على خطر الموضوع تراهم يمعنون في التأكيد على أن مصطلح الموت ـــ أو الانقراض ـــ ليس من المجاز البلاغي في شيء، ثم منهم من يستطرد إلى المقارنة السخية بين انقراض اللغات وانقراض بعض الكائنات الحيوانية، وبناء عليه تتم الدعوة إلى ضرورة الإعلان عن "محميات لغوية" شبيهة بمحميات الفصائل الحيوانية. ويكفي من شاء التحري أن يستطلع على سبيل الفضول الببليوغرافي حجم ما يكتب في هذا المجال منذ عقدين تقريباً. والمختصون في هذا المجال يعرفون العلاقة الجديدة القائمة بين النظرية اللغوية العامة واستقراء تاريخ الألسنة الطبيعية كيف تنشأ وكيف تنقرض، كما يعرفون كيف يعين كل نمط من أنماط الأداة اللغوي على استكشاف أسرار النسق الخفي القائم بين الكفاءة الذهنية لدى الإنسان وكفاءته في توليد الطاقة الدلالية بواسطة الكلام. فهل نحن العرب معنيون بمسألة موت اللغات؟ وهل اللغة العربية تخوض الصراع مع أي لغة إنسانية أخرى؟ فإن هي تخوضه أفترقى المواجهة إلى الحد الذي يصح أن نتحدث فيه عن حرب لغوية؟ ثم هل اللغة العربية تواجه من التحديات ما يهددها في وجودها، أو ينذر بامحّائها إلى حد الزوال؟ ألا يبدو كل ما نقوله ضرباً من الاستدراج يؤول في خاتمة مطافه إلى صياغة خطاب يتماهى مع آليات التحفيز الإيديولوجي، والحال أن البحث الموضوعي يتبرأ من كل ضخ في مزامير العداء الإنساني، أو عزف على أوتار النعرة الحضارية. ما من خلاف في أمر متعين بالضرورة وهو أن الوعي المعرفي في هذه القضية غائب أو كالغائب في ساحتنا العربية بوجهيها السياسي والفكري، ونكاد نجزم بأن الحوار فيها لن ينفع مع رجال السياسة إلا مع من كان منهم معضوداً بزاد فكري مرموق، ولن ينفع مع رجل الفكر إلا إذا كان مسنوداً في تجربته المعرفية العامة بثقافة سياسية متينة. وقد نتبين أن غياب الحقائق يفضي إلى تعطل القدرة على استشراف التاريخ، وعلى استنظار منحنياته القادمة وبما قد تأتي به الأحداث المتعاقبة. لنبادر بذكر عينات من الجدل الدائر في المحافل العلمية في مسألة انقراض اللغات، وذلك على سبيل تبيان النماذج دون أن نفيض في الاستقراء حتى ولو كان من الاستقراء الناقص الذي يمسي فيه الجزء دليلاً على الكل، فمحط نظرنا في هذا السياق ليس العلم اللغوي بما هو معرفة لها أشراطها، وإنما هو الثقافة من حيث هي الجسر الواصل بين الفكر والسياسة. وعلى هذا الأساس نزعم أن مصير اللغة كمصير تنشئة الطفل وتمكينه من اكتساب لغته القومية هي مسؤولية سياسية خالصة. وفي هذا يجد استطرادنا هذا كل مشروعيته رغم ما يبدو عليه من خروج عن المقاصد، فكل المسالك تفضى إلى مصير اللغة انطلاقاً من وضعها مع الأطفال كيف ينشؤون معها ـــ وكيف تحيا على ألسنتهم. في 1990 أصدر فلوريان كولماس باللغة الألمانية كتابه "اللغة والاقتصاد" وترجم الكتاب بعد سنتين إلى الإنجليزية، ثم صدر مترجماً إلى العربية(9) وقد تضمن لمحة موجزة عن "موت اللغات" مشيراً إلى حصيلة المعارف إذ ذاك في هذه القضية، ومدققاً بعض المفاهيم الرائجة(10)، وجملة الإفادة التي تخص سياقنا هذا ما يعرضه من ناموس "صراع البقاء" في المجال اللغوي، وكيف يرتبط ذلك بحركات الهجرة الطوعية أو التهجير القسري، وينتهي إلى تأكيد الحقيقة الحتمية الجديدة، والتي تتمثل في أن لغات العالم في تناقص عددي مطّرد. وفي أثناء ذلك يقدم المؤلف إشارات تتعلق بالمصطلحات المستخدمة في معالجة موضوع موت اللغة فيوازن بين تصورين مبدئيين: اعتبار الظاهرة وليدة إرادة البشر المتكلمين باللغة من جهة، واعتبارها لصيقة بخصائص اللغة في ذاتها من جهة أخرى؛ وعلى هذا الأساس يكرس للحالة الأولى عبارة اغتيال اللغة وللثانية عبارة انتحار اللغة. لكن حالتنا العربية هي حالة أخرى، غير هذه وغير تلك، حيث لا يكون المغتال طرفاً خارجياً ولا يكون في منظومة اللغة ما يجعلها تهترئ فتتفكك وتنحل حتى نتحدث عن انتحارها، وإنما حين يتعمد أهل اللغة إطفاء رحيق لغتهم كما لو أنهم يئدونها وأدا بطيئاً فيكونون هم المنجزين للانتحار اللغوي من حيث ينحرون لغتهم. وفي 2001 أصدرت دار العلوم الإنسانية في باريس كتاباً انتدبت إليه ثلة واسعة من المتخصصين في العلوم اللغوية والعلوم التي تتوالج معها في الأبحاث المتصلة بظاهرة اللغة، واتخذت له عنواناً فسيحاً: "اللغة" طبيعتها وتاريخها وتداولها" ثم أضافت عنواناً فرعياً لتدقيق ما أسلفته: "النظريات اللسانية ـــ المجادلات ـــ الأصول ـــ الرهانات"(11) فجاء كالموسوعة التي إن لم تتضخم حجماً فإنها تختصر المسافات العلمية بإيغالها في الجوانب المعرفية الدقيقة، وبتركيزها على التفريق بين النتائج الموثوق بها والقضايا الخلافية. يهمنا من كل المشاهد التي نسجت ألياف هذا الإنجاز ما أصبح كالحقيقة العلمية القاطعة، وهو أن عدد اللغات البشرية في تناقص، وأن التواصل الثقافي بين البشر جميعاً ما انفك يدفع بظاهرة انقراض اللغات نحو تخومها القصوى. وفي فصل بعنوان "علينا أن ننقذ التنوع اللغوي" يتم تأكيد الناموس الجدلي الجديد، والذي فحواه أن البشرية فيما سلف من تاريخها شهدت تكاثر الألسنة عن طريق التولد التناسلي الذي تظهر فيه لغات جديدة بعد أن تموت لغات أخرى، وذلك على أساس أن الذي يتولد يفوق ما ينقرض، أما الآن فإنها تشهد اندثار اللغات دون أي حظوظ في تولد لغات جديدة: "إن الناس ينشؤون على لغتهم، ثم يكتسبون لغة أخرى تهيمن على حياتهم، فلا يجدون جدوى في تلقين لغتهم للجيل الذي يتلوهم، وهكذا تنقرض اللغة(12). في ذاك الكتاب ـــ ذي السمة المعرفية والموسوعية معاً ـــ شارك العالمان اللسانيان كلود حجاج ولويس جون كالفاي، فأما الأول فهو الذي أطلق صيحته المدوية في الكتاب الذي أصدره عام 2002 بعنوان "ضعوا حداً لموت اللغات(13). وأما الثاني فقد أصدر في نفس السنة كتابه: "سوق اللغات" مدققاً إياه بالعنوان الفرعي التالي: التأثيرات اللغوية للعولمة. وإليه يرجع ترويج عبارة الحروب اللغوية منذ أُصدر عام 1987 كتاباً بعنوان: "الحروب بين اللغات والسياسات اللغوية". ولذلك تم انتدابه لافتتاح الكتاب الجماعي الذي أصدرته سلسلة بانوراميك عام 2001 بعنوان: "اللغات: حرب حتى الموت"(14). فبم نخرج من كل هذا الزخم العلمي البالغ التخصص كي نظل في نهجنا الذي تحكمه حيثيات سياقنا الدائر على لغة الطفل العربي في العصر الراهن؟ لنعلم أولاً أن عدد اللغات في العالم اليوم لا يقل بأي صورة من الصور عن أربعة آلاف لغة، وذلك إذا كانت مقاييسنا صارمة في عزل ما قد يكون لهجة من لهجات اللغة الأم، كأن نقتصر في العد والحساب على اللغة العربية الفصحى ونعزل كل اللهجات العامية، فإذا ما وسعنا دائرة الإحصاء حصلنا على ستة آلاف لغة في العالم، وبناء على ذلك يفضل الدارسون المهتمون باستشراف المستقبل أن يعتمدوا الرقم الوسط: خمسة آلاف لغة بالمعنى التام للغة الذي تخرج من دائرته العاميات وكل التنويعات اللهجية. ولنعلم ثانياً أن عدد اللغات هذا يفاجئنا حين نضعه أمام عدد الدول في العالم الذي هو 200 دولة تقريباً، وهذا يعطينا معدل 25 لغة في كل بلد، وهو رقم قد يفاجئ كثيراً من الناس، ولكن المشهد سينجلي في أوج تعقده حين نعرف بالإحصاء حجم التعدد اللغوي داخل القطر الواحد، ويكفي أن نشير إلى أن في الكاميرون 200 لغة، وفي الهند 380، وفي نيجيريا 410، وفي إندونيسيا 670، وفي غينيا 850، ويمكن أن نذكر ـــ من بين الدول العربية ـــ حالة السودان، فآخر إحصاء فيها (العام 2005) يبين أن عدد السكان في بلاد السودان 38 مليون نسمة، 20 منهم يتكلمون العربية و8 ملايين يتكلمون 100 لغة أخرى. مع التذكير بأن الإحصاء قائم على اللغات ذات الكيانات المستقلة لا على اللهجات الملتفة حول اللغة الأم الواحدة. ولنعلم ثالثاً أن عدداً هائلاً من اللغات تموت بمعدل 25 لغة كل عام، وقد بات ثابتاً لدى العلماء المختصين أن 600 لغة في العالم قد أَخذت طريقها التدريجي نحو الانقراض، وأن النسق الحالي لمجريات الأمور سيفضي ـــ خلال هذا القرن الواحد والعشرين ـــ إلى اندثار ما لا يقل عن 3000 لغة. وقد بين الباحث الروسي الكسندر كيبريك أن 130 لغة في روسيا قد أخذت طريقها نحو الانقراض بما يكاد يكون نهائياً. ولا يفوتنا أن ننبه ـــ رابعاً ـــ إلى أن العلماء المختصين منزعجون أيما انزعاج من هذا المشهد اللغوي في الواقع الإنساني قاطبة، وبصرف النظر عن دوافع الحنين أو بواعث الحمية فإن هؤلاء العلماء يتحسرون لظاهرة الانقراض من موقع العلم الخالص، فكل لغة تموت تحرمنا من اكتشاف نسق محدد ومخصوص من منظومات العقل البشري، حيث تتوالج المقومات اللغوية والنفسية والإدراكية، ثم إن انحجاب بعض اللغات يعطل مشروع علم اللسانيات النظرية في استكمال منظومة الأنحاء الموصلة إلى اكتشاف النحو الكلي. أما الحقيقة الكبرى التي عليها يدور اهتمامنا في هذا السياق تخصيصاً فتتمثل في أن مجال الطفولة هو المجال الأمثل لقتل اللغة وذلك حين تزرعه الظروف بالعوائق التي تحول بين الناشئة واكتساب لغتهم القومية. إنها نبذة من الحقائق التي نراها غائبة عن الوعي العربي العام، وبغيابها تتعطل قدرة الاستشراف لديهم، ومن حق الراصد للمشهد العام أن يتساءل: ما عسى أن تعني تلك الأرقام عن اللغات في نفوس أهل الشأن الجماعي في الوطن العربي؟ وهل إن كشفها كفيل بأن يستزرع لدى النخب الفكرية والسياسية وعياً جديداً بالحالة اللغوية التي عليها العرب، أو بالمآل الذي ستصير إليه لغتهم العربية؟ كانت الحقيقة العلمية كصفارة الإنذار نبهت الوعي الإنساني المتيقظ، فقد انتبه الكنديون لتقرير نشرته مؤسسة الإحصاء الكندية مفاده أن 47 لغة من بين الخمسين المتداولة في كندا قد أخذت طريقها نحو الاندثار، وانتبه الألمان إلى أن لغتهم تتدحرج على سلم الأولويات بحيث تتأخر رتبها بين العشر لغات الأكثر شيوعاً في العالم، ويسوغون مخاوفهم على أساس أن مستقبل اللغة الألمانية يبدو غير مستقر في عصر تسيطر فيه الإنجليزية على التكنولوجيا العالية، كما يتهمون الاتحاد الأوربي بالتحيز ضد لغتهم؛ لأن اللجان المنبثقة عن المفوضية الأوروبية كثيراً ما تكتفي باستخدام الإنجليزية والفرنسية. والمهم هو أن مؤسسات العمل الدولي قد تجاوبت مع الحقائق العلمية المقررة، فمنظمة اليونسكو التابعة لهيئة الأمم المتحدة قد أعلنت عن برنامج سمته "اللغة الأم" واتخذت له يوماً عالمياً هو 21 فبراير من كل عام، وكان ذلك في إطار إعلان سنة 2000 السنة الدولية لثقافة السلام، وقد حددت اليونسكو هدفها من كل ذلك وهو حماية 6000 لغة إنسانية من الاندثار، وبتلك المناسبة شرح المدير العام للمنظمة يومئذ كويشيرو ماتسورا كيف فشل القرن العشرون في الحد من تسلط القوة على الثقافة الإنسانية بما أصبح يهدد خصوصياتها المتنوعة حتى اللغوية منها. وهكذا بعثت اليونسكو لجنة استشارية للتعددية اللغوية، تكونت من 12 خبيراً، عقدت أول اجتماع لها في مطلع شهر أغسطس 2000. هذا هو إذن السياق المخصوص الذي يتنزل فيه ـــ على وجه التدقيق العلمي والثقافي ـــ مؤتمرنا، ومن هنا ندرك بوعي تام أهميته للأبعاد المترامية التي ينحت لنا إشكالاتها. إن أمر اللغة عند العرب عجيب، وأعجب منه أمر العرب مع لغتهم. وبوسعك أن تجزم بأنهم يستثيرون من الاستغراب والتعجب مالا تستثيره أمة من الأمم، وكثيراً ما يحار المتأمل بفكر خالص كيف يصار بالخيارات الجوهرية في الحياة الجماعية إلى مثل هذه الأوضاع التي كأنما يتحول فيها الفاعل عدواً على نفسه. والأوجع ـــ لمن هاجسه الرصد الجزئي الدقيق ـــ أن أصحاب القرار يتبنون في المسألة اللغوية خطاباً يستوفي كل أشراط الوعي الحضاري، ثم يأتون سلوكاً يجسم الفجوة المفزعة بين الذي يفعلونه والذي قالوه. ثم يزداد المثقف ألماً وشقاء حين يعلم علم اليقين بأن الحقائق العلمية ليس لها من الوزن لدى ساسة العرب ما لها لدى ساسة العالم المتطور. ولو تسلى أحدنا ـــ على سبيل المرارة الهازئة ـــ بعرض الحقائق التي أسلفناها على من بيدهم مصائر شعوبنا العربية لما ألفينا بذرة واحدة من الوعي تنبههم إلى الخطر المحدق باللغة العربية، أما لو حاولت إفهامهم وإفهام فئات عديدين من "النخب" الفكرية بأن العربية قد تنقرض على المدى المتوسط من أعمار اللغات فسيكيلون لك بصواع الاستهزاء جزافاً فجزافاً. المشكلة الآسرة هي أنهم سيفهمون عنك إذا حدثتهم عن تغير نسق التاريخ، وسيزكون خطابك إن أطنبت في أن تطور الظواهر العامة في حياة البشر ـــ اجتماعية كانت أو اقتصادية أو سياسية ـــ أصبح محكوماً بزمن جديد، فلم تعد وحدة القياس فيه العقود وإنما هي السنوات، وأحياناً تكون بالشهور والأيام، فإذا جئت معهم إلى المماهاة بين الظواهر والأحداث، فشرحت لهم أن وحدة القياس في انحلال اللغات وانقراضها لم تعد هي القرون وإنما أصبحت الآن هي العقود، استخفوا بك وبما ترى؛ ومن العجب أنهم ـــ في تلك اللحظة، وبإجماع رهيب، ودون سابق توظيب بينهم ـــ سيقذفونك بالتهمة الجاهزة وهي أنك واقع في قبضة شيطان المؤامرة. ولكن التعب إلى حد الضنى سيدركك لو حاولت أن تشرح ـــ لأولي الأمر في السياسة، وبعض أولى الشأن في الفكر والثقافة ـــ الفروق الدقيقة بين المشاهد اللغوية الكبرى على الصعيد العالمي، ذلك أن الناس بيننا يميلون إلى الاطمئنان بأن انقراض اللغات في العالم يصيب لغة المجموعات الإثنية المعزولة، أو المحاصرة بمجموعات أكبر حجماً وأثقل وزناً، وليس الأمر وارداً ـــ حسبما يخالون ـــ على اللغة العربية، وهم في ذلك لا يميزّون بين الظاهرة العامة التي مدارها انقراض بعض اللغات تحت تأثير لغات أخرى غيرها، والظاهرة النوعية الخاصة ومدارها انقراض اللغة بانفلاق يصيبها من الداخل عند حلول الفروع التي انبثقت منها وحلّت محلها. إننا أمة لا ننفك نعمل على ضياع هويتنا اللغوية. وليس من اليسير إقناع الناس ـــ صغيرهم وكبيرهم ـــ بأن للتاريخ أطواراً وللقضايا اللغوية محطات. وهي اليوم غير ما كانت عليه بالأمس. وقد لا يخفي هؤلاء جميعاً استغرابهم الأقصى إذا كاشفناهم بحقيقة جديدة تخلقت في رحم الأحداث الكونية غير المسبوقة، وهي أن اللغات الأجنبية لم تعد هي العدو الأول للغة العربية، وإنما الذي حل محله في هذا العداء الشرس النافذ، والذي في مستطاعه أن يجهز على العربية فيذهب بريحها، هو اللهجات العامية حين تكتسح المجال الحيوي للفصحى. إننا ما فتئنا نفسح الأبواب للعاميات كي تغزو الحقول التي تحيا بفضلها العربية. غزت العاميات منابرنا الإعلامية السمعية والبصرية وسكتنا. غزت العاميات حواراتنا الثقافية وسكتنا. غزت العاميات مجالسنا الفكرية، ثم تسللت إلى فصول التدريس ومدارج الجامعات، وهانحن نصمت متبرمين أو منخذلين. فكيف نتحدث عن الموارد البشرية وتنميتها، أو عن التخطيط المستقبلي الشامل، وكيف نتحدث عن التنشئة السليمة للطفل العربي والحال أننا نعيش انفصاماً بين أدوات المنظومة التربوية وشروط النهضة الحضارية؟ كيف نرقى إلى آليات الاستثمار في حقل التواصل؟ وكيف نمسك بأساسيات اقتصاد المعرفة؟ ومجتمعنا العربي هو المجتمع الوحيد ـــ بين سائر مجتمعات المعمورة ـــ الذي يتخرج فيه التلميذ من التعليم الثاني وهو عاجز عن تحرير عشر صفحات تحريراً سليماً: لا بلغته القومية ولا بلغة أجنبية؟ بم سيجيب ساستنا حين نذكرهم ـــ على وجه القطع واليقين ـــ بأن اللغة العربية قد كان لها من الوزن الاعتباري لدى كل فئات مجتمعاتنا أيام الاستعمار أضعاف ما لها منه الآن بعد عقود من دولة الاستقلال؟ من له أدنى قدر من الحصافة يعرف أنه من المتعذر على أي مجتمع أن يؤسس منظومة معرفية دون أن يمكن الناشئة من منظومة لغوية تكون شاملة، مشتركة، متجذرة، حمالة للأبعاد المتنوعة فكراً وروحاً وإبداعاً. فاللغة هي الحامل الضروري المحايث لكل إنجاز تنموي. والذي له ذاك القدر الأدنى من الروية والرجحان عليه أن يعرف أن اللغة ـــ بما هي موضوع للتعليم وللبحث وللإنتاج ـــ ركن أساسي في كل مشروع اقتصادي. لقد آن الأوان ـــ ويكاد يفوت ـــ أن نكف عن اعتبار اللغة مجرد وعاء للفكر، وهو ما دأب عليه الميراث الفكري الإنساني قاطبة، ليست اللغة إناء نصب فيه التصورات الذهنية، والانفعالات الشعورية، والأحاسيس الغريزية، والاستلهامات الروحية. إن الفصل بين الظرف والمظروف، بين الوعاء وما فيه، بين الصورة والمضمون، هو الآن حماقة كبرى عاشت عليها الثقافات الإنسانية، ولكن فك شفرتها هو من الدقة والخفاء بحيث لم تنجل إلاّ بفضل تطور المعارف الإنسانية المتعاضدة، وما كان للعلم اللغوي أن يحسم الأمر في هذه القضايا لولا تآزره المتين مع ما يسمى بعلوم الإدراك التي تتصدرها علوم النفس وعلوم الأعصاب. إن اللغة هي المعمار الخفي الذي يتشيد به الفكر ويستقيم والذي على قوامه تستقيم تنشئة الطفل الذي هو مخزون الأمة وقاطرتها نحو المستقبل. ثم متى يسلم أصحاب الأمر في وطننا العربي بكل أطراف المعادلة: أن السيادة الاقتصادية رمز للسيادة السياسية، وأن السيادة السياسية مستحيلة دون سيادة ثقافية لغوية، وأن امتلاك لغة الآخر سلاح ليس له اعتبار تقديري في السياسة والاقتصاد والثقافة إلا إذا استند إلى مرجعية لغوية قومية تعين الأنا على أن يقف نداً للآخر؟ ولكننا ـــ في كل ما هو باد على السطح الدولي ـــ أمة بلا مشروع لغوي، نحن مجتمع يريد أن يبني منظومة تنموية وهو يغمض العين عن مأزقه اللغوي المكين. وكم يحدث أن يتعاون ـــ بوعي أو دون وعي ـــ أصحاب القرار مع فئات محسوبين على النخبة كي يتقلص إشعاع اللغة العربية، ثم يتفتت كيانها تدريجياً؛ وإذا بهؤلاء وأولئك ـــ دونما قصد أو توقع ـــ حلفاء موضوعيون لإرادات دولية نافذة ما انفكت تضغط كي تلاقي العربية المصير الذي لقيته اللاتينية، فتحل العاميات المنحدرة منها محلها. إنها دعوة خرجت من سياق المناورات السياسية المعهودة، ودخلت ضمن الإطار الاستراتيجي الأوسع. وعلى هذا النسق ـــ ما لم ينتفض أصحاب القرار بوعي فجئي جديد ـــ سنكون في المنظور المتوسط المدى أمة بلا هوية لغوية. لقد بدأت التناقضات تتكشف بين الخيارات اللغوية القومية وتوجهات السياسية الثقافية الدولية، وكان منطلق الشقاق هو تأول المصطلح المروج، ومعلوم أن المرجع في الخيارات الدولية هو المفهوم المحايث للمصطلح الإنجليزي mother longue وللمصطلح الفرنسي La langue maternelle ويقصد بالمصطلح في دلالته العلمية الأولى قبل أن تخيم عليه ظلال التوظيب السياسي أول أشكال الأداء اللغوي الذي يمارسه الطفل في بيئته ويستخدمها لتحقيق التواصل بينه وبين المحيطين به. وأُطلق عليه هذا المصطلح نسبة إلى المصدر الأول الذي يتلقى منه الطفل اللغة، وإدراكاً للعلاقة الخاصة والوثيقة التي تربط الوليد الإنساني بأمّه كأول كائن يفترض أن يكون قد اتصل به. ولما جيء إلى المصطلح لترجمته إلى اللغة العربية تباينت السبل في تقدير أمر اللغة أعلى وجه الاكتساب الاختباري المباشر يعتمد أم على وجه الاكتساب القيمي المنشود، ولاسيما واللغة العربية تزاحمها في كل الحالات لغة أجنبية مماحكة، وهذا ما قد انعكس على ترجمة المصطلح التي تعددت صيغها: لغة الأم، لغة الأمومة، لغة الاكتساب الأمومي وكلها تجذب الدلالة نحو لغة الأداء العامي، ثم برز مصطلح "اللغة الأم" جنوحاً بالمقاصد نحو اللغة العربية الفصحى. لقد سبق للعرب أن وضعوا "الخطة الشاملة للثقافة العربية"(15) وفيها أكدوا على ضرورة العناية بلغة الطفل العربي كي يقوى على مواجهة تحديات العصر جميعها، ولكن البون ما انفك يتسع بين قرارات العمل العربي المشترك وحقيقة تنفيذها. وعلى هذا الأساس تتجدد جهود بعض الأطراف لسد هذا الشغور الحضاري، ومن أجل هذا نص المجلس العربي للطفولة والتنمية على أن إعداد إستراتيجية قومية لتنمية لغة الطفل العربي يصدر إلى جملة من العوامل منها: 1ـــ ما يشهد مع المجتمع العالمي المعاصر من تداعيات للعولمة والتي من أخطرها شأناً تهميش الثقافات الوطنية واللغة القومية بفرض ثقافة القطب الاقتصادي الذي ينتج وحده ويفرض لغته وطريقته عبر وسائل الاتصال. مما يضع لغتنا العربية أمام تحديات كثيرة وخطيرة يلزم مواجهتها والتصدي لها قبل أن تستفحل آثارها. 2ـــ موقع اللغة العربية في الثقافة العربية الإسلامية،ودورها في الحفاظ على مصادر التراث وعلى المقومات الروحية، فضلاً عن إسهامها التاريخي في تشييد الحضارة الإنسانية. 3ـــ موقع اللغة العربية في المجتمع العربي والإسلامي والعالمي المعاصر، إذ تواجه من مهددات الفناء ما يستلزم التصدي له وذلك بدعم مقومات البقاء. 4ـــ موقع مرحلة الطفولة في حياة الإنسان، إذ هي المرحلة التي تتكون فيها مقومات شخصيته وتتحدد فيها إلى حد كبير ملامح هويته، مما جعل العناية بسنوات الطفولة مطلباً ودافعاً إنسانياً ليكاد يقع عليه الفرد لدى الأمم جميعها، فضلاً عما تنص عليه حقوق الطفل المعاصر، وعلى رأسها حقه في استعمال لغة صحيحة جيدة تمكنه من المشاركة الفاعلة في التنمية الشاملة لبلاده والمحافظة على ذاته. 5ـــ الحاجة إلى رسم سياسة صحيحة وموضوعية وعلمية لسياسة لغوية عربية شاملة تأخذ في اعتبارها الثقافة العربية الإسلامية والمتغيرات العالمية المعاصرة وخصوصية المجتمع العربي وخصائص النمو في مرحلة الطفولة. في هذا العام، 2007، وبمناسبة الاحتفال ـــ في 21 شباط ـــ بيوم اللغة الأم أصدرت اليونسكو بياناً أكدت فيه أن "الحقوق اللغوية" تندرج ضمن "حقوق الإنسان" التي منها "حقوق الطفل" وأن من حق كل طفل أن ينعم بلغة الاكتساب الأمومي وبلغة التداول الجماعي وبلغة التحصيل المعرفي، وأن كل ذلك يندرج ضمن ميثاق التنوع البشري الخلاق الذي انتهت إليه اليونسكو في خاتمة مطاف الشعرية الثقافية 1988 ـــ 1997. ورغم كل المجاذبات التي أفضى إليها ذاك البيان حتى كاد بعضهم يعتبر أنه ذهب بتسييس القضية دولياً إلى تخوم مريبة فإن ترجمته عربياً تقتضي أن تؤكد على أن من حق الطفل العربي أن تكون لغته القومية العماد المتين الذي عليه يتشيد الكيان الحضاري والمعمار المعرفي. الهوامش: 1ـــ دمشق: 14 ـــ 17 نوفمبر 2005. 2ـــ انعقد في القاهرة بالتعاون مع جامعة الدول العربية، في مقر الأمانة العامة بتاريخ 17 ـــ 19 فيفري 2007. 3ـــ عقدت اجتماعها الأول في القاهرة بتاريخ 5 ـــ 7 جويلية 2007. 4ـــ بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة في مصر، الدوحة 21 ـــ 23 فبراير 2007. 5ـــ وهو الشعار الذي رفعه مؤتمر القاهرة (فبراير 2007). 6ـــ نشير إلى أن هذه الترجمة شائعة في بعض أقطار المغرب العربي، ولكن بعض أقطار المشرق ـــ ولا سيما مصر ـــ تطلق مصطلح الثنائية على لفظ bilinguisme ومصطلح الازدواجية على لفظ diglossie 7ـــ فصلنا القول في ذلك في بحث قدمناه إلى المؤتمر الذي نظمته اليونسكو في الرباط (7ـــ 12 أفريل 1987) ثم ضمناه في كتابنا: قضايا في العلم اللغوي، تونس، 1994، ص 71 ـــ 108. 8ـــ سبق لنا أن أشرنا إلى هذه المسألة في مقدمة بحثنا إلى المؤتمر الرابع الذي عقده مجتمعنا الموقر (نوفمبر 2005). 9ـــ ترجمة د. أحمد عوض، عالم المعرفة، ع 263، المجلس الوطني للثقافة، الكويت. 10ـــ ص 14 ـــ 16. 11ـــ Le Langage: Nature, Histoire et usage, editions scicnes humaines 12ـــ ص 197. 13ـــ Claude Hagèg: Halte à la Mort des Langues, Paris èd Odile jacogb 14ـــ Langues: une guerre à mort, panoramiques, n 48. 15ـــ وذلك في نطاق المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الطبعة الأولى تونس 1986، الطبعة الثانية 1990. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |